في رواية « رجل الشّتاء» للروائي يحيى امقاسم..

الزّمن المُعلق وإشكالية الاحتمال.

يطلّ أسم يحيى امقاسم ككاتب وصوت من الأصوات السّرديّة السّعوديّة التي اشتغلت على أسئلة الهويّة والتّحوّل الاجتماعي بلغةٍ تمزج بين الحسّ الواقعي والبعد الرّمزي. امقاسم روائي وكاتب وباحث سعودي، نال درجة البكالوريوس في الحقوق؛ وهي بلاشك خلفيّة قانونيّة انعكست في كثير من كتاباته على حسّه الجدلي، وقدرته على بناء صراعٍ يقوم على الحُجّة والتّوتّر والبعد الأخلاقي فيها. ولعلّ حضوره الواسع في المشهد الثقافي السّعودي والعربي ارتبط بصدور روايته الأولى ساق الغراب عام 2008م التي شكّلت منعطفًا في تجربته، وفتحت أمامه مدى الانتشار والنقاش النقدي. الكاتب أمقاسم صاحب تجربة فكريّة وأدبيّة امتدّت من دراسة القانون إلى فحص المجتمع عبر السرد؛ حيث تتحوّل الكتابة عنده إلى فعلِ رؤية وإلى تشريحِ واقعٍ تتنازعه الأسئلة الكبرى للإنسان المعاصر. إن القراءة الروائيّة فعلٌ يتجاوز حدود الحكاية وعمقها إلى اختبار صورة الإنسان في أغوارها المعرفيّة، فالنصّ يفتح مساراتٍ تتصل بالوجود والمعنى وتُعيد وصل المتخيّل بالواقع عبر شبكة كبرى من العلامات والسياقات الدلاليّة المُركّبة، لذا فالقارئ الفاعل يفحص كيفيّة القول عبر نظام رمزيّ يعيد ترتيب التجربة الإنسانيّة ويحمل الإبداع أثر صاحبه، إذ يُضْمر في داخله رؤيته للعالم، متُشكّلًا في إيقاع الإحساس وطبقات الذاكرة، ولهذا كانت ولا زالت الرواية حيزًا وميدانًا مفتوحًا يُعاد فيه تشكيل الإنسان كسؤالٍ مُتواصل داخل احتمالاتٍ واسعة لا تنغلق ولاتنفك. في رواية “رجل الشّتاء أيام كبيرة وصغيرة” لا يكتفي الكاتب بسرد حكايةٍ ذات بعدٍ اجتماعي، وإنّما ينسج عالماً تتقاطع فيه الأسئلة الكبرى حول الانتماء والذاكرة والتحوّلات الثقافيّة. ومن هنا كانت قراءة العمل في مقالنا قراءةً تنطلق من وعيٍ ببنية السرد، وتحليلٍ لتمثّلات المكان، وتفكيكٍ لخطاب الشخصيّة، بما يُبرز الرواية كنصٍّ أدبيٍّ يختبر طاقة اللغة على الكشف والتأويل. تنتمي رواية “ رجل الشّتاء” إلى تمثيلات القلق الإنساني في مستواه الأكثر فاعليّة في تشكيل البنية السرديّة، حيث تتجاوز اشتغالها على الحدث المباشر لتُعيد ترتيب مركز الثقل داخل النص نحو الزمن بوصفه الحامل الأعمق للتجربة، وفي هذا الامتداد لا تنصرف إلى بناء حبكة تقليديّة بقدر ما تنخرط في تأسيس حالة وجوديّة مركّبة يتبدّى فيها الإنسان معلقًا داخل مفترق حاسم ينحصر في خيارين يحدّدان مسار وجوده وفق تصوّر يفرضه وعيه بالزمن وتحولاته. سأقرأ هذا العمل قراءة سرديّة تحليليّة تنطلق من عناصره الداخليّة من حيث: الزمن، المكان، الشخصيّة، اللغة، والبنية الدلاليّة، مُستندًا إلى بعض عباراته بوصفها شواهد على رؤيته في محاولة لفهم استفهامات التردّد في بعض نواحيها. يفتتح الكاتب النص بمقارنة حادّة بين الحرب والهزيمة المُمتدّة: يفتتح قوله: “ في الحرب