منذ انطلاقتها الأولى، ما برحت جائزة الملك فيصل ترسّخ حضورها بوصفها إحدى أهم المنارات العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، حيث تتحول لحظة الإعلان عن الفائزين كل عام ومن ثمّ حفل التكريم إلى مناسبات معرفية رفيعة لتكريم العقول التي أسهمت في خدمة الإنسان واللغة والدين والعلوم الحديثة. فهي ليست مجرد جائزة تُمنح، بل حدث ثقافي نوعي يختزن تاريخًا من الوفاء للبحث الجاد والإبداع الأصيل، ويعيد تأكيد مكانة المملكة العربية السعودية في رعاية الفكر والعلم وترسيخ قيم التميز والريادة. وفي هذا الإطار، جاء الإعلان عن الفائزين بجائزة الملك فيصل لعام 2026م امتدادًا لمسيرة طويلة من الاحتفاء بالعلماء والمفكرين الذين قدّموا إضافات حقيقية إلى حقول المعرفة، وتركوا بصمات واضحة في ميادين الدراسات الإسلامية واللغة العربية والطب والعلوم، ليشكّل هذا الإعلان محطة جديدة في سجل الجائزة الذي يزداد ثراءً عامًا بعد عام. وكانت مدينة الرياض شهدت إعلان أسماء الفائزين بفروع جائزة الملك فيصل لعام 2026م، وذلك خلال حفل أُقيم في قاعة الأمير سلطان الكبرى بمركز الفيصلية، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، حيث أعلن حينها الأمين العام للجائزة، الدكتور عبدالعزيز السبيل، أسماء الفائزين في الفروع الأربعة للجائزة، موضحًا حيثيات اختيارهم وإنجازاتهم العلمية. في فرع جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام، قررت لجنة الاختيار منح الجائزة لهذا العام 2026م بالاشتراك لكل من الشيخ عبداللطيف بن أحمد الفوزان، رئيس مجلس إدارة شركة الفوزان، تقديرًا لاعتماده منهجية متميزة في العمل الخيري تقوم على دعم المبادرات النوعية المرتبطة بالاحتياجات التنموية، وتأسيسه “وقف أجواد” ليكون الذراع المجتمعي لإنشاء وتطوير المبادرات الإنسانية. وقد اشترك معه في الجائزة أستاذ جامعة الأزهر، الدكتور محمد محمد أبو موسى من جمهورية مصر العربية، نظير تأليفه أكثر من ثلاثين كتابًا في تخصص اللغة العربية، ولا سيما البلاغة المرتبطة بإيضاح إعجاز القرآن الكريم، إلى جانب عضويته التأسيسية في هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ومشاركته في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية الدولية، وعقده أكثر من ثلاثمئة مجلس في الجامع الأزهر لشرح كتب التراث، وجهوده في ترسيخ الهوية الثقافية لدى الشباب. وفي فرع جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية أيضًا، في موضوعها “طرق التجارة في العالم الإسلامي”، منحت اللجنة الجائزة لهذا العام 2026م بالاشتراك لكل من الأستاذ في جامعة الفيوم بجمهورية مصر العربية، الدكتور عبدالحميد حسين حمودة، تقديرًا لأعماله العلمية المتكاملة التي اتسمت بالشمولية والتحليل الموضوعي، وتناولت طرق التجارة البرية والبحرية وشبكاتها وتفرعاتها في مناطق شملت المشرق الإسلامي والعراق وبلاد فارس والجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر والصحراء الكبرى. كما شاركه في الجائزة الأستاذ في الجامعة الهاشمية بالمملكة الأردنية الهاشمية، الدكتور محمد وهيب حسين، لاتسام أعماله بقيمة علمية عالية وأصالة ميدانية