الشنقيطي تعليقاً على مقال د. الزيلعي:

لعل«الوجيدة» هي «الوحيدة» وقد نالها من التصحيف ما نال غيرها.

اطلعت على مقال سعادة الأستاذ الدكتور أحمد الزيلعي بعنوان» أقدم وثيقة خطيّة لمنحة أرض محرّرة بتاريخ 35 عامًا بعد عام الفيل» المنشور بتاريخ 17-3-2026. ولي تعليق على بعض ما جاء في هذا المقال، يتعلق بتحديد موقع الأرض الممنوحة من قِبل عمرو بن الشريد السلمي إلى صديقه معمر بن الحارث العذري، المحررة سنة 35 من عام الفيل. وقد جاء في المقال أن الأرض الممنوحة تدعى الوحيدة، وأنها من أعراض المدينة بينها وبين مكة، في ديار بني سليم، وأن الدكتور أحمد سأل عن مكانها فقيل له إنها تقع جنوب شرق الحناكية. أود أن أشير إلى أن المدينة المنورة-باعتبارها عاصمة الإسلام الأولى- كانت تتبعها إدارياً جهات كثيرة، تبدأ من تيماء شمالاً حتى عسفان جنوباً، ومن ضرية شرقاً(١) حتى ينبع والعيص غرباً، والقرى والبلدات في هذه النواحي الواسعة تدعى أعراض المدينة(2) أو مخاليف المدينة. ومن أعراض المدينة ومخاليفها «الوحيدة». قال عنها نصر الإسكندري الفزاري (ت 561) إنها موضع بالحجاز (3). أما ياقوت (ت626) فكان أكثر تحديداً، فقال عنها:» من أعراض المدينة بينها وبين مكة، قال ابن هَرْمة: أدارَ سليمى بالوحيدة فالغمر، ... أبيني سقاك القطر من منزل قفر (4)» تحديد هؤلاء البلدانيين لموقع (الوحيدة) توضح أن الأرض الممنوحة لابد أن تكون في حرة الحجاز وفي ديار بني سليم الذين يعتبر عمرو بن الشريد من أشرافهم. ويخبرنا ابن خرداذبة(ت280 تقريباً) عن مجموعة من أعراض المدينة، فيقول: «ومنها تيماء وبها حصنها الأبلق الفرد وفدك وقرى عربيّة والوحيدة ونمرة والحديقة وعادى وخضرة والسّائرة والرّحبة والسّيالة وساية ورهط وغراب والأكحل والحميّة (5)» وأعاد الإدريسي(ت560) ما قاله ابن خرداذبة وسمّاها مخاليف المدينة (6). هذه الأعراض التي ذكرها ابن خرداذبة، معروفة اليوم لكن قد دخل أسماءها التصحيف، وهو-أيْ- التصحيف مما عمت به البلوى خاصة في أسماء المواضع والأعلام (7). فنجِد هنا مثلاً؛ ثمرة (وهو وادٍ معروف) تحول إلى تمرة، وحاذة (منزل معروف على الطريق الشرقي بين مكة والمدينة) تحول إلى عادي، والحمنة (بلدة في حرة الحجاز) تحولت إلى الحمية ورهاط إلى رهط. وإذا نظرنا إلى معظم هذه الأعراض الواقعة في حرة الحجاز نجدها تقع في مكان تشترك فيه قبيلتا سُليم ومزينة وفي أماكن متقاربة، مثل؛ خضرة، والسائرة (وادي حجر)، وغراب، والأكحل، والحمنة، ولم يتخلف عنهم إلا الوحيدة. ولكنها في الحقيقة منهم. فبقرب هذه الأعراض المذكورة عِرضٌ مشابه لهم يدعى الوجيدة (بالجيم المعجمة)، لا أشك في أنه الوحيدة، الوارد ضمن الأعراض المذكورة لانطباق الأوصاف عليه، فهو: - •عرض في الحجاز بين مكة والمدينة •يقع ديار بني سليم •يشترك مع مجموعة الأعراض التي ذُكرت معه في منظومة واحدة متقاربة متشابه. •مازال موجوداً إلى اليوم، وفيه عينان تجريان، والنخل الباسق، وأنواع النباتات البرية، والطيور تصدح في أرجائه، رغم أنه شبه مهجور اليوم، بعد التغيرات الديموغرافية في المكان. •فيه آثار استيطان قديم، ونقوش على الصخر بخط من القرن الإسلامي الأول. •وجود موضع يسمى الغمر قريب منه (وهو وادٍ من أودية حَجْر (السائرة قديماً)، حيث بيت ابن هرمة المتقدم يدل على وجود الغمر قرب (الوحيدة). •تطابق الاسمين، فإعجام الحروف لم يكن معروفاً قبل الإسلام، ولم يكن شائعاً في العصر الإسلامي المبكر. فلهذه المعطيات، وهناك غيرها لم آت عليه خشية الإطالة، تأكد لدي أن شِعب الوجيدة الذي يستبطن حرة الحُزيم ويفيض في وادي مرّ هو عِرْض الوحيدة الوارد في المصادر. هذا والله تعالى أعلم. وهذا مكان عين الوجيدة ورفقه بعض الصور الحديثة المأخوذة من الموقع. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيرا * المدينة المنورة هوامش................................................... 1 - معجم البلدان، 3/475، ط2، الناشر: دار صادر، بيروت 2 - العِرْضُ: بكسر أوله، وسكون ثانيه، وآخره ضاد معجمة، ويقال لكل واد فيه قرى ومياه عرض، وقال الأصمعي: أخصب ذلك العرض، وأخصبت أعراض المدينة وهي قراها التي في أوديتها، وقال شمر: أعراض المدينة بطون سوادها، حيث الزروع والنخل، وقال غيره: كل واد فيه شجر فهو عرض. (ياقوت، رسم: العرض) 3 - كتاب نصر،2/583، تحقيق حمد الجاسر 4 - معجم البلدان، رسم: الوحيدة 5 - المسالك والممالك لابن خرداذبة، ص128، الناشر: دار صادر أفست ليدن، بيروت 6 - نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ص145 7 - ينظر مقدمة كتاب» التصحيف في أسماء المواضع الواردة في الأخبار والأشعار» لحمد الجاسر، ص8 وما بعدها. الناشر: المجمع الثقافي- أبو ظبي.