علماء في رحاب الرياض.. اليمامة تنشر حوارات خاصة مع الفائزين بجائزة الملك فيصل لهذا العام.
الشيخ عبداللطيف بن أحمد الفوزان، الفائز بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام: العمل المؤسسي هو الأقدر على صناعة أثر مستدام.
يمثل فوز الشيخ الدكتور عبداللطيف بن أحمد الفوزان بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام لعام 2026 تتويجاً لمسيرة استثنائية في العمل الخيري المؤسسي، وهي مسيرة اتسمت بالوعي العميق بالأولويات التنموية، والقدرة على تحويل القيم الإنسانية إلى مبادرات فاعلة ذات أثر مستدام، فقد تجاوزت حدود العطاء التقليدي إلى بناء نموذج تنموي راسخ يقوم على التخطيط والاحترافية واستهداف الاحتياج الحقيقي. * جاء منحكم جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام تقديرًا لمنهجية متميزة في العمل الخيري، لا لمبادرة واحدة بعينها؛ كيف تصفون ملامح هذه المنهجية التي حرصتم على ترسيخها عبر مسيرتكم؟ ** الحمد لله أولاً وآخراً، فما تحقق هو بتوفيق من الله قبل كل شيء، ثم بجهود فريق عمل وأصدقاء وداعمين شاركونا الرؤية والعمل، لقد قامت منهجيتنا على فهم الاحتياج الحقيقي قبل البدء بأي مبادرة، ثم التخطيط العلمي والتنفيذ المتدرج، مع التركيز على الاستمرارية، وما تعلمناه خلال السنوات هو أن العمل المؤسسي والعمل الجماعي هو الأقدر على صناعة أثر نافع ومستدام. * أسستم “وقف أجواد” ليكون ذراعًا مجتمعية لتطوير المبادرات الإنسانية؛ ما الرؤية التي انطلق منها هذا الوقف، وما الذي يميّزه عن النماذج الوقفية التقليدية؟ ** الوقف انطلق من قناعة بأن المبادرات تحتاج إلى تنظيم واستدامة أكثر من حاجتها إلى التوسع الكمي، وما يميز هذا النموذج الوقفي هو أن الرؤية كانت تهدف لدعم المبادرات وتمكينها لتستمر وتتحسن، ويعتمد هذا النموذج على منهج محكم يركز على قياس الأثر الاجتماعي وربط الدعم بمؤشرات أداء واضحة ومحددة، كما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 من خلال برنامج الفوزان لخدمة المجتمع. * إلى أي مدى ترون أن مفهوم الوقف اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف تتلاءم مع تحولات المجتمع ومتطلبات التنمية الحديثة؟ ** المجتمعات تتغير والتحديات تتزايد، ويجب أن يكون هناك استجابة ذكية للاحتياجات المتغيرة، فالعمل المجتمعي اليوم يحتاج إلى جودة وقياس أثر وتعاون بين الجهات، وليس مجرد زيادة في عدد المبادرات، ومن المهم أن نكون مرنين ومواكبين لمتطلبات التنمية لتصل قضايا التنمية والدعم إلى الاحتياج الحقيقي بطريقة مدروسة ومنظمة. * كيف وفّقتم بين القيم الإسلامية الأصيلة للعمل الخيري، وبين أدوات الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي في إدارة المبادرات الإنسانية؟ ** عندما يكون الهدف نفع الناس بإخلاص، فإن أدوات الإدارة والتخطيط تساعد على ترتيب الجهود وتوسيع أثرها، فعندما تجتمع المعاني الأخلاقية مع المنهج العلمي، تتحول المبادرات من جهود فردية محدودة إلى مشاريع مستمرة ونافعة بإذن الله، وتصبح مشاريع حضارية تنموية قادرة على التطور والابتكار والاستدامة. * ما أبرز التحديات التي واجهتكم في تحويل العمل الخيري من جهود فردية إلى مؤسسات ذات أثر مستدام، وكيف تم تجاوزها؟ ** من أبرز التحديات في البداية كانت ترسيخ ثقافة العمل الجماعي والاستمرارية، وبفضل الله ثم بتعاون الفريق والداعمين، وبالتخطيط الواضح وبناء العمل المؤسسي، تمكنا من تجاوز ذلك، لقد تعلمنا من التجربة العملية أكثر مما تعلمناه من الكتب، وعلى هذا النهج المتكامل، تحولت الاستدامة من مجرد هدف نسعى إليه إلى منهج عملي نتبعه. * برأيكم، ما الذي يجعل مبادرة خيرية ما قادرة على الصمود والاستمرار لعقود، بينما تتلاشى مبادرات أخرى رغم حسن النية وتوافر الموارد؟ ** التجربة علمتنا أن الاستمرار لا يرتبط بكثرة الموارد بقدر ارتباطه بوضوح الهدف وتحديد الاحتياج وتنظيم العمل، فالمبادرات التي تعتمد على فريق مؤهل وخطة واضحة وقياس أثر هي التي تستمر وتنمو بإذن الله. * في ظل رؤية المملكة 2030، كيف يمكن للعمل الخيري أن يكون شريكًا حقيقيًا في التنمية، لا مجرد نشاط موازٍ لها؟ ** ما تشهده بلادنا من حراك تنموي متسارع هو بفضل الله ثم برؤية قيادتنا الرشيدة واهتمامها بالقطاع غير الربحي، لقد قدمت القيادة نموذجاً عملياً ملهماً وجعلت من خدمة المجتمع قيمة راسخة، وبذلك أصبح العمل المجتمعي جزءاً أصيلاً من منظومة التنمية، ومن خلال التكامل والتنسيق بين مختلف الجهات يتحقق الأثر الحقيقي، فالنجاح في هذا المجال هو ثمرة عمل جماعي وتعاون ممتد. * أخيرًا، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الجيل الجديد من رواد العمل الخيري، ممن يسعون إلى الجمع بين الإخلاص في العطاء وعمق الأثر واستدامته؟ ** رسالتي لهم هي أن الإنسانية دافع لكل عمل، وروح لكل مبادرة، والشعور بالمسؤولية تجاه الإنسان هو ما يمنح العطاء قيمته، وهناك نماذج كثيرة ملهمة حولهم يمكنهم التعلم منها كيف تدار المبادرات ويقاس النجاح وتبنى الاستدامة، فالعمل الذي يجمع بين الإتقان والخبرة والقيم الراسخة هو الذي يترك بصمة دائمة ويصبح مصدر إلهام وقدوة للأجيال.