واضحة، اعتمد فيها على مسوحات أثرية مباشرة مدعومة بتوثيق إحداثي دقيق باستخدام نظم تحديد المواقع (GPS)، إضافة إلى خرائط تحليلية تفصيلية عززت موثوقية النتائج، وتميز منهجه بالربط بين النص القرآني والمعطيات الجغرافية والميدانية، مقدّمًا قراءة علمية متوازنة لطريق الإيلاف المكي في سياقه الجغرافي والتاريخي، ومضيفًا إسهامًا نوعيًا في توثيق طرق التجارة المبكرة في شبه الجزيرة العربية. أما جائزة الملك فيصل للغة العربية والأدب لعام 2026م، التي جاء موضوعها “الأدب العربي باللغة الفرنسية”، فقد مُنحت لأستاذ جامعة إيكس-مارسيليا في فرنسا، البروفيسور بيير لارشيه، تقديرًا لتقديمه الأدب العربي لقراء اللغة الفرنسية بإبداع وجِدّة جعلته محل تقدير النقاد والعلماء المختصين، ولمنهجيته العلمية الرفيعة في دراسته للشعر العربي القديم وتقديمه بما يلائم سياق الثقافة الفرنسية، إضافة إلى مشروعه النقدي الذي تجسّد في ترجماته الفرنسية للمعلّقات ودراساته للشعر الجاهلي برصانة علمية. وفي جائزة الملك فيصل للطب لعام 2026م، التي جاء موضوعها “الاكتشافات المؤثرة في علاجات السمنة”، فقد مُنحت الجائزة لأستاذة جامعة روكفلر في الولايات المتحدة الأمريكية، البروفيسورة سفيتلانا مويسوف، نظير عملها الرائد في اكتشاف الببتيد الشبيه بالغلوكاغون (GLP-1) النشط بيولوجيًا بوصفه هرمونًا ذا مستقبلات في البنكرياس والقلب والدماغ لدى الإنسان، واعتمادها تقنيات متقدمة وحديثة في الكيمياء الحيوية للببتيدات، إضافة إلى تقديمها دراسات فسيولوجية دقيقة كشفت أن هذا الهرمون محفّز قوي لإفراز الإنسولين، وأسهمت اكتشافاتها في تطوير فئة جديدة من العلاجات لمرض السكري والسمنة. كما قررت لجنة الاختيار في فرع جائزة الملك فيصل للعلوم لعام 2026م، التي جاء موضوعها “الرياضيات”، منح الجائزة للأستاذ في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، البروفيسور كارلوس كينيغ، تقديرًا لإسهاماته الرائدة في التحليل الرياضي، التي أحدثت تحولًا عميقًا في فهم المعادلات التفاضلية الجزئية غير الخطية، وأسهمت في توفير مجموعة من التقنيات الرياضية التي أصبحت اليوم شائعة الاستخدام، وفتحت أعماله آفاقًا جديدة للبحث، مع بروز تطبيقاتها في مجالات متعددة، منها ميكانيكا الموائع والألياف الضوئية والتصوير الطبي. وهكذا تمضي جائزة الملك فيصل في أداء رسالتها النبيلة، مُستلهِمة سيرة الملك فيصل بن عبدالعزيز (رحمه الله)، الذي آمن بأن العلم والمعرفة هما الطريق الأقوم لرفعة الإنسان وازدهار الأوطان، فجاءت هذه الجائزة تخليدًا لذكراه العطرة وترسيخًا لقيمه في نصرة الحق وخدمة الحضارة الإنسانية. وتنسجم مسيرة الجائزة اليوم مع روح رؤية المملكة 2030 في تعظيم دور البحث العلمي، ورعاية الإبداع، وتأهيل العقول القادرة على صناعة المستقبل، وترسيخ مكانة المملكة بوصفها منارة للعلم والثقافة ومركزًا عالميًا للتفكير الخلّاق. وقد غدت الجائزة، عبر تاريخها، منصة رائدة لاكتشاف العلماء والمبدعين وتقديمهم إلى العالم، حتى أصبحت في كثير من الأحيان ممهدًا للجوائز الدولية الكبرى، وفي مقدمتها جائزة نوبل التي نالها لاحقًا عدد ممن كرمتهم جائزة الملك فيصل. إنها ليست مجرد جائزة