هناك سؤال يزور رأس الإنسان كل ليلة , يلقي التحية ويهرب الى متى ؟ لا يستطيع الانسان ان يتوازن نفسيا , ولا يقدر اللحظة, ولم يعد قادرا على البحث في حياته عن معنى ؟ وهل الاستمتاع بقطعة بيتزا او كوب قهوة او تأمل أوراق الشجر المتساقطة هو بحد ذاته هو المعنى . في رواية ايكيجاي اليابانية، رغم انها مصنفة ك كتاب لتطوير الذات، إلا ان القصص الواقعية التي تسلط الضوء على السر الياباني لحياه مديدة وسعيدة وتركز على التوازن بين ما تحب وما يريده العالم منك ,وهي جوهر جودة الحياه , اعتمد أسلوب الناس في جزيرة اوكيناوا على (التدفق ) وهو الانغماس التام في الأعمال التي تحب , مما يقلل من توتر حياتك ويزيد من رضاك عن نفسك , اجمل عبارة في الكتاب راقت لي (فقط عندما تبقى مشغولا , ستحب ان تعيش مائة عام ) يلخص الكاتب الخطوات الإجرائية كما أشار له سكان اوكيناوا ان جودة الحياه تعتمد على الابتسامة والانتماء لمجموعة تشاركية و الاتقان وتجويد المهارات وقانون التدفق , والشغف الداخلي والقدرة على الضحك من القلب , التواصل الإنساني والقدرة على الشجاعة في رؤية العالم . في فيلم البراري يعتبر الفيلم الأكثر تأثيرا في طرح قضية جودة الحياة حيث يركز على فلسفة التخلي عن المجتمع الحديث ويبحث عن جودة الحياه , الشاب كرستوفر عندما تخرج من الجامعة وكان ينتظره مستقبل مهني عظيم , قرر ان يحرق هويته ويقطع صلاته بعائلته وعاش حياه الترحال , وصولا الى الاسكا, في البراري اتصل مع الأرض وبحث عن معنى اعمق للوجود , بعيدا عن المجتمع التقليدي الزائف , عاش تجارب قاسيه ومؤثرة , التقى أيضا في رحلته بشخصيات مؤثرة مثل( جان ) وهي شخصية رحاله من الهيبز , والممثل فيمس فون صاحب المزرعة الذي صادقة وعمل معه , و(تريسي) التي اعجبت بكرستوفر , ورون فرانز الرجل المسن الذي شعر بان كرستوفر ابنه وعرض عليه فكرة التبني . المخرج والكاتب في هذا العمل لخصنا لنا محاور انسانيه عميقة أولها (الحرية ) ثم العودة للجذور , وقيمة التجربة مقابل الاستقرار , المصالحة مع الماضي , والتواضع الإنساني مقابل قوة الطبيعة , وأخيرا السعادة لا تكون حقيقيه الا عندما نتشاركها . ما يلفت نظري حوارات الفيلم نفسها عندما قال رون فرانز الرجل المسن : (يخطيء الكثيرون حين يظنون أن سعادة المرء تنبع أساساً من علاقاته بالبشر , الله وضع السعادة في كل شيء حولنا , إنها في كل ما يمكننا اختباره , كل ما نحتاجه هو تغيير الطريقة التي نرى بها الأشياء . ) ولتعزيز نواحي الترابط الاجتماعي في وطني المملكة العربية السعودية , اعتمدت الحكومات على أنسنة المدن , بدأتها امانه مدينة الرياض كتجربة فريدة من نوعها على مستوى الوطن من خلال مشاريع مادية تساعد على جودة الحياة , ك الممرات المشجرة للمشاة , وتطوير الفراغات العمرانية و تكوين أماكن لاتقاء الانسان مع الانسان لخلق تفاعل انساني , وتعود أصول الفكرة لعراب الأنسنة الأمير الدكتور عبدالعزيز العياف (1418-1433) لتغيير ثقافة المشي في مدينة الرياض وتقليل الاعتماد على السيارات , وكسر جمود الخرسانه , وتقليل التلوث البصري . انتقل هذا المفهوم للمدينة المنورة وركزت فيه الحكومات على تطوير الأحياء القديمة وتحسين الهوية البصرية للأماكن التاريخية مع مراعاة البعد الإنساني والتراثي كنموذج عربي رائد حصدت على جوائز عالمية منم الأمم المتحدة في مجال الأنسنة مثل مشروع تطوير (حي حمراء الأسد ) وتأهيل طريق (قباء) ليكون مسار ثقافي وتجاري مخصص للمشاة . رفض منظرو الغرب فكرة المدن الصناعية مثل جاين جاكوبس الذي دعا في الستينات الى إعادة الحيوية للمجتمعات المحلية , وكانت كوبنهاغن (المختبر العالمي للأنسنة ) حيث تعد الرائدة عالميا بفضل المصمم ( يان جيل ) الذي ركز على المقياس الإنساني , واعتمدت أيضا مدينة برشلونه نموذج المربعات الفائقة الذي يقضي يتجميع عدة مربعات ومنع دخول السيارات للتقليل من التلوث والضجيج , الى ملبورن (المدينة الصديقة للمشاة ) بتركيزها على الواجهات التي المدمجة على مستوى نظر الانسان لتنشيط الشوارع بالمقاهي والمحلات . ثم جاءت الانطلاقة الكبرى مع ركائز أربع للأنسنة هي الترفيه والاستدامة، والخيال والتعاطف، من خلال رؤية 2030 تتوزع اليوم من خلال مشاريع الأنسنة الكبرى التي تهدف لتحويل الرياض الى واحدة من أفضل 100مدينه حول العالم. لتحقيق هذا المشروع اعتمدت على مشروع المسار الرياضي ومشروع الرياض الخضراء ومشروع حديقة الملك سلمان الرئة الخضراء للعاصمة , وهي بحد ذاتها مسارات سياحية عظيمة تخدم المواطن والمقيم والزائر . الوطن يمتلك مقومات من اقصى الشمال حتى ادنى الجنوب, طبيعتها الجبلية والساحلية والريفية والتنوع الحضاري وكنوزها وثرواتها كلها يستطيع الانسان أن يتعايش معها ويحولها الى مكان عميق الأثر, مكان ذا جودة , مؤنس للإنسان. لو تحولت على سبيل المثال من كاتبة الى مهندسه مدنيه لمدينة ما تمتلك أكثر من هوية مثل الزيتون او الخزامى او القهوة , او الطاقة او النخيل , التراث , اوالموروثات الشعبية او الفنون الآدائية والسدو حتى تتحول الى مدينة صديقة للإنسان , نحن بحاجة لصب جميع الرموز المدفونة الى رموز حية , ملموسة يراها الانسان في الشوارع , يشم رائحتها ويسمع اصواتها ,مرسومة على الطرقات وبأشكال الإنارة وكمجسمات تتمركز في الدوارات والميادين , يصبح (شارع الزيتون ) للمشاة متجسداً بشكل الانارة والأشجار الطبيعية والكراسي وأماكن البيع والمظلات والجسورحتى يحقق تجربة بصرية وترفيهية وإبراز الهوية الثقافية للمكان تخرج من شارع الزيتون في نفس المدينة وتدخل الى (شارع السدو) و(شارع الخزامى) وهكذا تتحول هذه المواقع الى مبادرات على شكل حلقات لتكون سلسلة أكبر لرؤية أشمل حتى تحقق تنمية مستدامة مما يساعد في بقاء الزوار في هذه المواقع فترة أطول وبشكل جاذب . وفي النهاية (ليس عدد السنوات في حياتنا هو المهم بل الحياة في سنواتنا ). *كاتبة وشاعرة Ssaa27873@gmail. com