مستقبل دور السينما في السعودية..
بين استدامة الدهشة الجماعية وظلمة الشاشة الانفرادية.
تواجه صناعة السينما اليوم منعطفاً تاريخياً فرضته التحولات العميقة في البيئة الإعلامية المعاصرة. ومع بزوغ ظواهر عالمية تتمثل في انحسار الحضور الجماهيري أو تقليص العروض الصباحية لعدم جدواها الاقتصادية، بات لزاماً علينا إعادة النظر في دور السينما؛ ليس كقاعات عرض صامتة، بل كمنصات حيوية قادرة على مواجهة اكتساح منصات البث الرقمي وتغير أنماط استهلاك المحتوى لدى الأجيال الجديدة التي باتت تفضل العزلة الرقمية الانفرادية على المشاركة الوجدانية الجماعية. منجز «الكم» وتحدي «الكيف» بخطى واثقة، تمضي رؤية المملكة 2030 لتمهيد الطريق نحو وجود **1000 قاعة سينمائية**، مما جعل السعودية تتبوأ المرتبة الأولى عربياً في عدد دور العرض وتطور تجهيزاتها. إلا أن هذا المنجز الإنشائي يضعنا أمام سؤال الاستدامة: كيف نحمي هذه الشاشات من «الظلمة» التي أصابت مثيلاتها في دول عانت من هجران الجمهور؟ إن الاستدامة هنا لا تعني بقاء الأبواب مفتوحة فحسب، بل تعني «أنسنة» هذه الفضاءات لتصبح جزءاً من النسيج اليومي للمواطن والمقيم، ومحركاً حقيقياً للاقتصاد الإبداعي. استراتيجيات التشغيل الذكي لتحويل القاعات من عبء تشغيلي في فترات الركود إلى مراكز إنتاجية، يجب تفعيل «التشغيل المتعدد». إن الساعات الصباحية المهدرة يمكن استثمارها عبر شراكات استراتيجية مع الجامعات والمؤسسات التعليمية، لتحويل القاعة إلى وسيط تعليمي بصري يعيد صياغة المناهج بأسلوب تفاعلي. كما أن استغلال البنية التقنية المتطورة لاستضافة بطولات الألعاب الإلكترونية الجماهيرية وورش العمل المهنية، يضمن تدفقاً مستمراً للجمهور خارج أوقات الذروة السينمائية، مما يحقق توازناً بين كلفة الطاقة وعوائد التشغيل. استعادة «الدهشة المشتركة» تتميز السينما بكونها تجربة حسية وجماعية تولد حالة من «الدهشة المشتركة»، وهو ما يفتقده المشاهد تماماً خلف شاشته الفردية. لتعزيز هذه القيمة، يجب أن تتحول القاعة إلى «صالون ثقافي حي»؛ عبر تنظيم ندوات نقدية تلي العروض، واستضافة صنّاع الأفلام للحوار مع الجمهور. إن تحويل المشاهد من «مستهلك سلبي» إلى «مشارك فاعل» هو الكفيل ببناء ولاء طويل الأمد مع القاعة السينمائية، وبناء مجتمع «نادي السينما» الذي يحيي الذاكرة البصرية ويجعل من الذهاب للسينما طقساً اجتماعياً لا يمكن استبداله بالبث المنزلي. فجر جديد للسينما السعودية إننا لا نبني مجرد قاعات، بل نؤسس لمرحلة جديدة من الوعي الجمعي الإنساني. إن الـ 1000 قاعة المرتقبة ليست مجرد أرقام في سجلات الاستثمار، بل هي ألف منارة ستحكي قصة الإنسان السعودي للعالم، وتستقبل إبداعاته بكل فخر. ختاماً، فإن الرهان على السينما في المملكة هو رهان رابح بالضرورة؛ لأننا لا نملك فقط التجهيزات الأحدث، بل نملك جمهوراً شغوفاً ومبدعين يحملون أحلاماً تتسع لكل تلك الشاشات. وبدعم الرؤية الطموحة، ستظل دور السينما لدينا نابضة بالحياة، تقاوم ظلمة العزلة بضوء المشاركة، وتفتح أبوابها دائماً لتكون الملاذ الأخير للحالمين، والمختبر الأول لصناعة وعي إنساني متجدد يشرق من قلب الرياض وجدة وكافة مدن مملكتنا الغالية.