على الأقل تموت مرة واحدة…” ثم يؤسّس المسار كله بقوله: “ الهزيمة ستخبرني أن في الأمام توجد الحياة المفتوحة على نهايات كثيرة… دون خلاص..” نلاحظ أن الحياة “ مفتوحة” لكن دون خلاص وهذه المُفارقة تحدد طبيعة الرواية: كثرة الإمكانات لا تعني توسعًا فقد تعني الضياع ثمّ أننا منذ البداية نحن أمام وعيٍ متصدّع، وليس حدثٍ مُتسارع هامشي قد يمر مرور الكرام. ثم يلمّح إلى انكشاف الداخل بقوله: “ هنالك أشياء لا بدّ أن تلمع خارج العتمة دون أيّ محاولة إخفاء”. هذه العبارة تكشف توتّرًا داخليًا بين الرغبة في الانكشاف والخشية منه؛ فاللمعان هنا ليس خلاصًا بقدر ما هو انفضاح للوعي في لحظة تعرية، وكأن النص يُصرّ على أن ما يُخفيه الإنسان يعود ليظهر بوصفه أثرًا لا يمكن كتمانه، فيتحول الداخل إلى سطحٍ دلاليّ مكشوف. في رجل الشّتاء يتحرك الزمن يتكثف أحيانًا ثم يتباطأ وربما يتعثر، يتكرر الانتظار حتى يصبح هو الحالة الأساسيّة: يؤكّد ذلك بقوله: “ في الانتظار لا سلام للبقعة…”. ويحكم على الاستسلام بقوله: “ أما الاستسلام ففضيلة قاسية!” ويصل إلى تعطيل الزمن بقوله: “كأن الليل توقف عن المرور بهذا الشارع...” الليل هنا علامة على شلل داخلي، ويبلغ ذروة التصريح بقوله: “ الاحتمال مأزق تاريخي...” هنا كان مفتاح القراءة مُتقدًا وصارخ، فالاحتمال منطقة استنزاف، ويتأكد ذلك حين يصرّح: “ كل ما سبق محض احتمال”.. كأن الرواية تعلن أن الحياة يمكن أن تُعاش كاملة في صيغة غير مكتملة. ثمّ تظهر باريس بأسمائها الدقيقة: ‏«Place de l’École Militaire» ‏«La Terrasse» ‏«Paris est une fête» لكن الاحتفال هنا مُفكَّك فالمكان يختبر الجذور: يكشف ذلك بقوله: “ الحياة تعرف مشيمتها… أنت.”  حتى حين يمتلك البطل بيتًا: يصف حاله بقوله: “ وهو له فراش ومفتاح… لكن يده في الصقيع وحيدة.”  المفتاح لا يفتح دفء الانتماء، والمدينة تتحول إلى مرآة تكشف البرودة الداخليّة. فالمدينة التي كُتبت بوصفها “ عيدًا” تتحوّل إلى سؤالٍ وجوديّ. فعبارة “ لكن الاحتفال هنا مُفكَّك” تمثّل لحظة انقلاب دلاليّ؛ إذ يُعاد تشكيل باريس كحيّزٍ لاختبار الجذور والهويّة.  ومن هنا تكتسب الجملة: “ الحياة تعرف مشيمتها… أنت..” كثافةً تأويليّة عالية؛ إذ تنتقل من البيولوجيّ - المشيمة بوصفها أصل التكوين- إلى الوجوديّ - الإنسان بوصفه جذر المعنى-، فالمكان، مهما بلغ من حضورٍ رمزيّ انعكاسًا لأصلٍ أسبق هو الذات في كافة أبعادها... وبذلك تتحوّل باريس إلى مرآةٍ للداخل. بعد ذلك نرى أن الرواية لا تقدّم الحب بوصفه يقينًا، بل بوصفه امتحانًا للزمن: يتساءل بقوله: “ وأي الوعود تُؤتمن قبل الوفاء بها؟!..”