عن ماركو بولو العربي .

1 يورد ابن خلكان في وفيات الأعيان أن هارون الرشيد قال للشاعر السري الرفاء، إن كنت رأيت ما ذكرت لقد رأيت عجبا، وإن كنت ما رأيته (لم تره) لقد وضعت أدبا. تتضمن عبارة هارون الرشيد رؤية لطبيعة الإبداع الأدبي، وتكشف عن حس نقدي يوازن بين الواقع والخيال الفني من دون أن يُقصي أحدهما. فالأدب كما يُفهم ضمنيا من العبارة يستند إلى احتمالين متقابلين، لكنهما غير منفصلين أي أنهما متكاملان في القيمة. فإن عبر السري الرفاء عما شاهده حقا، فإن تعبيره بلغ من الغرابة ومن الدهشة حد العجب، أما إذا لم يكن قد رآه فقد أبدع أدبا يستحق التقدير. لا يدين الرشيد السري الرفاء بل يمدحه، ومعيار حكم الرشيد ليس الصدق الحرفي، بل القدرة على التأثير والإدهاش. وهذا ما نسميه اليوم بالفرق بين صدق الواقع وصدق الأدب، فالأدب لا يشترط أن يكون مطابقا للحقيقة الخارجية بقدر ما يشترط أن يكون مقنعا وجميلا في بنائه. تكتسب عبارة (وضعت أدبا) أهمية خاصة؛ فهي لا تحمل معنى الاتهام بالاختلاق (وضع في علم الحديث مثلا) بقدر ما تشير إلى إنتاج الأدب وإبداعه. والمعنى هو أن السري الرفاء حتى لو لم يرَ ما عبر عنه، فقد أنتج أدبا يملك مقومات التأثير والجمال. ومرة أخرى؛ هذا ما نصفه اليوم بالوعي الذي يرى أن الخيال ليس نقيضا للحقيقة، بل هو في أقل الأحوال طريق آخر إليها، أو بالأحرى صيغة أعمق لتمثيلها. فالأدب لا يُقاس بمطابقته للواقع، بل بقدرته على إعادة تشكيل الواقع أو تجاوزه. 2 ما مناسبة هذا الكلام؟ كتاب عثمان الصيني (سيرة من رأى) ففيه تتجلى مركزية الرؤية بوصفها مصدرا للمعرفة والسرد، فالعنوان يوحي بأن السرد يستند إلى مشاهدة مباشرة وإلى تجربة معيشة. غير أن التأكيد على الرؤية في عنوان الكتاب لا يلغي بعد السرد الأدبي، بل يفتحه على تساؤلات عميقة حول طبيعة السرد؛ لاسيما السيرة الذاتية؛ فهل تكفي المشاهدة وحدها لخلق سيرة؟ وهل تكفي التجربة لصنعها؟ أم أن ما يشاهده الفرد أو يعيشه يحتاج إلى إعادة تشكيل لغوي وسردي حتى يصبح أدبا؟ يمكن القول إن دلالة عنوان عثمان الصيني تلتقي مع دلالة عبارة هارون الرشيد، لأن العبارتين تعترفان، بأن الأدب غير مفصول عن الواقع، وأن هناك مساحة للتحويل والتخييل. فمن (رأى) لا ينقل ما رآه كما هو، بل يختار منه، ويعيد ترتيبه ويمنحه المعنى، أي يمارس فعل (وضع) الأدب حتى وهو يظن أنه يكتفي بوصف الواقع. وفي هذا السياق تصبح الرؤية ذاتها بداية العملية إبداعية وليس نهايتها. ويضيق الفرق بين من رأى ومن تخيل، لأن كليهما ينتهي بهما الأمر إلى الأدب الذي يخضع لقوانين الجمال. إذن يلتقي عنوان كتاب عثمان الصيني مع عبارة هارون الرشيد في الإقرار بأن الأدب ليس مجرد تدوين للوقائع، وليس انفصالا عنها. لأدب تفاعل حي