التماهي الثقافي مع الرؤية..

الرواية السعودية أيقونة المشهد.

احتضنت مدينة جدة ممثلة في جمعية أدبي جدة في المدة (19-21/ 10/1447ه) ملتقى قراءة النص الثاني والعشرين، وعنوان الملتقى (آفاق الأدب السعودي في ظل رؤية المملكة 2030). وقّدمت في هذا الملتقى ورقة علمية عنوانها (أثر رؤية المملكة 2030 في الرواية السعودية). وانطلقت الورقة من عدّ الرؤية مرحلة جديدة مهمة في مسيرة بلادنا في مختلف الجوانب، ومنها الجوانب الثقافية، والاهتمام بتراثنا الوطني. وأشير بداية إلى أن الرواية منذ عقود هي الجنس الأدبي الأكثر حضورًا: إبداعًا وتلقيًا في مشهدنا المحلي، وهي من أقدر الأجناس الأدبية على رصد التحولات الاجتماعية؛ لأنها تصور جوانب من الحياة، ولاتساع فضائها المكاني والزماني؛ مما يتيح لها فرصة رصد التحولات في المجتمعات. والمملكة العربية السعودية أطلقت في (18/ 7/1437ه/ 25/4 /2016م) رؤية 2030، ومن أهدافها: تطوير قطاع الثقافة والمحافظة على تراث المملكة الوطني والعربي والإسلامي، والتعريف به. وسعت الرؤية إلى جعل الثقافة ركيزة أساسية في بناء المجتمع، وتحقيق جودة الحياة، وتحويل الثقافة إلى نمط حياة. ولتحقيق أهداف الرؤية عملت بعض الجهات الحكومية والأهلية على تبني أهداف الرؤية من جانب الثقافة والعناية بتراث الوطن، ومنها وزارة الثقافة، من خلال كونها الجهة الراعية للثقافة في بلادنا، فأنشأت عام (1441ه/ 2020م) هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهي هيئة تهدف إلى تنظيم صناعة النشر، وتهيئة البيئة الإبداعية، والتدريب، وتعزيز الإبداع، ودعم المبدعين، وتمكين الموهوبين، ومن ضمن برامجها برنامج الشريك الأدبي الذي أسهم في نشر الثقافة في مجتمعنا. وظهرت تباعًا الجمعيات المتخصصة في مجال الأدب، وهي جمعيات أهلية، بإشراف وزارة الثقافة، ومنها: جمعية الأدب المهنية، وجمعية الأدب والأدباء، وغيرهما من الجمعيات الأدبية. واشتركت جهات عدة في تحقيق أهداف الرؤية الثقافية والعناية بالتراث، منها: دارة الملك عبد العزيز- التي أطلقت مبادرة (تاريخنا قصة)، عام (2021م)، وتهدف إلى تحويل الشخصيات والأحداث التاريخية إلى روايات؛ لتعزيز الانتماء الوطني. وبعد الإشارة إلى بعض الجهود التي قدمتها الجهات الحكومية والأهلية دعمًا لتحقيق أهداف الرؤية، وتأكيد تفاعل المشهد الروائي لهذه الجهود، سأتحدث عن بعض مظاهر أثر الرؤية في الرواية السعودية، وهي: 1-كثرة النتاج الروائي في هذه المرحلة: لو تتبعنا النتاج الروائي قبل رؤية المملكة (2030) وبعدها سنجد نشاطاً روائياً ملحوظاً في بلادنا بعد الرؤية، إذ تجاوز النتاج الروائي في العام الواحد مائتي رواية، ففي عام (2020م) على سبيل المثال بلغ عدد الروايات مائتين وعشر روايات تقريبًا، وفي عامي: (2024 و2025) تجاوزنا هذه الأرقام. 2 - حضور المرأة في المشهد الروائي المحلي: من منطلقات رؤية المملكة العربية السعودية الاهتمام بالإنسان، والمرأة تمثل مكونًا رئيساً من مكونات المجتمع، وتمكين المرأة كان من ضمن اهتمامات الدولة في مختلف المجالات، وظهر أثر ذلك الاهتمام في حضور المرأة في مختلف مجالات الحياة، ومنها الجانب الثقافي، وفي مجال الرواية أشير إلى تاريخ حضور المرأة في الرواية السعودية، ونجد أن المرحلة الأولى للرواية السعودية خلت من حضور المرأة الروائية، وبدأ- في المرحلة الثانية- الحضور على استحياء، وفي المرحلة الأخيرة شهدت الساحة الأدبية في بلادنا إقبالاً كبيرًا من المرأة على كتابة الرواية. وأشير هنا إلى أنه في عام (1442ه/2020م) تجاوز عدد روايات الروائيات السعوديات عدد روايات الروائيين السعوديين، إذ بلغ عدد الروايات في ذلك العام مائتين وعشر روايات، منها مائة وثلاث وعشرون رواية للروائيات، وسبع وثمانون رواية للروائيين. وهذا الحضور يؤكد استثمار الروائيات السعوديات توجهات الرؤية، إذ وجدت المرأة في الفن الروائي ميداناً للتعبير عن ذاتها ورؤاها، فسعت إلى استثمار المعطيات الجديدة في المجتمع. ومما يرسخ حضور المرأة الروائية كان التميز في مجال الرواية النسائية من فروع جائزة الأميرة نورة للتميز النسائي. 