البروفيسور بيير باتريس مارسيل لارشيه الفائز بجائزة الملك فيصل في اللغة العربية والأدب:

أقدرِّ الجهود السعودية في إبراز الدرعية ومدائن صالح.

البروفيسور بيير لارشيه، المولود في باريس عام 1948، عالم فرنسي مرموق كرّس حياته لجعل الأدب العربي الكلاسيكي أكثر قربًا للقراء الناطقين بالفرنسية. على مدى أكثر من خمسة عقود، جمع بين الدقة العلمية في اللغويات والعمق الأدبي الرفيع، مقدمًا ترجمات مرموقة للمعلقات الجاهلية ودراسات دقيقة للشعر الجاهلي. درس في جامعة السوربون وجامعة السوربون الجديدة، ودرّس وأجرى أبحاثًا في العالم العربي وفرنسا، ليبني مسيرة جسرية بين الثقافات وتعزز التقدير العالمي للتراث الأدبي العربي. وحصوله على جائزة الملك فيصل في اللغة العربية والأدب لعام 2026 يعكس تميزه العلمي ورنين الأدب العربي الدائم والكوني. * ركزتم في أعمالكم على تقديم الأدب العربي للقراء الفرنسيين، ولا سيما من خلال ترجمات المعلقات. ما الذي ألهمكم لتكريس أنفسكم لهذه المهمة؟ ** في الحقيقة، أنا لغوي ومتخصص في الدراسات العربية وقد كتبت على نطاق واسع في مجالات متعددة من اللغويات العربية. وفي الوقت نفسه، أتيت من خلفية في الكلاسيكيات الفرنسية واللاتينية واليونانية، فأنا أحب الأدب بشكل عام، والشعر بشكل خاص. عندما أصبحت متخصصًا في الدراسات العربية، جمعت بين الاثنين أولًا من خلال تحليل الشعر العربي الجاهلي بأدوات اللغويات النصية الحديثة، وكان هذا موضوع أول عمل أكاديمي لي، وهو رسالة الماجستير التي كرستها للمعلقات ودافعت عنها عام 1972. بعد ذلك، وسعت التحليل عبر الترجمة، لأنها الطريقة الوحيدة لجعل هذا الشعر في متناول جمهور أوسع. بدأت هذا العمل في التسعينيات، وأثمر أولًا عن ترجمة المعلقات، التي نشرت عام 2000 وأُعيد نشرها عام 2015، تلتها 4 مجموعات أخرى من الشعر العربي الجاهلي بين 2004 و2016. * ما أبرز التحديات التي واجهتموها عند ترجمة المعلقات وتقديم الشعر الجاهلي للجمهور الناطق بالفرنسية؟ ** كلمة “تحدٍ” مناسبة تمامًا. فالتحدي ذو شقين، يتعلقان باللغتين المصدر والهدف، العربية والفرنسية. فيما يخص اللغة المصدر، يجب على المترجم أولًا فك شفرة لغة شعرية عالية الدقة، فهي بالأساس إشارية ومقتضبة. من حيث الشكل، فهي غنية بالتشبيهات والاستعارات والكنايات؛ وغالبًا ما تُشار إلى الأشياء بطريقة غير مباشرة عبر صفة ما، وبدون المفسرين القدماء لما استطعنا معرفة الشيء المشار إليه. أما بالنسبة للغة الهدف، فيجب على المترجم بعد ذلك إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير بالفرنسية عما يقوله النص العربي. ولكن، وبسبب الاختلافات بين البيئات الطبيعية والثقافية، غالبًا ما تغيب هذه الكلمات. خذوا على سبيل المثال الحيوانات الداجنة والبرية: فالفرنسية مجهزة تمامًا للكلام عن الخيول كما هو الحال في العربية، أما بالنسبة للجمال أو الغزلان أو الظباء الكبيرة (الأوريكس) فالأمر مختلف. وينطبق الشيء نفسه على النباتات، والمناظر الطبيعية، وكل جوانب حياة البدو. لهذا، يسبق مترجمو الشعر الجاهلي ترجمتهم بمقدمة تحذر القارئ من الصعوبات التي واجهوها، ويتبعونها بحواشي يتيح للقارئ فيها العثور على إجابات للأسئلة التي قد تطرأ أثناء قراءة الترجمة. * ما الجوانب في الشعر الجاهلي التي تجدونها الأكثر تحديًا والأكثر إرضاءً عند ترجمتها للجمهور المعاصر؟ ** بالنسبة للمترجمين؛ الأكثر تحديًا غالبًا ما يكون الأكثر إرضاءً: إذ يشعرون بالرضا بعد تجاوز الصعوبة، تمامًا كما يشعر المتسلق بالفرح بعد الوصول إلى قمة جبلية. بالنسبة لي؛ ربما يكون الجزء الأصعب في المعلقات هو وصف الناقة في معلقة طرفة، الذي يمتد عبر ثلاثين بيتًا. فكل جزء من جسد الناقة يتم تناوله بمقارنة مبتكرة أصلية. وللفهم الصحيح لهذه المقارنات، يجب امتلاك معرفة بتشريح الإبل وبمختلف التقنيات. أما القارئ المعاصر الذي يفتقر لهذه المعارف، فسيواجه صعوبة في إدراك المعنى. لذلك، يقع على عاتق المترجم مهمة مساعدته من خلال تقديم الشروحات الضرورية في الحواشي. * كيف توازنون بين الدقة اللغوية ونقل الجوهر الثقافي والجمالي للشعر العربي؟ ** هذه هي “مربّعة الدائرة” في ترجمة الشعر: يجب تجنب كل من الجمال بلا وفاء للنص، والوفاء للنص بلا جمال. فالشعر لا يُترجم إلا بالشعر. لهذا، بعد فك شفرة النص من الناحية الدلالية وتحليله لغويًا وأسلوبيًا، اخترت استخدام صياغة شعرية في الترجمة الفرنسية. أعيد صياغة نصفَيْ البيت العربي المتجاورين بخطين فرنسيين متراكبين، وأعكس الأوزان العربية الطويلة بأطول وزن فرنسي، وهو الألكسندريني (اثنا عشر مقطعًا). وأعوّض القافية الوحيدة في النص العربي بقوافي داخلية متعددة في النص الفرنسي، مع استخدام موسع للوسيلتين الأساسيتين في كل لغة شعرية: التنغيم الصوتي والجناس الصوتي، وبهذا يكون النص العربي شعرًا، والنص الفرنسي أيضًا شعرًا. * في رأيكم، ما دور الأدب العربي في تعزيز التفاهم بين الثقافات اليوم؟ ** لم يسبق أن تُرجم هذا الكم من الأدب العربي كما يحدث اليوم، إلى لغات متعددة، سواء أوروبية أو غير أوروبية. وهذا لا بد أن يسهم في تعزيز التفاهم بين الثقافات، حتى وإن لم نبالغ في توقعاتنا: فبعيدًا عن المتخصصين، تصل هذه الترجمات إلى جمهور محدود، هو جمهور متعلم ومهتم بالمجالات الثقافية خارج نطاق ثقافته الخاصة. * شملت مسيرتكم البحثية والتدريسية العمل المكثف في كل من العالم العربي وفرنسا. كيف أثرت هذه التجارب على رحلتكم البحثية؟ ** بين عامي 1971 و1990، عشت لمدة إجمالية تبلغ إحدى عشرة سنة في ثلاثة دول عربية: سوريا (مرتين)، ليبيا، والمغرب. كانت تجربة لا تُعوَّض. وفيما يتعلق باهتمامي بالشعر العربي الجاهلي تحديدًا، حالفني الحظ في لقاء بدو أصيلين في مناسبتين: الأولى في سوريا، في بادية الشام، والثانية في ليبيا، في برقة، حيث يسكن قبيلة بنو سليم. لقد نمت في خيمة، وراقبت النباتات والحيوانات، ودرست تقنيات النسج والتربية، وشاركت في الصيد والموائد الاحتفالية، وما إلى ذلك. فجأة، لم تعد المعلقات شعراً ميتًا، بل أصبحت حية، يكاد كل شيء فيها يصبح مفهومًا. * ما الاتجاهات المستقبلية التي تأملون استكشافها في أبحاثكم وترجماتكم للأدب العربي؟ ** بما أنني أملك من الماضي أكثر مما أمامي من المستقبل، فإنه من الأسهل عليّ الحديث عما أنجزته أكثر من الحديث عما قد أفعله بعد. كما قلت، في عملي، كانت دراسة الشعر العربي الجاهلي تسبق ترجمته. وكان هذا التحليل في جوهره لغويًا وأسلوبيًا، لكنه منذ البداية حمل أيضًا بعدًا أنثروبولوجيًا. على سبيل المثال، تساءلت لماذا أشار عنترة في معلّقته إلى محبوبته ابنة عمه ليس فقط باسمها الشخصي، عبلة، بل أيضًا باسمَي نسب، بنت مالك وبنت مخرم، وبلقب (كنية) حقيقي أو وهمي، لا نعلم، أم الهيثم. مع مرور الوقت، ركزت على قراءة أنثروبولوجية محتملة للقصيدة: ففي قصيدة قليلة المعرفة، المجمّرة لخِداع بن زهير، لاحظت صراعًا بين نوعين من التضامن، أحدهما قائم على القرابة، والآخر على التحالف مع جماعات غير مرتبطة. وأخيرًا، مؤخرًا، اتجهت إلى قراءة أسطورية للشعر: فقد رأيت في القصيدتين اللتين يصف فيهما طَعَبَة شرّان لقائه مع الغول، الذي يقطّعه، ما يعادل الأسطورة العربية لقصة بيرسيوس وميدوسا. ففي الفلك العربي، يُسمّى كوكب بيرسيوس “حامل رأس الغول” (وفي الفن الغربي يُصوَّر بيرسيوس حاملاً رأس ميدوسا)، وفي الفلك الغربي، هناك نجم في هذا الكوكب يحمل الاسم العربي الجول (Algol). إذا اضطررت مرة أخرى إلى اقتراح ترجمات جديدة، فإن هذا بالتأكيد هو الاتجاه الذي سأتبعه. * كيف تشعرون عند حصولكم على جائزة الملك فيصل، وما رؤيتكم لدورها في تعزيز الأدب العربي على الصعيد الدولي؟ ** أنا بطبيعة الحال سعيد وفخور للغاية بحصولي على جائزة الملك فيصل في اللغة العربية والأدب لعام 2026، عن موضوع “الأدب العربي بالفرنسية”. بالنسبة لي، هذا اعتراف بأكثر من نصف قرن من العمل الأكاديمي في مجالات اللغويات العربية المختلفة، ولا سيما علم الشعر. وآمل أن تسهم هذه الجائزة في رفع مكانة هذا الإرث الغني من الشعر العربي الجاهلي، الذي أعتقد أنه يندرج ضمن روائع الأدب العالمي. * إذا أردتم توجيه رسالة للشباب من الباحثين والمترجمين للأدب العربي اليوم، ماذا ستكون؟ ** يبدو لي أن الشباب من الباحثين والمترجمين للأدب العربي اليوم يميلون أكثر إلى الأدب العربي الحديث منه إلى الأدب العربي الكلاسيكي، وإلى الرواية أكثر من الشعر. أستطيع أن أفهم ذلك. لكنني أنصحهم بعدم إهمال الأدب العربي الكلاسيكي، وضمنه الشعر القديم على وجه الخصوص: فهناك الكثير من الكنوز التي تنتظر الاكتشاف والتعريف بها، حتى وإن تطلب ذلك جهدًا كبيرًا وتضحيات شخصية. * بصفتكم أحد الحاصلين على جائزة سعودية مرموقة، كيف تطورت رؤيتكم لدور المملكة الثقافي في العالم العربي؟ ** في الحقيقة، اكتشفت هذا الدور أثناء مشاركتي في النسخة الفرنسية من “المعلقات للجيل الجديد” التي نشرتها إثراء عام 2022. إنه كتاب رائع. وبعد هذه المشاركة، تمت دعوتي في عام 2024 لزيارة الرياض والعُلا. وكأوروبي “قديم” يحمل حب التاريخ وعلم الآثار (قد شاركت في عدة حملات تنقيب في شبابي)، قدرت كثيرًا جهود المملكة في إبراز الدرعية وددان ومدائن صالح. أنا من الذين يؤمنون بأننا لا نستطيع النظر إلى المستقبل إذا نسينا من أين أتينا.