. الوعد هشّ أمام ثقل الانتظار، وتظهر الرسائل بوصفها محاولة لتأجيل الغياب: يوصي بقوله: “ إبعثوا رسائلي تباعًا إلى رومان؛ كي لا يشعر بغيابي”. إنها كتابة للحضور عبر الغياب، وحتى الموت لديه يُدار بصيغة همس:  بقوله: “ يجب ألا تزعجوه بموتي.” فالرواية هُنا ترفض الضجيج؛ والأشياء الكبرى تحدث بهدوءٍ قاسٍ. من أبرز عناصر العمل لغته المُكثفة، المائلة إلى المجاز الكاشف: يصف العزلة بقوله: “ وحيد مثل حريق الغابة لا يعرف خرابًا أخضر.” وهنا صورة تجمع الاحتراق بالخضرة؛ تناقض يكشف مناخ الرواية كله. وفي موضع آخر: يفضح الالتباس بقوله: “ يدّعي التحليق… حتى عندما يأتي على ذاته يكتشف كذبه؛ كائن الالتباس...” الشخصيّة تعي هشاشتها، لكنها لا تحسمها. فالالتباس هنا هويّة وجوديّة. يكشف البعد الثقافي بقوله: “ نحن في شرقنا نهزم ونحن لا نزال داخل العائلة، ونبقى على الولاء، يلازمنا تقليد متشدد مهما نفترق في الحياة”. تكشف هذه العبارة بُعدًا ثقافيًا عميقًا في تشكّل الهزيمة؛ إذ لا تأتي من الخارج، وإنما تتولّد داخل البنية الأولى للانتماء، حيث تتحوّل العائلة إلى ميدان يفرض أنماطًا من الامتثال تُقيد الفعل الفردي، فيظلّ الإنسان مشدودًا إلى منظومة ولاء تُعيد إنتاج وصناعة الهزيمة في صيغٍ متجددة. ويجسّد التكرار بقوله: “ أُواعد الفتاة ولا تأتي. لا أغضب. من يوم غدٍ أُواعد أُخرى مجدّدًا، ثمّ لا تأتي. أعتقدُ جازمًا أنّني لن أتوقف ذات يوم؛ بل أستمر مثل عُمر يخدعني ويهرب..”. تتكثف هنا فلسفة التكرار بوصفها شكلاً من أشكال الخداع الذاتي؛ فالفعل لا يتجه نحو تحقيق، وإنما يُعاد إنتاجه داخل دائرة مغلقة، حيث يتحوّل الزمن إلى شريك في الوهم، ويُصبح الاستمرار نوعًا من التعليق الذي لا ينتهي وهذا هو الهروب من الاعتراف بالفراغ. ثمّ تأتي لحظة زمنيّة: يحدّد الموعد بقوله: “ سيكون اليوم المتفق عليه… الأحد...”. ويشترط الزمن بقوله: “ شرطية أن يكون (الأحد)...”  حتى الموعد مشروط...الحسم لا يأتي إلا بوصفه احتمالًا جديدًا، وتُختتم الرحلة بوعي الذات: يعلن ذلك بقوله: “لا بد أن تكون لي قصتي المفردة.” يرثي التيه بقوله: ‏” حين غادروا، اصطحبوا كلَّ الطرق معهم.. وبقيتُ ـ دون اتجاه ـ أرعى رغبةَ اللحاق.” هُنا نلاحظ إنه ليس انتصارًا على الزمن، وإنما امتلاكًا للسرد، ولهذا تتجاوز الرواية حدود التجربة الفرديّة لتؤسّس تمثيلًا لإنسانٍ معاصرٍ يقطن منطقة التعليق، حيث لا تُفهم التجربة بوصفها علاقة عاطفيّة بقدر ما تُقرأ بوصفها بنية ذهنيّة تُرجئ الحسم، وتعيد إنتاج الوجود داخل مجالٍ احتماليّ مفتوح لا يفضي إلى يقين عالقًا في منطقة بين القرار والتردّد، ثمّ أن الإنسان العربي اليوم - في كثير من تجاربه - يقف بين ماضٍ لم يُحسم حضوره، ومستقبلٍ لم يتجسد فعليًا، ليظلّ عالقًا في مسافة انتظار طويلة، يملك مفاتيح كثيرة، لكنه: يصف حاله بقوله: “ له فراش ومفتاح… لكن يده في الصقيع وحيدة...”. إنها استعارة اجتماعيّة بقدر ما هي صورة أدبيّة. البيت موجود، لكن الطمأنينة مؤجلة. فالمكان حاضر، لكن الانتماء مُتردد وتشوبه شوائب. يحوّل المكان إلى عاطفة بقوله: “ أيّ مدينة أحبّها، تكون بقدرها فتاة تستحق تشبثي بمكانها..”