بين التجربة والخيال. وإذا كان الرشيد قد منح الشرعية للخيال حين جعله مساويا للرؤية في القيمة، فإن عنوان عثمان الصيني يوحي بأن الرؤية نفسها لا تكتمل إلا حين تتحول إلى أدب. وفي الحالتين، يظل الإبداع هو المعيار الأعلى، سواء نبع الإبداع من واقع عجيب وغريب أو من خيال خصب، فغاية الأدب ليس التعبير عما حدث فعلا، بل ما يمكن أن يُعبر عنه بطريقة مدهشة ومقنعة، وهاتان الصفتان متوفرتان في كتاب عثمان الصيني، فهو مدهش ومقنع فعلا. 3 قارئ كتاب (سيرة من رأى) ليس مجرد قارئ يتتبع الوقائع التي تُروى، بل يتحول تدريجيا إلى ذات متسائلة، أقرب ما تكون إلى هارون الرشيد وهو يصغي إلى السري الرفاء. قارئ لا يفصل بين الدهشة والحكم، ولا بين الإعجاب والتمحيص. لا يحدث تحول القارئ دفعة واحدة، بل يتشكل عبر تراكم الوقائع. يجد القارئ نفسه أمام كتاب يؤسس شرعيته على المشاهدة، لكنه في الوقت ذاته مشبع بروح السرد وإعادة التشكيل، عندئذ يبدأ القارئ بمساءلة هذه الرؤية؛ هل الصيني يدون أم يبني؟ هل بعض ما رواه (سنذكر بعضا منه أدناه) ينتمي إلى الواقع أم هو أثر الخيال؟ في هذه اللحظة يتقنع القارئ من دون وعي بقناع من لا يكتفي بالقراءة بل يصدر حكما جماليا ومعرفيا. أي أن قارئ الكتاب سيجد نفسه في موقع هارون الرشيد يتمتم قائلا إن كان الصيني رأى ما دون فقد رأى عجبا، وإن لم يره فقد وضع أدبا. في المقابل، يتخذ عثمان الصيني موقع السري الرفاء، لا من حيث كونه مبدعا بالمعنى التقليدي، بل من حيث كونه منشئ خطاب، يعبر عما يبدو ملتصقا بالواقع، لكنه لا ينفصل عن طاقة التخييل. وهنا تحديدا بودي أن أنبه أن السري الرفاء، في موقفه مع الرشيد لم يكن موضع اتهام بقدر ما كان في موضع اختبار؛ أعني السؤال هل ما قاله ينتمي إلى عالم الرؤية أم إلى عملية الصياغة؟ وكذلك الأمر مع عثمان الصيني، فهو يضع نفسه ضمنا في موضع السري الرفاء؛ إذ يكتب كتابا يتكئ على (من رأى) لكنه لا يستطيع أن يفلت من شرط الأدب، ولا من إعادة ترتيب العالم وفق منطق الحكاية واللغة والاختيار. 4 يصف عثمان الصيني كتابه قائلا بأنه سيرة من رأى وليس سيرة كل الناس. وهي عبارة تكشف وعيا بطبيعة ما يكتبه وحدوده. لا يدعي الإحاطة، ولا يزعم أنه يقدم حقيقة. يقول إن ما أكتبه هو نتاج زاوية نظر محددة، تجربتي الفردية المحكومة بشرط رؤيتي الشخصية. أي أن عنوان الكتاب قيد معرفي وفي الوقت ذاته إعلان للصدق. كأنه يقول ما سأرويه هو ما شاهدته، وما وقع ضمن مجال إدراكي، ولا أفترض أنه حدث للجميع أو أنه ينبغي أن يحدث أو حدث للجميع. إنه تجربة فردية اليس إلا. تكمن فائدة هذا التقييد في أنه يحرّر الكتاب من عبء الشمول، لكنه في الوقت ذاته يحمّل الكاتب مسؤولية أكبر وأعمق؛ أي أن يكون صادقا مع نفسه وليس مع العالم