البروفيسور محمد وهيب حسين الفائز بالاشتراك بجائزة الملك فيصل في الدراسات الإسلامية:
الذكاء الاصطناعي والخوارزميات يمثلان المستقبل في تحليل البيانات الأثرية وتوثيق طرق القوافل.
البروفيسور محمد وهيب حسين، الباحث الأردني البارز وعالم الآثار والمستشرق المتخصص في تاريخ طرق التجارة في العالم الإسلامي، يُعد واحدًا من أبرز الأسماء في ميادين الدراسات الميدانية والتاريخية، حيث امتدت مسيرته العلمية على مدى عقود من البحث والتنقيب والتحليل المنهجي، مستندًا إلى الجمع بين الرصانة الأكاديمية والمسح الميداني المباشر والتوثيق الجغرافي الدقيق، وهو ما جعل أعماله مصدرًا علميًا موثوقًا للإطلاع على مسارات التجارة القديمة وربطها بالسياقات الجغرافية والتاريخية والدينية. ولد في عمان عام 1962، وتلقى تعليمه الأول في الجامعات الأردنية، ثم واصل دراساته العليا مع بعثات أكاديمية عالمية، ليضع خبرته بين يدي البحث الميداني النظري، ويحقق اكتشافات أثرية مهمة ساهمت في إثراء المعرفة التراثية، إضافة إلى تطوير أدوات وتقنيات حديثة في توثيق المواقع التاريخية. وقد جاء فوزه بالاشتراك بجائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية لعام 2026 تأكيدًا على مكانته العلمية الرفيعة وإسهاماته النوعية في فهم التاريخ الإسلامي المبكر، وفي الوقت نفسه تكريمًا لمسار طويل من الاجتهاد البحثي الذي جمع بين الدقة الميدانية والعمق التحليلي. * موضوع “طرق التجارة في العالم الإسلامي” يجمع بين التاريخ والجغرافيا والآثار والإنسان، كيف تصفون أهمية هذا الحقل البحثي في فهم الحضارة الإسلامية المبكرة؟ ** التاريخ يعكس الزمن الذي استُخدمت فيه طرق التجارة عبر العصور، منذ ظهورها في العالم القديم واستخدام الإنسان الأول لها، ومرورها بالطرق في منطقتنا حتى وصلت إلى الجزيرة العربية والفروع المرتبطة بها. ووصف المؤرخون والرحالة القدامى هذه الطرق بدقة عبر الزمن. تلعب الجغرافيا دورًا مهمًا في هذا المجال، سواء من حيث الطبيعة البرية أو البحرية، والمناخ، والجبال، والسهول، والأنهار، والبحار، إضافة إلى مواسم التجارة والتنقلات. أما الآثار فهي تعكس استخدام هذه الطرق، مثل المحطات والاستراحات وأبراج المراقبة والمغاور وأماكن توقف القوافل، ومراكز توزيع البضائع، إضافة إلى توفير احتياجات الإنسان والحيوان والحماية والمبيت. ومن الواضح أن الحضارة الإسلامية بحاجة إلى هذه العلوم وتطبيقاتها، فهي جزء من رسالتنا الحضارية التي ننقلها إلى العالم، لتعريفه بالرسالة الحقيقية للإسلام ونشر السلام على الأرض. * اعتمدت أعمالكم على المسوحات الأثرية المباشرة وربطها بالنص القرآني والمعطيات الجغرافية، كيف تم هذا الربط المنهجي؟ وما أبرز التحديات التي واجهتكم؟ ** نعم، المسوحات الأثرية جزء هام من عملية التوثيق وربط التاريخ بالآثار، حيث تعزز النتائج الميدانية السرد التاريخي وتثبته أو تنفيه، وتوفر حلولًا دقيقة للبحث عن المواقع الحقيقية. ولا شك أن الأدلة المادية ذات قيمة كبيرة في تأكيد الأماكن، خاصة عند إجراء التنقيبات لاحقًا، ومن ثم الصيانة والترميم للحفاظ على هذه المواقع للأجيال القادمة. أما القرآن الكريم، فقد ورد فيه ذكر قافلة الإيلاف ومواسمها، وقد فسرها الفقهاء بشكل واضح. وقد استفدنا من مسار القافلة أثناء مرورها ببعض الأماكن المشار إليها في الآيات، مثل