فيلم شارع مالقة..

حين لا يعرف القلب الاستسلام.

العمر .. يا لها من حكاية شائكة ومعقدة بدايته آمال ونهايته أوجاع، يعبث الزمن بنا ثم يدهسنا دون أن يكترث لأيامنا وذاكرتنا وشبابنا .. لينتهي بنا الحال عاجزين عن مداواة أنفسنا، عاجزين عن كل شيء حتى عن الحياة، في حالة من الهرم والعجز وكفرد فائض عن الحاجة بل ويُنظر إليه كمريض، لا كبشر عادي يمارس تطوره البيولوجي لا أكثر، وبمنتهى الروعة والهدوء والجمال، و قلة هم أولئك الذين تمن عليهم الحياة بأن يحظو بأيامهم الكبيرة في عمر متأخر، وكم هي نادرة فرص النجاة والفرح في العمر الذي يصبح المرء فيه مجرد عبء على الجميع، يستعجلون رحيلة أكثر مما يرجون بقاؤه، لكن الحياة لا تتوقف والأيام الجميلة لا حصر لها وكل ما نحتاجه لإدراك ذلك، هو قلب قادر على القفز، والضحك والأمل والحب .. قلب لا يمكن لليأس أن يسكنه لأن هذا الضوء الساكن في القلب والعينين لا يمكن أن يبقى إذا تسلل اليأس إليهما. هناك عدد كبير من الأعمال الفنية الدرامية والسينمائية، طرحت مواضيع إنسانية تتعلق بمسألة التقدم في العمر، وتساؤلات أخرى حول الأشياء التي تليق أو لا تليق في نظر المجتمع! لا في نظر الشخص نفسه ولاعتبارات شكلية تخص العائلة، لا تلك الاحتياجات والرغبات النابعة من العمق، من أجملها فيلم (شارع ملقا) أو (زنقة ملقا) كما هي التسمية المغربية، يتميز الفيلم بكونه يمتعك بصرياً وينقلك في نزهة منعشة وجميلة في شوارع طنجة الحالمة والعالقة ما بين قارتين، بكل جغرافيتها وتاريخها، بمزيج الثقافات النادر الذي تحمله تلك المدينة الرائعة، تدور أحداث الفيلم في مدينة طنجة المغربية التي اختلط فيها الأسبان بالمغاربة، حيث ولدت هناك امرأة أسبانية تدعى “ماريا” وتزوجت وأنجبت وتوفي زوجها وبقيت في منزلها في وسط الحي المغربي والمطل بشرفته على الحياة، تعرف ماريا الجميع ويعرفونها ، بوجهها الجميل و خفة روحها، تستمتع بكل لحظة في يومها، امرأة لم يغادر الصبا محياها، لا تنس أبداً طلاء أظافرها الأحمر، ولا ترتيب شعرها بأناقة واهتمام، فهي تعيش الحياة كما يجب وتهتم بنفسها كما يجب، حتى تطرق عليها الباب ابنتها القادمة من اسبانيا، وتبلغها بقرارها في بيع المنزل، ونقل الأم إلى مدريد أو إلى دار إيواء العجزة، وكأن زلزالاً يضرب حياة ماريا الهادئة والهانئة، ويسلبها أجمل أشيائها وأغلاها، دون أن تستطيع منع ذلك، يحكم عليها بمغادرة منزلها الذي تمثل كل قطعة فيه جزء من روحها، وتسحب إلى دار الإيواء رغماً عنها، لتكون في مواجهة أليمة مع الوحشة والصمت والجمود والرتابة والروتين المميت والذي لا يشبهها في شيء، باعت ابنتها الشقة ومحتوياتها الثمينة بأبخس الأثمان، ثم عادت الى أسبانيا، لكن المحب للحياة لا يمكن لشيء أن يوقفه، عادت ماريا الى المنزل رغم عرضه للبيع، وحاولت المستحيل لتستعيد قطع أثاثها النادرة ، ولتعود للحي والجيران والحياة والورود الحمراء التي تحبها، ماريا هنا تجسيد