كله. فالسيرة هنا سيرة من رأى وشاهد وجرب وعاش، وهي سيرة لا تتسع لتجارب الآخرين إلا بقدر ما تمر عبر عين هذا الرائي. سيرة ليست مرآة عامة، بل هي عدسة فردية وخاصة. ومن هنا تنشأ قيمة هذا القيد الذي يظهر في عنوان الكتاب؛ لأنه يذكر القارئ بأن كل ما هو مدون فيه هو أولا وقبل شيء اختيار، وكل اختيار يستبعد في المقابل أشياء أخرى. وما لم يُرَ لا يجد موضعا في الكتاب، أي أنه يظل خارج السرد، حتى لو كان جزءا من الواقع. منذ اللحظة الأولى يضع (العنوان) القارئ داخل حدود واضحة؛ أنت أمام تجربة مشروطة بالرؤية الفردية، وهي شهادة لا تزعم تمثيل الجميع، بل تكتفي بأن تكون صادقة مع زاويتها الخاصة. فعبارة (من رأى) ليست مجرد وصف، بل إعلان منهجي يحدّد طبيعة الكتاب، ويضبط أفق التلقي. إنه يقول للقارئ ضمنا إن ما ستقرؤه هو جزء من العالم، وإن الحقيقة جزئية، تمر عبر عين واحدة، ولا تمر عبر ضمير جماعي. هذا التواضع يخفي قوة عميقة، لأنه يمنح الكتاب صدقا، ويحرره من الادعاء، ويجعل القارئ أكثر استعدادا لتقبّل ما يُروى بوصفه تجربة إنسانية قابلة للفهم، وليس حكما نهائيا على الواقع. 5 لا يتحدث الصيني باسم الجميع، ولا يزعم أنه يعبر عنه صورة نهائية، بل يكتب من موقع محدود، لكنه واضح. وهذا الوضوح يمنح النص نوعا من المصداقية، لأنه لا يخفي تحيزه إلى ما شاهده بل يعلنه ضمنيا في العنوان. لذلك يتحول القيد إلى فضيلة، لأن الاعتراف بالحدود أدق من ادعاء الإحاطة. لكن هذا التحديد لا يعني أن الكتاب منغلق على ذاته أو فقد قدرته على التعميم. فلصدق في صوغ التجربة الفردية تلامس الآخرين، لا لأنها تمثلهم مباشرة، بل لأنها تكشف شيئا إنسانيا مشتركًا. وربما تكمن هنا مفارقة؛ فكلما كانت الكتابة أكثر ذاتية، أصبحت أكثر قابلية لأن تجد صداها عند الآخرين. فـ (سيرة من رأى) قد تتحول عند القارئ، إلى جزء من سيرة (من لم يرَ) لأن القارئ يعيد بناء التجربة داخل نفسه يضع كتاب (سيرة من رأى) القارئ أمام مسؤولية موازية؛ إذ لا يعود بإمكان القارئ أن يتعامل مع الكتاب بوصفه حقيقة مطلقة، بل على القارئ أن يقرأه بوصفه منظورا، وأن يملأ الفراغات، وأن يتخيل ما لم يره الصيني. وهنا تتسع دائرة المشاركة، لأن الكتاب لا يكتمل إلا بتفاعل القارئ معه. فكما أن عثمان يعبر عما رآه، فإن القارئ يعيد بناء ما قرأه، لينشأ فضاء مشترك يتجاوز حدود تجربة الصيني الفردية. ألا يكون الكتاب (سيرة كل الناس) فذلك ليس تقليلا من شأنه، بل تحديدا لطبيعته، وإشارة إلى أن الحقيقة في الأدب ليست حقيقة كلية، بل هي حقيقة جزئية، تتشكل من منظورات متعددة، ولا يمكن اختزالها في صوت واحد. وبهذا الوعي، يتحول الكتاب إلى شهادة شخصية مفتوحة، لا تزعم الاكتمال، لكنها تمنح القارئ ما هو أهم من ذلك؛ أعني تجربة رؤية، بكل