3 - انفتاح الرواية على التاريخ: علاقة التاريخ بالرواية علاقة وثيقة وراسخة، فمنذ نشأة الرواية كان التاريخ حاضرًا في الرواية، وظهر اتجاه روائي أصيل، تمثل في الرواية التاريخية. وفي المملكة العربية السعودية ظهرت أول رواية تاريخية عام (1385ه) لمحمد زارع عقيل (ت1408 ه/ 1988م) رحمه الله، وهي رواية (أمير الحب)، ومن خلال تتبعي للرواية التاريخية السعودية تبين لي أن النتاج الروائي كان يجمع بين قلة النتاج والضعف الفني، حيث رصدتُ عشر روايات تاريخية حتى عام (1428ه) فقط. ولأهمية العناية بتراث الأمة الوطني، وهي من ضمن توجهات الرؤية، عملت دارة الملك عبد العزيز التي تولي التاريخ الوطني لبلادنا جل اهتمامها- عملت على تقديم مباردة (تاريخنا قصة)، وهي مبادرة تسعى إلى دعم المبدعين والطامحين في الكتابة الروائية، وحفزتهم ماديًا ومعنويًا، فقدمت الدورات التدريبية، والورش المتخصصة، والملتقيات، والندوات؛ والهدف من المبادرة تعزيز الهوية الوطنية، والتعريف بتاريخنا، وتوثيقه، مستثمرة الاهتمام بالرواية، والإقبال على قراءتها، ومن ثمرات هذه المبادرة صدور سبع روايات تاريخية اتخذت من تاريخنا الوطني ميداناً لها، هي: دموع الرمل، لشتيوي الغيثي، والجسّاس لعبير الرمل، ونجم الشمال( العقيلي كحيلان النجدي 1868-1869) لسيما، والمزهاف لخليف غالب، وأوراق هجر لأحمد السبيت، وظل العبيد لحسين الأمير، وفيلق الإبل لأحمد السماري. 4 - انفتاح الرواية على الفنون المشاهدة (السينما والتلفزيون): تتداخل الفنون وتتكامل، والفنون المشاهدة، مثل: السينما والأعمال التلفزيونية، وهي في أصلها نصوص سردية، وواقع هذين الفنين في مشهدنا المحلي يؤكد الحاجة إلى النص الجيد؛ لأنه اللبنة الأولى الرئيسة فيها. وهيئة الأدب والنشر والترجمة، وهي من منجزات رؤية (2030)، تبنت هذا الجانب، وعملت على مشروع تحويل الرواية السعودية إلى سيناريو سينمائي، وذلك بإطلاق مسابقة تعنى بهذا الجانب، والروايات الفائزة، هي: (وجوه الحوش) لحسين علي حسين، و(ابنة ليليت) لأحمد السماري، و(الحفائر: حفرة الجبل) لخالد النمازي. وهذا جانب مهم من الجوانب التي تبرز أثر رؤية (2030) في الرواية السعودية. وأسهمت هيئة الترفيه في تحقيق أهداف الرؤية في الجانب الثقافي، وأطلق رئيس هيئة الترفيه معالي المستشار تركي آل الشيخ مبادرة سعودية (جائزة القلم الذهبي للأدب الأكثر تأثيراً) عام (2024م) تهدف إلى دعم الأدب العربي وتحويل الروايات إلى أعمال سينمائية. 5 - تطور الرواية، وظهور روائيين جدد: أجد أنه من الصعوبة في مثل هذه المقالة الكشف عن تطور الرواية السعودية، من حيث الفن والرؤية، ولا يمكن الجزم بظهور موضوعات جديدة في هذه المرحلة؛ لأن مثل هذا الحكم يحتاج إلى دراسات استقرائية تتابع معظم النتاج الروائي، لكن من خلال متابعتي للمشهد الروائي السعودي منذ أكثر من ثلاثة عقود، وقراءاتي المتعددة في هذا الجانب، يمكن الركون إلى أن الرواية السعودية شهدت تطورًا فنيًا ملحوظًا في هذه المرحلة، أسهم فيه اهتمام الروائيين بتطوير تجاربهم، وتفاعل النقد مع تجاربهم، بعد توافر الحواضن الثقافية المشجعة على تقديم المقاربات النقدية، وحرص الروائيين على تقديم أعمالهم، والحديث عن تجاربهم. ومن المهم الإشارة في هذا السياق إلى ظهور روائيين جدد في هذه المرحلة يمتلكون نضجاً فنيًا، وأشير في هذا السياق إلى تجربة الأستاذ أحمد السماري الذي أصدر أربع روايات في خمس سنوات (2021- 2025م)، هي: (الصريم، وقنطرة، وابنة ليليت، وفيلق الإبل)، وأصدر الطبعة الثانية لبعضها، والمتابع للمشهد الأدبي والنقدي في بلادنا سيجد الحضور النقدي الكبير لهذه الأعمال، وحضور الروائي في المشهد الأدبي. والمشهد الثقافي مقبل -بإذن الله- على مزيد من الإنجازات الثقافية والأدبية. *ناقد ومهتم بالشأن الثقافي