الاغتيالات المعنوية.. حروب ناعمة باللسان الأحمر.

ليس كل اغتيال يشخب منه دم، فثمة اغتيال أكثر خفاءً وأشد أثرًا، ذلكم هو الذي يتم عبر الكلمات الشريرة، لا بالسلاح القاتل. “الاغتيال المعنوي” هو عملية مقصودة، وأحيانًا ممنهجة، تهدف إلى تقويض سمعة فرد أو جماعة من خلال نشر الشائعات، أو تحريف الحقائق، أو تضخيم الأخطاء، أو اجتزاء الوقائع لتشكيل صورة ذهنية سلبية لدى الآخرين. حيث لا يكتفي الشِرِّيْر بإلحاق الضرر الآني، بل يعمل على إعادة تشكيل موقع الإنسان المستهدف داخل مجتمعه، بحيث يفقد الثقة، ويُعاد تعريفه وفق سردية قد لا تكون حقيقية. والأدهى من ذلك والأمر قد يتعبد الله بهذا البغي على خصمه، ناسيًا أو متجاهلًا قول الله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين للهِ شُهَداء بالقسط ولا يجرمنكم شَنَآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)) الآية 8 – سورة المائدة. في الفضاء الإلكتروني تتكثف المعلومات، وتتداخل الحقائق مع الانحياز التوكيدي في التأويل، ما يمنح الشائعات قدرة فائقة على التأثير. كما أن الميل إلى الإثارة يجعل من الأخبار السلبية أكثر قابلية للانتشار، حتى تحول “الاغتيال المعنوي” إلى معركة غير متكافئة، تُحسم أحيانًا قبل ظهور الحقيقة. وتشير الدراسات إلى أن الاغتيال المعنوي للشخصيات لا يقتصر على نشر الأكاذيب فحسب، بل يعتمد – أحيانًا - على أنصاف الحقائق أو إعادة ترتيب الوقائع بطريقة مفبركة، تُبْرِز تصورات متوهمة أو غير دقيقة. وهذا ما يجعله أكثر خطورة، لأنه يصعب دحضه بسهولة، فيظل عالقًا في الوعي العام حتى بعد انكشاف زيفه. وبهذا لا يكون “الاغتيال المعنوي” مجرد إساءة فردية، بل عاملٌ مهددٌ للسلم الاجتماعي، لأنه يضرب في عمق الثقة التي يقوم عليها التعايش. وهنا يصبح هذا النوع من الاغتيال أكثر حضورًا وأشد تأثيرًا، لماذا؟ لأنه لا يحتاج إلى سكاكين حادة أو مسدسات كاتمة للصوت، بل إلى خطاب قادر على الإثارة والاستفزاز. حيث تتجلى خطورته، بوصفه اعتداءً على السمعة التي تعتبر أكثر صور الكرامة الإنسانية هشاشة. لا يقف أثر “الاغتيال المعنوي” عند حدود الأفراد، بل يمتد ليصيب البنية العميقة للمجتمع. فحين تصبح السمعة عرضة للتلاعب، تتحول العلاقات الاجتماعية من فضاءٍ للثقة إلى ساحةٍ للريبة. إن الثقة، بوصفها أساسًا للتعايش، لا تُبنى فقط على القوانين والأنظمة، بل على الانطباعات المتبادلة بين الناس. وعندما تُشوه هذه الانطباعات، يتآكل هذا الأساس تدريجيًا. تناولت الأديان مصطلح “الاغتيال المعنوي” كممارسة شيطانية من خلال منظومة أخلاقية دقيقة. فقد أدْرَكَت مبكرًا أن الاعتداء على السمعة لا يقل خطرًا عن الاعتداء على الجسد، لأنه يمس جوهر الإنسان الاجتماعي. ففي “الإسلام” تتجسد هذه الرؤية في تحريم الغيبة والبهتان والنميمة، حيث قال الله تعالى في القرآن الكريم ((وَلَا يغتب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أحدكم أَن يأكل لَحم أخيه مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)) الآية 12 - سورة الحجرات. وهي مفاهيم تشير إلى صور مختلفة من البغي، رغم أنها قد تتضمن حقيقة، تُعد انتهاكًا