ما تحمله من حضور وغياب، ومن قول وصمت. 6 لكي يتضح ما قلناه عن عنوان كتاب الصيني سنقارنه بعنوان كتاب معجب الزهراني (سيرة الوقت، حياة فرد حكاية جيل) وهو عنوان محمّل بالطموح، بل بالجرأة التي تلامس المبالغة. فالجمع بين (سيرة الوقت) وبين (حياة فرد) و(حكاية جيل) ينقل العنوان من الخاص إلى العام، ومن المحدود إلى الشامل. وهي حركة نقل تصعيدية توحي بأن تجربة فرد واحد قادرة على تمثيل الزمن بأكمله، بل تمثيل الجيل كاملا. هذا الاتساع في الادعاء والزعم يثير سؤالا نقديا: هل يستطيع فرد، مهما كانت تجربته غنية، أن يكون مرآة لزمن أو جيل؟ أم أن في ذلك تضخيما لدور الذات على حساب تعقيد الواقع وتعدد أصواته؟ يكمن الفرق بين العنوانين في طبيعة العلاقة بين الذات والعالم. ففي (سيرة من رأى) الذات محدودة رؤيتها، والعالم معروض من دون ادعاء احتوائه. أما في (سيرة الوقت، حياة فرد حكاية جيل) فالذات تتضخم لتصبح وسيطا شاملا، بل أكثر من ذلك ممثلا، وكأن الكتاب يرفع التجربة الفردية إلى مرتبة النموذج العام. وهذا الانتقال من الشهادة إلى التمثيل في سيرة الزهراني هو موضع الإشكال، لأنه ينطوي على قفزة غير مضمونة؛ أعني تحويل الخاص إلى عام من دون ضمان أن هذا الخاص يمتلك فعلًا القدرة على ذلك. يعاني عنوان الزهراني من فائض دلالي؛ فهو يقول أكثر مما يستطيع الكتاب قوله أو تحقيه. فعبارة (سيرة الوقت) توحي بالإحاطة بمرحلة، و(حكاية جيل) تفترض تمثيل تجربة جماعية، بينما جوهر حياة الفرد تجربة محدودة. والجمع بين هذه المستويات الثلاثة (الزمن، والفرد والجيل) يخلق نوعا من التضخم الرمزي، فالذات الفردية تُحمل ما لا تحتمل، وتُعرض بوصفها مركزا تتقاطع فيه تجارب الآخرين، وهو أمر نادر التحقق إلا في حالات استثنائية. لا نعني هذا أن محاولة ربط الفرد بالجماعة مبالغة، بل نعني الإشكال في الصياغة التي تحسم وتعلن الأمر مسبقا، بأن هذه حكاية جيل قبل أن يثبت الكتاب ذلك. وكما يبدو لي فإن ترك الكتاب يحقق هذا الامتداد إن استطاع، من دون الفرض في العنوان. فالتجربة الفردية قد تلامس هموم جيل، لكنها لا تختزله، وقد تعبّر عن لحظة زمنية، لكنها لا تستوعبها بالكامل. 6 حين أقول إن بعض ما رآه عثمان الصيني وما جربه في سيرة من رأى ليس أدبًا فحسب بل عجبا أيضا، فإن قولي لا ينطوي على أي تشكيك في صدق الرواية، ولا يُضمر اتهاما بالمبالغة أو الاختلاق، بل يعبّر عن حالة إدهاش حقيقي أمام وقائع تبدو، على الرغم من إمكان وقوعها، متجاوزة للمألوف حدا يجعل العقل يتوقف عندها متسائلا: كيف حدث هذا؟ فالعجب هنا ليس نقيض التصديق، بل ذروته؛ لأن الإنسان لا يعجب إلا مما يراه ممكنا، لكنه غير مألوف عنده، ولا يملك له تفسيرا جاهزا. ومن ثم فإن وصف التجربة بأنها (عجبا) يرفعها من مستوى الحكاية إلى مستوى الدهشة الوجودية، حين لا يعود الحدث مجرد حدث يُروى، بل يصبح لحظة استثنائية تكشف عن اتساع العالم وغرابته. من هذا المنظور فالعجب ليس ضد الحقيقة، بل اعتراف بقوتها حين تتجاوز التوقع، كالأدب فهو ليس نقيض الواقع، بل طريقا آخر لبلوغه. وعندما أصف ما رآه الصيني بالعجب، فإنني أمنحه أعلى درجات القبول، لأنني لا أرده إلى الخيال، بل أرفعه إلى مرتبة الواقع الذي يفوق قدرتي على الاستيعاب. تصنع هذه المسافة بين الفهم والتصديق قيمة التجربة؛ إذ يمكن للإنسان أن يصدق دون أن يعجب. أما أن يعجب من دون أن يصدق فذلك أمر مختلف. فالعجب يتطلب حضورا مزدوجا. الأول الحدث بوصفه ممكنا، وثانيا حضور الدهشة كرد فعل على فرادته. فالعالم أوسع من توقعاتنا، والتجربة الإنسانية قادرة على إدهاشنا. وكتاب الصيني ليس سجلا للوقائع، بل مجالا لاختبار حدود الإدراك. يتعلم منه القارئ أن يقبل بما يتجاوز عادته، وأن يرى في الواقع نفسه طاقة على الإدهاش، لا تقل عن طاقة الخيال. 7 لنقرأ “ طلبت مني عمادة الكلية (كلية اللغة العربية في جامعة القرى) طلبا لم تجر العادة به هو أن عرض رسالتي في مجلس القسم لتشكيل لجنة المناقشة مشروط بأن أكتب عقيدتي (ص275) لماذا؟ لأن بعض أصحاب القرار في الجامعة رأوا بأن الصيني يجب أن يحرر موقفه في هذا الجانب بكتابة عقيدتي. وبعد استغراب، وإقناع المشرف كتب عثمان الصيني ما يعتقده إظهارا للحق، وتحريرا للأمور (ص 277) ألم أقل من قبل لقد روى عجبا؟ في أي حال ما أورده عثمان الصيني يتجاوز حدود التجربة الشخصية إلى سؤال أوسع عن علاقة المعرفة بالسلطة، وعلاقة البحث العلمي بالانتماء الفكري أو العقدي. ما يرويه عثمان الصيني في سيرة من رأى عن اشتراط كتابة (عقيدته) قبل عرض رسالته على مجلس القسم ليس إجراء إداري عابرا، بل يحمل دلالة عميقة على طبيعة المناخ الأكاديمي في جامعة أم القرى، فالتقويم لم يقتصر على الأطروحة من الناحية العلمية ذاته، بل امتد إلى مساءلة الخلفية الفكرية للصيني. يمكن القول من منظور نقدي إن هذا الشرط يطرح إشكالا حقيقيا؛ فالأصل في البحث العلمي هو أن يُقاس بصرامته المنهجية، وبأصالته، وبإسهامه المعرفي، وليس بانتماء صاحبه أو تصريحه العقدي. وإدخال عقيدة الباحث بوصفها شرطا إجرائيا هو في الواقع خلط بين مجالين مختلفين: الأول مجال العلم الذي يستند إلى الحجة والدليل، والثاني مجال الاعتقاد الذي ينتمي إلى الضمير الفردي. وهذا الخلط يفتح الباب لتحويل المؤسسة الأكاديمية من فضاء للنقاش الحر إلى فضاء للفرز والاصطفاف. لا يمكن قراءة موقف الصيني بوصفه خضوعا، بل يمكن فهمه ضمن سياق عملي واقعي؛ إذ اختار أن يكتب ما يعتقده إظهارًا للحق وتحريرًا للأمور، كما يعبّر، أي أنه حول الشرط المفروض إلى فرصة للتصريح، وربما لرفع الالتباس عنه. وهنا تظهر براغماتية الباحث الذي يدرك طبيعة السياق الذي يعمل داخله، فيوازن بين الحفاظ على مساره الأكاديمي وبين الاستجابة لمطلب قد لا يتفق معه من حيث المبدأ. ما يلفت النظر في هذا الموقف ليس الشرط ذاته، بل أكثر من ذلك أي في ما يكشفه من تصور ضمني. وهو عدم فصل الباحث عن معتقده، وهذا المعتقد معيارا للحكم عليه وعلى أطروحته. وهذا التصور إشكالي إذا أُخذ على إطلاقه، لأنه يؤدي إلى تضييق أفق البحث، وتوجيه نتائجه بشكل غير مباشر. قد يرى البعض أن هذا الشرط جاء بدافع التحقق” أو الاطمئنان لاسيما في بيئات علمية تهتم بالانسجام الفكري، لكن السؤال الذي سيبقى هو هل يبرر هذا تقييد المسار الأكاديمي بشروط غير علمية؟ تبدو هذه الحادثة أقرب ما يكون إلى لحظة كاشفة؛ فهي لا تتعلق فقط برسالة جامعية، بل تعكس توترا بين حرية المعرفة وحدود المؤسسة، الأمر الذي يضيف بعدا آخر إلى كتاب الصيني. فالرؤية لا تقتصر على ما هو خارج الإنسان، بل تتوسع لتشمل الضغوط التي تمارسها المؤسسة على الفرد. وتكشف أن طريقة المعرفة لا يمر دائما عبر الأسئلة العلمية فقط، بل أحيانا عبر اجتياز اختبارات من نوع مختلف. 8 تكمن فرادة كتاب عثمان الصيني، وأهميته في أنه لا يطمح إلى أن يكون كتابا عن العالم، ولا مرآة لتجارب الناس، بل اكتفي وبوعيٍ يلفت النظر إلى أن يقتصر على شهادة ومشاهدة وتجربة ذاتية مشروطة بحدود كاتبها، لكنها تنفتح على أفق إنساني أوسع. لا تكمن قيمته في الاتساع، بل في الصدق، ولا في زعم الإحاطة، بل في شعور القارئ بما لم يره، وأن المرئي مهما بدا خاصا، فهو يمس التجربة الإنسانية. فضلا عن ذلك نجح الكتاب في الموازنة بين الرؤية بوصفها معايشة، وبين الأدب بوصفه إعادة تشكيل، من دون أن يذوب أحدهما في الآخر؛ فالكتاب يسرد ما يحمل طابع الشهادة، لكنه لا يخلو من العناية الأدبية، وما يعتني به يبدو أدبا، لكنه لا يفقد صلته بالتجربة. وهو ما جعل (العجب) يتحول إلى جزء من الواقع، وليس نقيضا له، وتصبح الدهشة علامة على اتساع العالم، وليس على الشك فيه. لقد اكتفى الكتاب بتقديم صوت عثمان الصيني الخاص، وهذا التقديم (الموقف) على بساطته الظاهرة، منح الكتاب قوة أخلاقية ومعرفية نادرا ما نجدها في كتب السيرة وإن ادعت ذلك. لم يضخم الكتاب الادعاء؛ الأمر الذي قرب الكتاب إلى القارئ الذي وجد فيه تجربة يمكن أن يحاورها لأنها ليست مفروضة عليه. على أن الأهم أن قارئ الكتاب سيخرج بحساسية جديدة تجاه ما يُرى وما يُروى، وبإدراك مفاده أن المسافة بين التجربة الفردية والكتابة ليست فجوة، بل هي مجال إبداع لاسيما حين لا تقدّم الكتابة العالم كما هو، بل كما يمكن أن يُرى، وكما يمكن أن يُكتب، تاركة القارئ يعيد بناء ما قرأه داخل تجربته الخاصة.