د.محمد محمد أبو موسى الفائز بالاشتراك بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام :

علم إعجاز القرآن الكريم مِن أجلِّ علومنا وهو أصل نشأة كثير منها.

يُعدّ الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى أحد أبرز أعلام الدرس البلاغي العربي في العصر الحديث، وقد ارتبط اسمه بخدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف من خلال مشروع علمي رصين امتد لعقود من البحث والتدريس والتأليف. تخرّج في الأزهر الشريف وتدرّج في مناصبه الأكاديمية حتى صار مرجعًا علميًا في البلاغة والإعجاز القرآني، وترك أثرًا واسعًا في الجامعات العربية، ولا سيما عبر تدريسه الطويل في المملكة العربية السعودية وعضويته في هيئة كبار العلماء بالأزهر. وقدّم للمكتبة العربية عشرات المؤلفات التي أسهمت في تجديد قراءة التراث البلاغي وتقريب مناهجه إلى الأجيال الجديدة، إلى جانب مجلسه العلمي المستمر في الجامع الأزهر. ويأتي فوزه بالاشتراك بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام لعام 2026 اعترافًا بقيمة هذا المشروع العلمي المتكامل، الذي جعل من البلاغة جسرًا حيًا بين النص القرآني والعقل المعاصر، وبين التراث والتجديد. * فوزكم بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام يُعد تتويجًا لمسيرة علمية طويلة في خدمة القرآن الكريم وعلوم البلاغة. كيف استقبلتم هذا التكريم، وماذا يعني لكم على المستوى العلمي والإنساني؟ ** استقبلتُ هذا التكريم بكل الغِبطة والمَسرَّة والرِّضا، وكان مفاجئًا لي؛ لأني كنت وما زلت أعتقد أن كل ما أقدِّمه لهذه الأمَّة، التي ذكر ربُّنا أنها خير أمَّة أُخرجت للناس، هو دون حقِّها عليَّ، وأنه لا يَفِي بحقِّها عليَّ وعلى كل واحد من أبنائها إلا إذا كانت حياتُه كلُّها لها. * كرَّستم جانبًا كبيرًا من مشروعكم العلمي لبيان إعجاز القرآن الكريم من خلال تحليل التراكيب والبيان. ما الذي تضيفه المقاربة البلاغية اليوم إلى فهم النص القرآني في ظل المناهج الحديثة؟ ** رأيتُ أن هذا من أوجب الواجبات عليَّ؛ لأن علم إعجاز القرآن الكريم مِن أجلِّ علومنا، وهذا الإعجاز هو برهان نُبوَّة سيدنا وسيد الثقلين، صلوات الله وسلامه عليه، وهو أصل نشأة كثير من علومنا، ومع هذا رأيته مغيَّبًا في حياتنا الفكرية وفي جامعاتنا، ويتخرَّج أولادنا من جامعاتنا وليس عندهم علمٌ بشيء منه، وهو العلم الذي ليس له نظيرٌ في علوم الأمم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يكرم أمَّة من أمم أنبيائه بكتاب مُعجِز في بيانه إلا هذه الأمة، واسْتَبْشَعْتُ غَيْبتَه، وجَعلتُ حياتي لعودته إلى مكانه الطبيعي في عقل الأمَّة وقلبها. ثم إن المقاربة البلاغية تُضيف إلى فَهْم القرآن كلَّ شيء وكأن المناهج الحديثة لم توجد، وليس هذا تعصبًا، وإنما هو الواقع المغيَّب؛ وذلك لأن كلَّ كلمة في البلاغة مُستخرَجةٌ من بيان هذا اللِّسان العربي المبين، ولن تَسدَّ مَسدَّها أيُّ بلاغة، ولو جُمِعتْ بلاغةُ الدنيا كلها، والقرآن الكريم أمسك بهذه العربية على حالتها يوم نزل، وهي الآن كما كان يتكلَّم بها العرب زمنَ نزول القرآن؛ في أصولها النحوية، وفي أصولها الدلالية؛ فالفاعل مرفوع، والتقديم يدلُّ على العناية والاهتمام؛ فليس لنا من سبيل إلى فهم القرآن والسُّنة والشعر الجاهلي وغير الجاهلي إلا هذه العلوم المستخرجة من اللسان العربي زمنَ نزول القرآن. وعلومُ كلِّ لغة في الأرض مستخرجةٌ من اللغة التي هي علومها، ورحم الله ابن رشد الذي قال: «لو أن أرسطو قرأ الشعر العربي لكَتبَ بلاغةً أخرى». * اشتغلتم على تراث الإمام عبدالقاهر الجرجاني شرحًا وتدريسًا في مئات المجالس العلمية بالأزهر. ما الذي يجعل مشروع الجرجاني في «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز» حيًّا وقادرًا على مخاطبة العقل المعاصر؟ ** الذي يجعل تراث عبد القاهر حيًّا وقادرًا على مخاطبة العقل المعاصر هو أن تراث عبدالقاهر ليس فيه كلمةٌ واحدةٌ إلا وهي مستخرجةٌ من اللسان العربي؛ فكل كلمة من تراث عبد القاهر باقيةٌ فينا ما بقي اللسان العربي، واللسانُ العربي باقٍ فينا ما بقي القرآن الكريم فينا، والقرآنُ باقٍ فينا ما بقي دِينُ الله فينا، والعقل المعاصر مُمسِك بتراث عبدالقاهر ما بقي مُمْسِكًا باللسان العربي، وهذا مما لا يختلف فيه أحدٌ من أهل العلم. * قدَّمتم أكثر من ثلاثين كتابًا في البلاغة والنقد والدراسات القرآنية. كيف تنظرون إلى تطوُّر الدرس البلاغي العربي في العقود الأخيرة؟ وهل ترون أن هناك حاجة إلى تجديد في مناهجه أو طرائق تدريسه؟ ** تطوُّر الدرس البلاغي يجب أن يتجدَّد في كل جيل، بشرطٍ واحدٍ قاطع، وهو أن يتجدَّد بعقولنا العاملة في تراثنا، وأنَّ تراث عبد القاهر كلُّه صوابٌ وصحيح، وليس هو كلَّ الصواب وكلَّ الصحيح، وهو – رحمه الله – وإن كان استخرج كلَّ ما قاله من اللُّغة فهو لم يَستخرج كلَّ ما في اللُّغة، وقد نبَّه هو إلى أشياء لم يَستخرِجْها، وقد استخرج الزمخشريُّ من اللسان بلاغةً لم يَستخرِجْها عبدالقاهر، والمطلوبُ الجِدُّ والتفكيرُ والتغلغلُ لاستخراج ما يمكن استخراجُه، ثم إن التفكير الجادَّ في كلام العلماء يَستخرج من كلام العلماء علمًا، والفقيهُ الجيِّد هو من يَستخرج من الفقه فقهًا؛ لأن العلماء اتفقوا على أن عِلمَ العلماء علمٌ ومَنْبَهةٌ إلى علم مَطويٍّ تحت علمهم، والعالِم الجيد هو الذي يَعمل ليكون هو نفسُه لَبِنةً في العلم الذي يَعمل فيه، واللَّبِنةُ فكرٌ جديدٌ يَستخرجه هو من العلم الذي يعمل فيه، وليس هذا خاصًّا بالبلاغة واللغة، وإنما هو عامٌّ في العلوم كلِّها، والطبيب الجيد هو الذي يَستخرج من الطب طِبًّا، وهكذا قل في العلوم كلها، وكلُّ جيل يَستخرج لزمانه بعقله واجتهاده ومن علومه ما يحتاجه، ولا يأخذ من غيره ما يحتاجه إلا المتخلفُ الضائع. هكذا تاريخ كل العلوم، وتاريخ كل الأمم. وعودةُ البلاغة إلى الكلام العالي المستخرجةِ منه هي تجديدُها، وتجديدُ طرائق تدريسها، مع العمل الدائم في الكلام العالي لاستخراج بلاغةٍ ساكنةٍ ومسكوتٍ عنها، و«العلم المسكوت عنه» كلمةٌ شائعةٌ في كلام القدماء، وهي باقيةٌ ما بقي العلم، وما بقي أهلُه الذين لم يَشغلْهم عن العلم شاغل، وإنما شَغَلَهم العلمُ عن كل شاغل. التخلُّفُ فينا نحن، والجُمودُ فينا نحن، وليس في علومنا. * لكم حضور تعليمي ممتد في عدد من جامعات العالم الإسلامي، إضافة إلى عضويتكم في هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. كيف يمكن للمؤسسات العلمية اليوم أن توازن بين الحفاظ على الهُوية الثقافية والانفتاح على التحديات الفكرية المعاصرة؟ ** الهُوية الثقافية ثابتة وراسخة فينا ما دمنا قائمين على علومنا وتراثنا بعقولنا وجِدِّنا وصِدْقنا وإخلاصنا، والعلماء الحقيقيون مرابطون على ثغور حياتنا العلمية، وهم حرَّاسٌ لهذه الهُوية الثقافية، وهي محفوظةٌ ما داموا قائمين عليها، بجِدٍّ وصِدْقٍ وإخلاصٍ وانقطاع، ولن نُدْخِلَ على هُويتنا الثقافية شيئًا من خارجها. وكلمة «تحديات» تعني: «خُصومًا»، والحارسُ اليقظُ لا يخاف خصمًا، وليس معنى هذا أننا لا نقرأ كلام الآخرين، وإنما الواجب أن نقرأه لنعرف ما يقولون لا لنقول ما يقولون، ولنعرف كيف يفكِّرون لا لنفكِّر كما يفكِّرون، وإنما نقول علومنا وما نضيفه إليها بعقولنا، والقولُ بأننا نأخذ من غيرنا ما نحتاجه كلمة تافهة، والصوابُ أننا نَصْنع بعقولنا ما نحتاجه. * في ظل التحوُّلات الثقافية المتسارعة وتأثير الوسائط الحديثة على الأجيال الجديدة، ما السبيل إلى إعادة وصل الشباب بكتب التراث، وجعلها مصدر إلهام ومعرفة لا مجرد نصوص تاريخية؟ ** هذا واجب العلماء الذين يَقرأون التراث قراءةً أكثرَ إضاءة، وأكثرَ إشراقًا، وأكثرَ قُربًا من نفوسهم، وقالوا قديمًا: «كتابُ سيبويه كتابٌ جيد، ولكنه كُتِبَ بلُغة زمانه»؛ فاكتبوا التراث لأجيالكم بلُغة زمانكم، وأضيفوا إليه ما يُفصِّل مُجملَه، ويُبيِّن مُبهمَه، واستخرجوا خباياه من خفاياه، وفي الزَّوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وهم الذين يَستخرجون الخبايا من الزوايا؛ فجِدُّوا وانهضوا ونادوا: «حيَّ على الفلاح»، والله معكم ولن يَتِرَكم أعمالَكم.