ما تجودُ به الأيام
في كل مرحلةٍ تتبدّل فيها الموازين لا يكون التغيير ظاهرًا في الوجوه بقدر ما يتسلّل إلى المعايير. هناك حيث تختلّ قيمة الأشخاص ويضطرب ميزان الكلمة يبدأ المشهد في إعادة تشكيل نفسه لكن بصورةٍ لا تُشبه الحقيقة. عندما يصبح من لا حديث له هو الحديث ويتقدّم المتملّق على صاحب الأثر، ندرك أن الخلل لم يعد في الأفراد بل في البيئة التي أعادت تعريف الحضور، ومنحت الاسم ما لا يستحقه من قيمة دون فعلٍ يثبته، أو أثرٍ يسنده. وحين لا يعود الجزاء من جنس العمل وتدخل الحصرية والمخاصصة والاحتكار على خطّ التأثير تتحوّل الكفاءة إلى خيارٍ ثانوي، ويُقصى كل لبيبٍ وصاحب خُلق، لصالح واجهاتٍ منمّقة تتقن الظهور أكثر مما تتقن الفعل، وتبحث عن ضوءٍ مزعوم، تغيب فيه الموهبة ويخفت معه الشغف. في مثل هذا المناخ لا تزدهر الكلمة بل تُستهلك. وتتحوّل الكتابة من رسالةٍ تُبنى عليها القيم، إلى مظهرٍ يُدار بالشكليات، فتجفّ الأقلام، وتفقد العناوين وهجها بعدما كانت تحمل المعنى وتصنع الأثر. لقد أصبح التنظير سيّد المشهد وحلّ النسخ واللصق محلّ التميّز، وغاب عصف الذهن الذي يمنح الكلمة وزنها، حتى باتت بعض الطروحات تُربك المعنى بدل أن تُرسّخه، وتُكرّس حضورًا شكليًا لا يُنتج قيمة، ولا يضيف أثرًا. والمفارقة أن هذه الدوائر المغلقة، التي تُدار بمنطق الاحتكار، لا تصنع إلا مزيدًا من الضعف؛ لأنها لا تقوم على معيار، ولا تُقاس بنتيجة، بل تُعيد إنتاج ذاتها حتى تظنّ أنها المشهد وهي في الحقيقة عابرة فيه. وهنا تبدأ الحقيقة في الظهور. فالأيام لا تخطئ قراءة المشهد ولا تُجامل في أحكامها. ما يُبنى على المجاملة لا يصمد وما يُصنع بلا قيمة لا يُذكر وما يُدار خارج منطق الأثر يسقط عند أول اختبار تبقى الكلمة الصادقة وحدها القادرة على البقاء ويظل الأثر هو المعيار الذي لا يُزوَّر أما ما سواه فمجرد حضورٍ مؤقت ينتهي قبل أن يُكتب له البقاء. X: @redsea56