لحرمة الإنسان. أما البهتان، فهو اختلاق ما ليس في الآخر، وهو أشد، لأنه يجمع بين الكذب والإيذاء. وفي “الشريعة المسيحية” يظهر هذا البعد في التحذير من شهادة الزور، وفي الربط بين الكلمة والحالة الأخلاقية للإنسان. فالكلام ليس مجرد وسيلة، بل أداة يمكن أن تُستخدم للبناء أو الهدم. أما في “الشريعة اليهودية” فيبرز مفهوم (اللسان الشرير) الذي لا يقتصر على الكذب، بل يشمل أيضًا نقل الحقائق بطريقة مؤذية. هذا التمييز يعكس وعيًا بأن المشكلة ليست فقط في مضمون الكلام، بل في أثره. وفي الديانات الشرقية، مثل “البوذية” و “الهندوسية” يرتبط الكلام بمبدأ اللاعنف، حيث تُعد الكلمة الجارحة شكلًا من أشكال العنف الرمزي، لأنها تُحدث جُرحًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا. ما يجمع كل هذه الرؤى الروحانية هو إدراك أن السمعة ليست عنصرًا ثانويًا في حياة الإنسان، بل جزء أصيل من كرامته. ومن هنا، فإن الاعتداء عليها يُعد خرقًا لمنظومة أخلاقية أوسع. وبذلك يمكن القول إن الأديان لم تكتفِ بإدانة الغيبة، بل اعتبرتها مسؤولية مُجَرَّمة، لا مجرد أداة عابرة. تناولت الفلسفة مسألة التشهير ضمن سياقات تتعلق بالحقيقة، والكرامة. واعتبرته جزءً من البنية التي يقوم عليها الوجود الإنساني. ففي الفلسفة اليونانية، ارتبطت السمعة بفكرة الفضيلة. فلم يكن الإنسان الفاضل يُقاس فقط بما هو عليه في ذاته، بل أيضًا بما يُعترف به من قبل المجتمع. ومن هنا، فإن تشويه السمعة يُعد سلبًا لهذا الاعتراف، أي نزعًا لمكانة الإنسان داخل الجماعة. وفي الفلسفة الحديثة، برز مفهوم الكرامة بوصفه قيمة مركزية. حيث لا يجوز - وفق هذا التصور – اختزال الإنسان إلى وسيلة لتحقيق غايات الآخرين. وعندما يُشوَّه اسمَه أو تُحرَّف صورته، فإنه يُستخدم كأداة في صراع، وهو ما يُعد انتهاكًا لكرامته. في المقابل، يقدم الفكر النقدي قراءة تكشف البعد السلطوي للكلمة. فالتشهير قد لا يكون دائمًا بحثًا عن الحقيقة، بل أداة ضمن صراعات القوة والنفوذ، بهذا، يصبح “الاغتيال المعنوي” ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل ظاهرة مركبة تتداخل فيها الحقيقة والنزاهة مع الكذب والاختلاق. الفيلسوف الألماني “ فريدريك نيتشه 1844 – 1900م” لم يدافع عن “السمعة” بالمعنى التقليدي، لكنه كشف كيف تُستخدم الأخلاق والكلام كسلاح، وقال كلمته الشهيرة ((التشهير أحيانًا ليس بحثًا عن الحقيقة، بل صراع على السلطة ((بكافة أطيافها الاجتماعية، والاقتصادية، والإدارية، وغيرها. الإقصاء ظاهرة تتجاوز حدود الأفراد لتلامس بنية المجتمع ذاته. فهو لا يقتصر على تشويه صورة، بل يُعِيد تشكيل العلاقات، ويؤثر في مسارات الثقة، ويترك آثارًا قد تمتد لسنوات عديدة. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للسمعة أن تُستعاد بعد اغتيالها، وللقيمة أن تُرْمَم بعد تحطيمها؟ ربما تكون الإجابة: نعم، لكن ذلك لن يتحقق إلا بثمن باهظ، لأن ما يُفقد في لحظة من البغي والعدوان، قد يحتاج سنوات طويلة من الجهد والبناء كي يُسْتَعاد. في الختام، إنني أرى “الاغتيالات المعنوية” جيلًا من الحروب الناعمة، سلاحها الفَتَّاك اللسان الأحمر.