ديار الأقوام السابقين وديار النبي لوط عليه السلام، ومرورها بمسارات محددة مرتبطة بالمناخ والجغرافيا. وكان قادة القوافل على دراية بالمسارات والوقت والزمن اللازمين، والمحطات المستهدفة عبر السهول والجبال والبادية، مثل وادي السرحان. هذا المنهج في الربط بين الجغرافيا والتاريخ والقرآن الكريم يؤسس لمستقبل الدراسات في هذا المجال، ويفتح آفاقًا جديدة لاستشراف المستقبل باستخدام التقنيات الحديثة التي تسهم في الوصول إلى نتائج دقيقة وسريعة. * ما أبرز النتائج الجديدة التي توصلتم إليها حول طريق الإيلاف المكي؟، وكيف تسهم هذه النتائج في إعادة قراءة تاريخ التجارة في شبه الجزيرة العربية؟ ** أبرز ما تم التوصل إليه هو إنشاء منهجية وقاعدة بحث علمية لدراسة الطرق القديمة وتوثيقها باستخدام تقنيات حديثة، مثل التصوير الجوي بواسطة طائرات الدرون، وغيرها من الوسائل المتطورة. كما نعمل على الاستناد إلى القرآن الكريم في المجالات الدراسية والبحثية المرتبطة بهذا الاختصاص، ما سيكون له آثار إيجابية قريبًا، ويفتح أمام الباحثين والدارسين آفاقًا جديدة، خاصة في الجامعات السعودية العاملة في حقل الآثار والتراث والتطوير السياحي، وكذلك في بلدان العالم العربي. من النتائج البارزة أيضًا تفعيل العمل الجماعي في البحث العلمي المتعلق بالمسارات والطرق القديمة، إذ تمتد هذه المسارات عبر البلدان والمدن والقرى، وسيتم التعاون بين المؤسسات المختلفة. ويمكن تطبيق منهجية مشابهة لسلسلة “قرى ظاهرة” التي أصدرها أستاذي الراحل الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري، لتصبح قرى ظاهرة على طريق الإيلاف، حيث انتقلت قافلة الإيلاف من مكة إلى الأردن، ثم إلى بصرى في سوريا، وإلى غزة في فلسطين، ومصر، وصولًا إلى أسواق أوروبا والغرب. كما تبين أن مسارات الطريق تنوعت بين المسار الساحلي على شاطئ البحر الأحمر والأغوار، ومسار المرتفعات عبر جبال الشراه، ومسار البادية عبر دومة الجندل ووادي السرحان. * خرائطكم التحليلية الميدانية وعمليات التوثيق باستخدام نظم تحديد المواقع (GPS) لاقت إشادة علمية واسعة، ما الدور الذي تلعبه التقنيات الحديثة في خدمة الدراسات الإسلامية والتاريخية اليوم؟ ** التقنيات الحديثة تشكّل أساسًا مهمًا في تطوير البحث العلمي في مجال الآثار والتراث، فهي تختصر الزمن والجهد، وتوفر قاعدة بيانات متطورة ودقيقة باستخدام نظم المعلومات الجغرافية ونظام الإحداثيات العالمي. فالطرق القديمة تتميز بالمسافات الطويلة المرهقة إذا ما تم السير عبرها على الأقدام، لذلك جاءت التقنيات الحديثة، مثل التصوير الجوي وتحليل البيانات، كأحد التطبيقات المتطورة في علم الآثار وفروعه، لتسهم في تحقيق مزيد من الإنجازات الميدانية. وقد تم إصدار خريطة لكل مسار، مع تقدم عالمي في استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لتعزيز النتائج وتحقيق مزيد من التقدم العلمي. * لكم اكتشافات عديدة مثل موقع عماد السيد المسيح (المغطس)، وسور الأردن الطويل، وديار النبي لوط (عليه السلام)، كيف ترون العلاقة بين الاكتشاف الأثري وتعزيز الهوية الثقافية في المنطقة؟ ** الاكتشافات الأثرية مجال واسع يتطلب خبرات وقدرات متعددة، والعمل الجماعي البحثي أصبح أساس النجاح. قدمنا عشرات الاكتشافات على المستويين المحلي والإقليمي، تكشف عن حضارات بائدة ورد ذكرها في القرآن الكريم، مثل ديار النبي لوط، عاد، ثمود، ومدين، وغيرها. تعزز هذه الاكتشافات الترابط بين البلدان العربية، إذ انطلقت قافلة الإيلاف من مكة مرورًا بسواحل البحر الأحمر وبلاد الشام، وصولًا إلى الأماكن المرتبطة بالقصص القرآني. وتستقطب هذه المواقع الباحثين والزوار، مؤسِّسةً لمشروع السياحة البينية العربية، بما له من آثار ثقافية وفكرية واقتصادية، خاصة مع مشاريع مستقبلية مثل نيوم 2020–2030، التي ستعزز التعاون بين البلدان الواقعة على مسارات الطرق التجارية. * إلى أي مدى يمكن أن تسهم الاكتشافات المرتبطة بطرق التجارة القديمة في تنمية السياحة الثقافية والوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة؟ ** يشهد العالم العربي نهضة في المجال السياحي، لا سيما السياحة الثقافية، خاصة في السعودية، والأردن، ومصر. وتشكل الاكتشافات الجديدة لمسارات الطرق التاريخية العابرة للحدود شريانًا مهمًا يسهم في تعزيز اقتصاديات الدول التي تمر بها، ويعيد تكوين الذاكرة الجمعية للأمة العربية وهويتها الثقافية، مع تحقيق المنافع الاقتصادية المرتبطة بالواقع الاجتماعي والفكري. وبناءً على هذا الأساس، يمكن الانطلاق والانفتاح أكثر في مجالات السياحة الدينية والبيئية والأثرية، كما استلهم مشروع الصين العالمي (الحزام والطريق) من طريق الحرير التاريخي والتراثي لتحقيق نتائج إيجابية مستدامة. * ما الرسالة التي تودون توجيهها للباحثين الشباب في العالم العربي ممن يقبلون اليوم على ميادين الآثار والدراسات الإسلامية؟ ** يشكل الشباب العربي الأساس الذي تنطلق به نهضة الأمة، وهم اليوم منخرطون في الجامعات والمعاهد لدراسة علم الآثار والتاريخ والتراث الغوري والسياحة. ولا بد لهم من الانتقال إلى دراسة هذه العلوم بأسلوب عصري وحديث، يعتمد على البحث العلمي والتطبيقات التقنية المتطورة، مع الابتعاد عن الأساليب التقليدية والاستفادة من التجارب الناجحة، والثبات أمام تحديات البحث والمصاعب المصاحبة له. ودورنا في هذا المجال هو الإرشاد والتوجيه، وتطوير الخطط الدراسية لمواكبة المستجدات، وتحقيق أفضل النتائج بهدف الاعتماد على الذات والتنمية المستدامة. كما يجب إشراك الشباب في الأعمال الميدانية وتهيئة الصف الثاني ليأخذ زمام المبادرة لاحقًا، مع تمكينهم وترسيخ الهوية الوطنية والإيمان في قلوبهم لتحقيق الإنجاز والفوز في الدنيا والآخرة، كما قال الملك فيصل رحمه الله: «سلحوا أنفسكم بالعلم». * جائزة الملك فيصل تحظى بمكانة عالمية مرموقة، كيف تنظرون إلى دلالات هذا الفوز، علميًا وإنسانيًا، في مساركم البحثي والشخصي؛ خصوصًا وأن الجائزة تحمل اسم الملك فيصل (رحمه الله)، وما رمزية أن يأتي هذا التكريم من أرض الحرمين الشريفين؟ ** إنه لشرف عظيم أن أحظى بالفوز بجائزة حملت اسم الراحل الملك فيصل من أرض القداسة والطهارة. هذه الجائزة تشكل محفزًا للاستمرار وبذل المزيد من العطاء لتحقيق إنجازات كبيرة، وقد ذاع صيتها في الآفاق ووصلت إلى قارات العالم كافة، فهي رسالة حقيقية من أرض الحرمين والإسلام، مفادها أن العلم والعلماء يحظون بالمحبة والتقدير والتكريم. تجمع الجائزة العلماء والباحثين من شتى البلدان، وتخلد ذكرى الملك الراحل، وهي استمرار لمسار رعاية العلم والعلماء الذي ارتضاه خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين.