حفريات في الذاكرة (من بعيد) للدكتور محمد عابد الجابري..

يوميات طفل في قرية مغربية.

كتاب فاتن في أسلوبه الذي جمع فيه كاتبه بين روايته لأحداث حياته، والتأملات الفلسفية والفكرية. أخذ الكاتب يحفر في ذاكرته كما يحفر الآثاريون الصخور ليصلوا إلى الآثار ذات القيمة، فوصل إلى هذه السيرة من خلال الوعي الذاتي. خلال حياته شغل الجابري الفكر العربي بمشروعه الفكري “ نقد العقل العربي” ، ولا زال الكتاب ذاك بأجزائه الثلاثة يحتل مكانة مهمة في المكتبة العربية، أما هذا الكتاب فقد اختص به ذكريات الطفولة حتى المرحلة الجامعية، وهو يذكر أنه سيكمل الجزء الثاني والثالث من مذكراته، ولكن الظاهر أنه لم يصدر أيا منها، وهذه خسارة كبرى للقارئ العربي. عاش الكاتب بين عامى ١٩٣٥ و ٢٠١٠م ، وقد ولد في مدينة مغربية “فجيج “ تقع على خط الحدود الذي رسمه الفرنسيون بين الجزائر والمغرب، تنقسم المدينة إلى تجمعات سكنية تُسمى قصورا، فهو من “ قصر زناكة” . وحين يصف منطقته فإنك تجد شبها كبيرا بينها وبين واحات الجزيرة العربية، ففي جهة منها مزارع نخل يعمل فيها أهل البلد بعد أن اقتسموها بالتراضي، وفي جهة اسمها “ المعذر” يُزرع القمح والشعير ، واسم المعذر يُطلق على السهل المنخفض الذي يجري فيه الماء، ولعل نفس الوصف ينطبق على المعذر في مدينة الرياض، وحولهم بدو يأتونهم بالأقط والملح والجمال والتيفاس (الكمأة) ، كذلك يأكلون الجراد ويصطادون الضب . أما أحياؤها فهي بيوت صغيرة تفتح على أزقة ضيقة، ولكن هذه الأزقة مسقوفة لكي تقي الناس حرارة الجو، وعلى جانبي الزقاق تُقام مقاعد يأوي إليها الرجال للمؤانسة مبكرا بعد انتهاء أعمالهم، ونظرا لأن ما يحدث بمدينتهم الصغيرة من أحداث فإن الغيبة تحتل مساحات كبيرة من أحاديثهم، بل لا يكاد يقوم من المجلس أحد حتى يُستغاب، ولكننا هنا نلحظ أن ذلك لم يفرق الناس أو يقطع ودهم و تكافلهم، إلا إن كانت ذاكرة الجابري لم تسعفه لصغر سنه، للقرية أيضا رجالها الذين يصفهم الناس بالحمق و بالحكمة في آن، وبأنهم أحباب الله. نساء القرية لهن نوعان من الحجاب يحميهن من الأعين، والناس تغض البصر عنهن ولا تطلق فيهن الألسنة، كما أنهم منتجات على المستوى الاقتصادي إذ يغزلن الصوف لينتهي الأمر إلى صناعة الملابس المغربية، كما أنهن يخرجن مبكرا للاستسقاء وغسل الملابس، الرجال يعملون في زراعة النخيل وغيره، رعاية النخيل لها تقاليد، لا يتعدى أحد على نخل غيره، وعندما يذهبون إلى حقول النخل فإنهم يراعون حميرهم، فعندما يحتاجون إلى السير في الكثبان الرملية ينزل الركاب عن الحمار شفقة به. الصغار يُسخرون لإحضار طلبات المنزل وللاحتطاب. ومن الطريف أنهم يأكلون البطيخ الأحمر بالتمر، وهو يشبه فعل أهل المدينة أيام الصحابة، وذلك لأن البطيخ لم يكن حلو المذاق واكتشفوا يوم ارتحلوا إلى المدينة القريبة “وجدة “ أن هناك بطيخا أصفر حلو المذاق يؤكل دون حاجة للتمر. كذلك يلفت نظرنا كثرة مقامات الأولياء الصالحين واحتفاء الناس بها، ومسيرات الطرق الصوفية في المواسم تشكل مهرجانات احتفالية لأهل البلد، يختص كل ولي في عُرف الناس بقضاء الحاجات في تخصص معين، فعلى يد هذا تقضى حوائج الباحثة عن الإنجاب، وذاك مختص يحبب الزوج بزوجته وهكذا… أمه واسمها كصفتها “الوازنة” ذات حكمة وصبر، منكودة الحظ، حالها كحال الكثيرات يُطلقن سريعا، و يعدن للعمل في بيوت آبائهن، فقد طُلقت وهي حامل بابنها، كما طُلقت مرة أخرى بعد ست سنوات زواج، والسبب في كل ذلك هو أم الزوج، ويبدو أن حكاية افتراء أم الزوج على كنتها صحيحة، إذ أن صاحبنا يعتقد أن والديه كانا متحابين حريصين على استمرار الزواج، ولكن سلطة الحماة لا تُقاوم، وكذلك حصل في زواجها الثاني، زوجها الثاني كان معلم الكُتاب ورغم ذلك لم تكن له قيمة عند أمه وكان مستسلما لسلطتها، ولم تطق الام استمرار الحياة فعادت إلى بيت إخوتها بعد وفاة أبيها. بعد الطلاق الأول تقرر ألا يتم تزويجها إلا بعد بلوغ ابنها السابعة، وكانت حاضنة لابنها الذي كان مدللا في بيت جده لأمه و استمر الدلال في بيت جده لأبيه، ولذا فإن الولد لم يشعر بالحاجة إلى أمه ولم ييأس لفراقها، ولكنه استعاد ذكراها بعد أن وصل الستين من العمر، إذ أن امرأة في حيهم بفجيج أرسلت له بما أوصت به أمه له، وهو كل ما كانت تملك من متاع ، حزام جميل الصنعة وخلخالا من الفضة وقِدرا، لم يستوقفه ذلك في حينه، لكن الذكرى انبعثت مرة أخرى فجعلته يضيف فصلا خاصا بأمه متأملا العلاقات الإنسانية. نلاحظ هنا أن جدته لأمه كانت على علاقة جيدة بزوجة خاله التي تعيش معهم، بينما يعمل زوجها في الجزائر، ويعود أياما معدودة كل سنة ثم طلق زوجته لأنها لم تنجب. وقد كانت علاقة زوجة الخال بأمه وبه قبل الفراق على خير حال. عمته الكبري فارقها زوجها خمسة عشر عاما، صبرت ولم تطلب الطلاق، ولكن زوجها طلقها بعد عودته بزوجةٍ وأبناء من ألمانيا، ويبدو أن انكسار المرأة في المجتمع وهي شابة يؤلف الكسيرات، ولكنهن ينتقمن على طريقتهن من كناتهن بما يكتسبن من سلطة الأمومة على الأبناء. حياة النساء غريبة نوعا ما، الحياة الزوجية تقتصر على النوم المشترك بعد العشاء، وخلال النهار لا يلتقيان، فالزوجة مشغولة مع باقي نساء الدار، ولا يجوز الاختلاء بينهما في ساعات النهار. ينادي الزوج زوجته ببنت فلان، ولا تكون لهما أسرارهما الخاصة إلا بعد التقاعد، أي بعد انتهاء سن الإنجاب، وهنا ينام الوالد في غرفته منفردا بينما تنام الأم مع الأولاد. يحكى لنا أن جديه لأمه قد انقطع بينهما الحديث قبل وفاة الجد فترة طويلة، ولكن الجدة عرفت بموت زوجها مباشرة عندما شهق فجأة، رغم أنها كانت فاقدةً للإبصار. وهنا قامت بكل مراسم النحيب والرثاء والبكاء! أبوه كان تاجرا اغتنى من التجارة خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن اتجاره بمواد غذائية غير مسموح تداولها خلال الحرب إلا للعسكر، إضافة إلى عمله الوطني من خلال حزب الاستقلال أديا إلى عقوبات مالية من الفرنسيين أضاعت الكثير من ثروته، وألزمته بالعودة من وجدة إلى فجيج، حيث حُكم بالإقامة الجبرية في البيت. أحد أعمامه كان خياطا علمه أصول الخياطة، كما استضافه في دكانه عندما انتقل للدراسة في وجدة، وكاد يصبح خياطا، لولا تعلقه بالعلم الذي سيطر عليه. جده لأمه كان كثير الحدب عليه، لدرجة أن يصطحبه لزيارة بيت جده لأبيه، وينتظر ساعات أمام المنزل حتى تنتهي الزيارة. وقد علمه بعض القرآن، ثم أودعه الكُتاب. الكُتاب يسمونه المسيد وعادة ما يكون فوق المسجد، ورغم أن الكُتاب لا يختلف في الشكل عن ما وُصف في المشرق العربي، إلا أنه - ورغم وجود العقوبة الشديدة - لا يظهر النفور الذي يظهر عند آخرين إذا ذكر الكُتاب. سجله أحد أعمامه في المدرسة