جميل لما نحب أن نكون عليه حين تنطفئ الآمال العظيمة، و تهدأ الأيام كل ما يتبقى حينها، هو الأشياء الخالدة والحقيقية في العمق، و إيمان المرء بقدرته على البقاء و قدرته على الحياة مهما كلفه ذلك، لا كمراقب أو مترقب بل كشخص يخوض الحياة بكل ما فيها، تعود ماريا إلى الحي وتبدأ بعمل وجبات ومشاريب لتبيعها على متابعي الدوري الأسباني الذين وفرت لهم خدمة مشاهدة المباريات في منزلها، لتجمع ثمن استعادة قطع اثاثها العتيق، و في محاولات استعادة ما كان ملكها في الاساس، تلتقي بالحب وتعود الرجفات القديمة إلى قلبها، تستعيد ماريا أثاثها ومنزلها ومعهما الحب الذي لم يكن بالبال، ليكون الحب أجمل الأقدار في وسط هذه الفوضى، لا يكبر الإنسان على الحب أبداً، كما لا يكبر على الحياة. في لقطات ممارسة الحميمية لم تكن هذه اللحظة عن الجنس كفعل جسدي بقدر ما هي عن التشبّث بالحياة في وجه التآكل، وهذا ما يجعلها مشحونة إنسانيًا أكثر من كونها حسّية، كما لم يكن مشهد التعري عنصراً للإثارة البصرية، بل كفعل كشف وجودي وكأن ماريا لا تخلع ملابسها بقدر ما تخلع الزمن عن جسدها! التعري هنا هو لحظة صدق نادرة، تتجرّد فيها الشخصية من كل الأدوار الاجتماعية والذكريات الثقيلة، لتبقى في أبسط حالاتها كائنًا حيًا يواجه هشاشته دون وسيط، الجسد العاري في هذا السياق لا يُقدَّم كموضوع للرغبة، بل كأثرٍ للزمن وكثائر، كخريطةٍ لما مرّ عليه من حياة وفقد، وتحولات، ولهذا يصبح التعري امتدادًا لفعل الحب نفسه؛ كلاهما محاولة لاستعادة الذات من طبقات التآكل، وكلاهما إعلان صامت بأن ما تبقّى رغم كل شيء ما زال يستحق. لم تنتصر ماريا بالمعنى التقليدي، لكنها رفضت الاستسلام، ولم تقاوم الموت بشكل مباشر، بل اختارت أن تعيش رغم حضوره، فالحياة لا تُمارَس حين تكون سهلة، بل حين تصبح صعبة. يمكنك أن تلاحظ أن الإضاءة في الفيلم كانت إضاءة طبيعية دافئة، توحي بالحميمية و الذكريات، و الألوان زاهية وغير صاخبة وكأنها توحي بحياة هادئة تخفي طبقات من الحنين، تركيز الكاميرا دائماً على التجاعيد والملامح المسنة، كأنه يقول بأن الزمن هنا ليس خلفية لكنه بطل صامت، الكاميرا غالبًا تتعامل مع الشخصيات بحميمية شديدة وهذا ما أعجبني في إخراج المخرجة (مريم التوزاني)، تأتي اللقطات قريبة دون استعراض، كأنها تُنصت أكثر مما تُري، وكأن الفيلم لا يسرد حدثًا بقدر ما يسرد مرور الزمن على شخصيات عاشت تحولات المدينة، هذا النوع من السينما أقرب إلى سينما التأمل حيث الحدث الحقيقي هو الإحساس، لا الفعل، وهذه هي الغاية الأسمى من صناعة السينما، هذه النوعية من الأعمال الإنسانية التي تمتعك، وتتركك للحظات صمت وتفكير طويل بعدها. بالنسبة لكادر العمل/ الإخراج:(مريم التوزاني) سيناريو وحوار:(مريم التوزاني) و(نبيل عيوش) البطولة/ (كارمن مورابدور) “ماريا أنخيليس” وهي ممثلة إسبانية شهيرة، (مارتا إيتورا) بدور “كلارا” ابنة ماريا، و المغربي (أحمد بولان)