. يتحوّل المكان هنا إلى امتداد عاطفيّ، حيث تُعاد صياغته عبر استعارة أنثويّة تجعل من المدينة موضوع تعلق لا إقامة، وهو ما يعمّق فكرة أن الانتماء ليس جغرافيًا خالصًا، وإنما هو علاقة وجدانيّة قابلة للانفصال والانزلاق، فيغدو التعلّق بالمكان مرهونًا بهشاشة الشعور ذاته. يؤكّد في النص: “ الاحتمال مأزق تاريخي..” فإنه لا يكتفي بتوصيف تجربة فرد، وإنما يكشف بنية ذهنيّة تُقيم في منطقة الـ” ربما” الدائمة، وعندما تتكرر عبارة: “ كل ما سبق محض احتمال” تتحول الحياة نفسها إلى صيغة غير منجزة، كأنها مشروع مؤجل باستمرار. بهذا المعنى، فإن الرواية تنجح في أن تجعل من التعليق حالة وجوديّة، فالانتظار فيها ليس فراغًا، وإنما شكلًا من أشكال الاستنزاف. والحب اختبار قدرة على الثبات، والمكان ليس مرآة لبرودة الداخل. يوسّع الحيز بقوله: “ أيّ نظرية تخلق عدوها الخاص”.. يتّسع الحيز هنا من التجربة الفرديّة إلى البنية الفكريّة، حيث تُفهم النظريّة بوصفها نظامًا مغلقًا ينتج تناقضه من داخله، وهو ما يوازي فكرة الاحتمال بوصفه مأزقًا، فكلاهما يفتح إمكانات تنتهي إلى صراع داخلي يُفكّك استقراره. ولعل الرواية لم تُعلن خطابًا مباشرًا، لكنها تضعنا أمام سؤال جوهري: هل نعيش لأننا نختار، أم لأننا نؤجل الاختيار؟ وهنا سر تفردها وأهميتها؛ فهي تمنح وعيًا وتكشف المأزق مهما كانت أغواره وتُعيد الاختبار في مشاهدٍ مُتعددة..إنها رواية عن يدٍ في الصقيع وزمنٍ لا يتحرك وإنسانٍ لا يُهزم لأنه خسر وإنما لأنه لم يحسم ما يجعلها مفتوحة التّساؤلات صناعة للذهول. بهذه المعالجة يتّضح أن رجل الشّتاء ليست رواية حدثٍ بقدر ما هي رواية حالة؛ حالة زمنٍ مُعلّق، ووعيٍ يختبر ذاته داخل شبكة من الاحتمالات التي لا تُفضي إلى يقين. لقد سعت هذه القراءة إلى تفكيك العناصر الداخليّة للنص: الزمن بوصفه قوة تعطيل والمكان بوصفه اختبار هويّة واللغة بوصفها شعريّة وعيٍ مُتردد والشخصيّة بوصفها ذاتًا تعرف هشاشتها ولا تحسمها، فالنص في شموليته مُترابط في طبقاته وظهر كقوة في بنيته متماسكة في اشتغالها على فكرة واحدة تتكاثر داخلها: هي أن كثرة الاحتمالات قد تكون صورة أخرى للعجز عن الحسم. ولعلّ أقسى ما في الرواية أنها لا تمنح بطلها سقوطًا نهائيًا ولا انتصارًا واضحًا؛ تتركه في المنطقة الرماديّة، حيث يملك المفاتيح، لكن يده في الصقيع، وهنا تكمن قوتها الفنيّة: فهي لا تكتب نهاية، وإنما تصوغ وعيًا ويبقى السؤال مفتوحًا رغم إطاره الكبير واغواره المُتقدة مايجعل القارئ فيه في حالة بقاء تُدخله وهج الذهول في كل لحظة. ولهذا كانت هذه الرواية رجل الشّتاء تشريحًا لآليّة التعليق ورواية احتمالٍ يتزايد حتى يُصبح مأزقًا وليس بيانًا عن الهزيمة مهما كان عمق التّردد فيها، ما يمنحها موقعها الكبير في عوالم السّرد..  الروايةُ نصٌّ هادئ في لغته، عميق في اشتغاله وأبعاده، يقول ما يريد بلا صخب ويترك أثره في منطقة التفكير مُبتعدًا عن مناطق الانفعال على كافة أصعدتها.