“جدي”.. وخطب العروبة.
سافر جدي لأمي إلى الشام …تاركا وراءه عائلة تتفيأ ظلال النخيل وتنتظر رجوعه ..قاسى العناء والبعد والتعب هناك وكان يزورهم كل خمس سنين مرة، يعود محملا بالشوق والحكايات عن أرض مترفة وعيش رغيد .. وكانت عينا أمي تلمع فخرا وهي تنقل لنا ذكرياته ..رجل جائع غريب يعمل في أرض تنبض بالخير ..ودون أن يتلقى خطبا في العروبة أو يدرس عن علاقات الشعوب .. لا أذكر عبارة حسد صدرت منه أو أنه تمنى لهم شرا رغم أنه حدث أن تلقى سوء معاملة من البعض لكن لا أذكر أنه نُقل لنا في حديثه عنهم أي سوء .. وكذا كان أغلب أهلنا حين كانت نجد أرضا يعصرها الجوع ويطحنها القحط وكان أبناؤها يتشردون في الشام والعراق ومصر وحتى الهند .. وكانت قصصهم تروى لنا ولم يكن منهم من تحدث عن تلك البلاد بسوء أو تمنى لها الضر بل كانوا يدينون لها بالجميل لأنها فتحت لهم باب رزق يعيلون به أسرهم ! واليوم وشاشات هواتفنا تنقل لنا أمنيات السوء ممن كنا نظنهم إخوة .. ممن صدع إعلامهم رؤوسنا بخطب القومية والعروبة والوحدة وملابسات كثيرة تجعلك تعلم أن الأمر ليس جوعا ولا شبعا .. ولا علما ولا جهلا … بل هي مبادئ النفوس ومعادنها التي لاتغيرها الظروف بل تظهر حقيقتها وخباياها الكامنة في الأعماق . كل مايحدث يجعلني أؤمن أن المصاعب نعمة ساقها الله لنميز بها الخبيث من الطيب … ولله عاقبة الأمور .