الفرنسية، وكان هذا يستدعي الغضب من الأقارب لأنه يُعتبر عقوقا، لفت نظره أن التعامل مع الطلاب يتم بشكل فردي لا بشكل جمعي كما هو الأمر في المسيد ، ولكنه ما لبث أن نُقل إلى مدرسة أسسها عالم دين مستنير منشغل بالهم الوطني، وكان رجلا محبوبا، هاجم البدع وعادات زيارات الأضرحة والقبور وتقديس الأولياء، وكان حريصا على توعية الناس من خلال خطبه ثم من خلال المدرسة التي أنشأها وكانت تنافس مدارس الفرنسيين في رقى التعليم بعد تعريبه، وقد اغتفر له الأهالي هجومه على أوليائهم، رغم أنهم اعتقدوا أن عقوبة الأولياء حلت عليه يوم سقط سقف المسجد بمن فوقه من رجال القرية الذين كانوا يرممون السقف، مات في الحادث صديق طفولة الكاتب، فكانت ذكرى مأساوية. كانت المدرسة قائمة على العمل التطوعي، ونجاحها يدل على وعي، إذ أن رجال حزب الاستقلال كانوا يقرنون نشاطهم السياسي بنشاطهم التربوي والتعليمي. انتهى به التعليم المتاح إلى مدرسة أقامها الوطنيون في الدار البيضاء، وقد هيأوا التعليم لأبنائهم، ولكنهم تركوا أمر رعايتهم لأهل الخير من أهل الدار البيضاء، وحققوا في ذلك قدرا من النجاح. قاده البحث عن العلم إلى سوريا، ليدرس السنة التحضيرية للتعليم الجامعي وكان هو على نفقة الحكومة المغربية بينما كان آخرون من زملائه يدرسون على نفقة الحكومة السورية. ولكنه لم يتابع في سوريا فقد تم إنشاء كلية للآداب في الرباط، فانتقل إليها ليدرس الفلسفة، ولم يكن ذلك خياره الأول، ولكنه كان المتاح. نلاحظ أنه خلال بواكير حياته كانت يتعامل بلا مشقة مع اللغات المتداولة، الأمازيغية والعربية العامية والعربية الفصحى، والفرنسية، ولا يشار إلى أي حساسيات بين العرب والأمازيغ، بل إن القارئ لا يكاد يعرف أنه من الأمازيغ. في سوريا لاحظ أن هناك مذاهب بين المسلمين، وأن هناك عرباً غير مسلمين، في المغرب يطلقون اسم عرب على الجميع، أما يهود المغرب فقد كان حالهم حال أهل المغرب دون فرق، ولكن أهل مدينة وجدة واجهوهم بمظاهرة والقاء حجارة على متاجرهم عندما أظهروا فرحا بالإعلان عن دولة الصهاينة. السفينة التي أقلته من طنجة إلى بيروت، مرت ب مارسيليا ثم توقفت في الإسكندرية، فوجئ كثيرا عندما خرج وزملاؤه للتجول في الإسكندرية فوجدوا أنفسهم في منطقة شعبية لا تختلف في البؤس عن أحياء الدار البيضاء الفقيرة، وكانت تلك مفاجأة محزنة، فقد عرفوا مصر من خلال قوتها الناعمة، الثقافة والفن، ولكنهم عادوا إلى الواقعية بعد قليل. عند نجاحه في أحد مراحل التعليم لفت نظر القيادي الوطني “المهدي بن البركة” بمهارته في الكتابة بالفرنسية فعينه مترجما في إحدى المجلات وهكذا أخذ طريقه إلى الصحافة، كما عمل بتأهيله الابتدائي مساعدا في التدريس، ثم ارتقى إلى مدرس بعد تأهله، ومن الطريف المحزن أنه وجد أن عليه أن يرشو المدير الفرنسي لإحدى المدارس بديكين روميين ليحصل على وظيفة. ليست أحداث سيرة الجابري وهي الأكثر اثارة للاهتمام في الكتاب إذا ما قورنت بتأملاته وتحليلاته النفسية والفلسفية التي تبحر خلف المعنى والتفسير، رحم الله الجابري، ذكر في لقاء صحفي مرفق بالكتاب أنه كتب الكتاب لأنه كان بحاجة، وكان الكتاب ينشر مسلسلا في صحيفتين، ويفهم من كلامه أنها حاجة مادية، يا للصراحة المؤلمة، رجل مثله، أستاذ جامعة في الستين من عمره لا زال يحتاج إلى ما يقيم أود عائلته، الحمد لله.