بين ثنايا الروح وقدسية المكان، يطل الفيلم السعودي “هجرة” ليقدم لنا قصة واقعية لارتحال الذات وبحثها عن المعنى في أطهر بقاع الأرض، ففي الوقت الذي تعبر فيه السينما السعودية جسور العالمية بخطى واثقة، تأتي المخرجة شهد أمين لترسم لنا رحلة عاطفية استثنائية لثلاث نساء من عائلة واحدة، حيث تتحول الطريق من الطائف إلى مكة إلى مسرحٍ لانكشاف الروابط الإنسانية وتجليات الصمود بين الأجيال. “سجلت ارتحال الأرواح في رحاب المقدسات”؛ بهذه العبارة لخصت المخرجة شهد أمين الرؤية الجوهرية لفيلمها، موضحة أن أحداث “هجرة” تتشكل تحت ظلال رحلة الحج المهيبة، حيث تنطلق ثلاث نساء من عائلة واحدة - جدة وحفيدتاها - في رحلة جسدية من الطائف نحو مكة، لكنها سرعان ما تتحول إلى اختبار عميق للذات، وحين تختفي الحفيدة الكبرى فجأة، يتبدل مسار البحث من مجرد تتبع مادي لأثر غائب إلى استحضار حي لروابط ثقافية وعمرية تكاد تتلاشى، مما وضع هؤلاء النسوة أمام مرايا بعضهن البعض في مواجهة صريحة مع الزمن. واستطردت أمين مؤكدة أنها سعيت لتسليط الضوء على تلك الوشائج التي تجمع الأجيال رغم اتساع الفجوات العمرية، واصفة العمل بأنه تجربة عاطفية قد تبدو قاسية في ملامحها، لكنها روحية شفافة في جوهرها، فمن خلال هذا السرد، نلمس كيف يعيد الفقد صياغة صلاتنا الإنسانية، وكيف يتحول الانتماء للمكان والذاكرة إلى منارة تهدي ترشد الأرواح. الإبداع البصري اعتمد فيلم “هجرة” على استثنائية الإبداع البصري، حيث لم تكن الكاميرا مجرد أداة للرصد، إنما ريشة فنان نجح من خلالها مدير التصوير “ميغيل ليتين مينز” في تطويع جغرافيا المملكة العربية السعودية لتصبح بطلاً موازياً للأحداث، فمن خلال التنفيذ الفني رفيع المستوى، طاف طاقم العمل بين ثماني مدن سعودية، في مغامرة إنتاجية تعكس إصراراً لافتاً على ملامسة الواقع، فلم يكن الهدف مجرد توثيق المكان، بل استنطاق شاعرية الأرض وبث الروح في تضاريسها، لتخرج الصورة بمزيج مذهل يجمع بين الصدق الواقعي والخيال السينمائي المبدع. هذه الضخامة الإنتاجية لم تأتِ على حساب العمق الفني، بل عززت ما يمكن تسميته بـ الحس البصري الشعري؛ حيث تضافرت الرؤية الإخراجية مع زوايا التصوير القوية لتضع المشاهد في قلب الحدث، لا مجرد مراقب له من بعيد، وسط كادرات الفيلم المشبعة بالضوء والظلال والامتداد الجغرافي الواسع. في مراجعتها لفيلم هجرة ترى الناقدة «آبي لينغ» أن العمل يتجاوز حدود الإثارة ليصبح رحلة تأملية تعيد صياغة الروابط بين الأجيال عبر جغرافيا سعودية مذهلة، تمتد ببراعة من صخب المدن إلى جبال تبوك الثلجية، وتؤكد «لينغ» أن الفيلم يقدم توازناً فكرياً وجمالياً ضرورياً في مواجهة الروايات الغربية المشوهة عن الشرق، حيث يبرز جوهر الإسلام كقوة روحية وثقافية تسند العائلة، دون أن يغض الطرف عن نقد القيود الثقافية المتشددة وتأثيرها على حرية النساء، مما يجعله عملاً إنسانياً يواجه الواقع بعمق وشفافية. أثنت «لينغ» على الأداء اللافت للممثلة لامار فادن في دور «جنى»، واصفةً براعتها في تجسيد ذلك المزيج المربك بين فضول المراهقة وحكمة النضج الاضطراري؛ حيث تُدفع الشخصية لمواجهة إرث عائلتها ومخاوفها الوجودية، بدءاً من فقدان شقيقتها وصولاً إلى التصالح مع جذورها. وفي قراءة متأنية لتصريحات المنتج محمد جبارة الدراجي، نلمسُ وعياً عميقاً بتوقيت طرح الفيلم وما يحمله من دلالات إنسانية تتجاوز حدود الشاشة؛ ففي عالم يضج بالصراعات، اختار الدراجي أن يقدم “هجرة” كرسالة “جمال وصمود” في آن واحد. لم يكن توقيت العرض مجرد خطة تسويقية، بل كان انحيازاً لقيمة الفن كمنارة تطمئن القلوب، حيث أكد المنتج أن الفيلم يساهم في إيصال الثقافة العربية الصادقة إلى العالم، مبرهناً على أن السينما السعودية الجديدة تمتلك صوتاً قادراً على ملامسة الوجدان العالمي، في دعوة للتأمل في الروابط العائلية والروحية التي تجمعنا. خيرية نظمي وعبر حوارٍ صحفي ثري، كشفت الفنانة القديرة خيرية نظمي (ماما خوخة) عن كواليس تجسيدها لشخصية الجدة في فيلم “هجرة”، تلك الشخصية التي وصفتها بالدور الصعب والمركب الذي لا يشبه روحها المرحة، بل استدعته من ملامح جدتها الراحلة وحزمها الذي لم يغب عن ذاكرتها يوماً، لتعيد صياغة كيان تلك الجدة أمام الكاميرا. تحدثت “نظمي” عن التحدي الأكبر الذي وضعته المخرجة شهد أمين أمامها، وهو تقمص وجه “البوكر فيس” أو الملامح المحايدة التي تحظر الابتسام أو حتى “الرمش” بالعين، لتتحول عيناها إلى البطل الحقيقي الذي يروي آلام الجدة، مؤكدة أن هذا الانضباط الجسدي العالي تطلب منها جهداً استثنائياً للتحكم في تعبيرات وجهها وقوة نظراتها. أداء أسطوري بجانب الأداء الأسطوري للجدة، تضافرت جهود طاقم العمل لنسج لوحة إنسانية متكاملة، حيث قدم الأبطال أدواراً لم تكن مجرد تمثيل، بل كانت تجسيداً لحيويات متباينة تتصارع وتتآلف في آن واحد. فمن خلال أداء لمار فادن ورغد بخاري، برزت ملامح الجيل الجديد الحائر بين موروث الجدة الصارم وبين تطلعات الذات، لتشكل حركتهما وسكناتهما نبضاً عاطفياً يمنح الرحلة بُعداً واقعياً يمس كل عائلة. أما الحضور الرجالي في الفيلم، فتمثل في أداء رصين لكل من نواف الظفيري وبراء عالم وعبد السلام الحويطي، الذين قدموا نماذج لشخصيات تتقاطع مع رحلة النساء الثلاث، ليعكسوا من خلال انفعالاتهم تارةً الحماية وتارةً الترقب، هؤلاء الأبطال، ومعهم خيرية نظمي وغالية أمين ولنا قمصاني، شكلوا كتيبة إبداعية متناغمة، نجحت في تحويل السيناريو من كلمات مكتوبة إلى نبضات بشرية تتحرك في ثماني مدن، لتكتمل بهم صورة الهجرة كعمل جماعي. لم يكن وصول فيلم “هجرة” إلى منصات المهرجانات العالمية مجرد مشاركة دورية، إنما إعلان حضور طاغٍ للسينما السعودية في محافلها الدولية، فمن نيودلهي إلى بروكسل، وصولاً إلى معهد العالم العربي بفرنسا ومهرجان مالمو بالسويد، استطاع الفيلم أن يفرض رؤيته البصرية الخاصة، محولاً جغرافيا المكان السعودي إلى كادر سينمائي ينافس بجمالياته أضخم الإنتاجات، هذا الوصول العالمي عكس قدرة المبدع السعودي على سرد التفاصيل الدقيقة لموسم الحج، وتقديمها للعالم بلغة تتجاوز حدود القارات. * مصر