سنوية، بل مشروع حضاري مستمر، يربط بين ذاكرة القائد الملهم وإرادة الوطن في أن يكون للمعرفة كلمة الفصل في صياغة الغد. ------ الفائزون بجائزة الملك فيصل 2026 في حوارات مع «اليمامة».. الشيخ عبداللطيف بن أحمد الفوزان، الفائز بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام: العمل المؤسسي هو الأقدر على صناعة أثر مستدام. يمثل فوز الشيخ الدكتور عبداللطيف بن أحمد الفوزان بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام لعام 2026 تتويجاً لمسيرة استثنائية في العمل الخيري المؤسسي، وهي مسيرة اتسمت بالوعي العميق بالأولويات التنموية، والقدرة على تحويل القيم الإنسانية إلى مبادرات فاعلة ذات أثر مستدام، فقد تجاوزت حدود العطاء التقليدي إلى بناء نموذج تنموي راسخ يقوم على التخطيط والاحترافية واستهداف الاحتياج الحقيقي. * جاء منحكم جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام تقديرًا لمنهجية متميزة في العمل الخيري، لا لمبادرة واحدة بعينها؛ كيف تصفون ملامح هذه المنهجية التي حرصتم على ترسيخها عبر مسيرتكم؟ ** الحمد لله أولاً وآخراً، فما تحقق هو بتوفيق من الله قبل كل شيء، ثم بجهود فريق عمل وأصدقاء وداعمين شاركونا الرؤية والعمل، لقد قامت منهجيتنا على فهم الاحتياج الحقيقي قبل البدء بأي مبادرة، ثم التخطيط العلمي والتنفيذ المتدرج، مع التركيز على الاستمرارية، وما تعلمناه خلال السنوات هو أن العمل المؤسسي والعمل الجماعي هو الأقدر على صناعة أثر نافع ومستدام. * أسستم “وقف أجواد” ليكون ذراعًا مجتمعية لتطوير المبادرات الإنسانية؛ ما الرؤية التي انطلق منها هذا الوقف، وما الذي يميّزه عن النماذج الوقفية التقليدية؟ ** الوقف انطلق من قناعة بأن المبادرات تحتاج إلى تنظيم واستدامة أكثر من حاجتها إلى التوسع الكمي، وما يميز هذا النموذج الوقفي هو أن الرؤية كانت تهدف لدعم المبادرات وتمكينها لتستمر وتتحسن، ويعتمد هذا النموذج على منهج محكم يركز على قياس الأثر الاجتماعي وربط الدعم بمؤشرات أداء واضحة ومحددة، كما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 من خلال برنامج الفوزان لخدمة المجتمع. * إلى أي مدى ترون أن مفهوم الوقف اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف تتلاءم مع تحولات المجتمع ومتطلبات التنمية الحديثة؟ ** المجتمعات تتغير والتحديات تتزايد، ويجب أن يكون هناك استجابة ذكية للاحتياجات المتغيرة، فالعمل المجتمعي اليوم يحتاج إلى جودة وقياس أثر وتعاون بين الجهات، وليس مجرد زيادة في عدد المبادرات، ومن المهم أن نكون مرنين ومواكبين لمتطلبات التنمية لتصل قضايا التنمية والدعم إلى الاحتياج الحقيقي بطريقة مدروسة ومنظمة. * كيف وفّقتم بين القيم الإسلامية الأصيلة للعمل الخيري، وبين أدوات الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي في إدارة المبادرات الإنسانية؟ ** عندما يكون الهدف نفع الناس بإخلاص، فإن أدوات الإدارة والتخطيط تساعد على ترتيب الجهود وتوسيع أثرها، فعندما تجتمع المعاني الأخلاقية مع المنهج العلمي، تتحول المبادرات من جهود فردية محدودة إلى مشاريع مستمرة ونافعة بإذن الله، وتصبح مشاريع حضارية تنموية قادرة على التطور والابتكار والاستدامة. * ما أبرز التحديات التي واجهتكم في تحويل العمل الخيري من جهود فردية إلى مؤسسات ذات أثر مستدام، وكيف تم تجاوزها؟ ** من أبرز التحديات في البداية كانت ترسيخ ثقافة العمل الجماعي والاستمرارية، وبفضل الله ثم بتعاون الفريق والداعمين، وبالتخطيط الواضح وبناء العمل المؤسسي، تمكنا من تجاوز ذلك، لقد تعلمنا من التجربة العملية أكثر مما تعلمناه من الكتب، وعلى هذا النهج المتكامل، تحولت الاستدامة من مجرد هدف نسعى إليه إلى منهج عملي نتبعه. * برأيكم، ما الذي يجعل مبادرة خيرية ما قادرة على الصمود والاستمرار لعقود، بينما تتلاشى مبادرات أخرى رغم حسن النية وتوافر الموارد؟ ** التجربة علمتنا أن الاستمرار لا يرتبط بكثرة الموارد بقدر ارتباطه بوضوح الهدف وتحديد الاحتياج وتنظيم العمل، فالمبادرات التي تعتمد على فريق مؤهل وخطة واضحة وقياس أثر هي التي تستمر وتنمو بإذن الله. * في ظل رؤية المملكة 2030، كيف يمكن للعمل الخيري أن يكون شريكًا حقيقيًا في التنمية، لا مجرد نشاط موازٍ لها؟ ** ما تشهده بلادنا من حراك تنموي متسارع هو بفضل الله ثم برؤية قيادتنا الرشيدة واهتمامها بالقطاع غير الربحي، لقد قدمت القيادة نموذجاً عملياً ملهماً وجعلت من خدمة المجتمع قيمة راسخة، وبذلك أصبح العمل المجتمعي جزءاً أصيلاً من منظومة التنمية، ومن خلال التكامل والتنسيق بين مختلف الجهات يتحقق الأثر الحقيقي، فالنجاح في هذا المجال هو ثمرة عمل جماعي وتعاون ممتد. * أخيرًا، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الجيل الجديد من رواد العمل الخيري، ممن يسعون إلى الجمع بين الإخلاص في العطاء وعمق الأثر واستدامته؟ ** رسالتي لهم هي أن الإنسانية دافع لكل عمل، وروح لكل مبادرة، والشعور بالمسؤولية تجاه الإنسان هو ما يمنح العطاء قيمته، وهناك نماذج كثيرة ملهمة حولهم يمكنهم التعلم منها كيف تدار المبادرات ويقاس النجاح وتبنى الاستدامة، فالعمل الذي يجمع بين الإتقان والخبرة والقيم الراسخة هو الذي يترك بصمة دائمة ويصبح مصدر إلهام وقدوة للأجيال. ------ د.محمد محمد أبو موسى الفائز بالاشتراك بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام : علم إعجاز القرآن الكريم مِن أجلِّ علومنا وهو أصل نشأة كثير منها. يُعدّ الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى أحد أبرز أعلام الدرس البلاغي العربي في العصر الحديث، وقد ارتبط اسمه بخدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف من خلال مشروع علمي رصين امتد لعقود من البحث والتدريس والتأليف. تخرّج في الأزهر الشريف وتدرّج في مناصبه الأكاديمية حتى صار مرجعًا علميًا في البلاغة والإعجاز القرآني، وترك أثرًا واسعًا في الجامعات العربية، ولا سيما عبر تدريسه الطويل في المملكة العربية السعودية وعضويته في هيئة كبار العلماء بالأزهر. وقدّم للمكتبة العربية عشرات المؤلفات التي أسهمت في تجديد قراءة التراث البلاغي وتقريب مناهجه إلى الأجيال الجديدة، إلى جانب مجلسه العلمي المستمر في الجامع الأزهر. ويأتي فوزه بالاشتراك بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام لعام 2026 اعترافًا بقيمة هذا المشروع العلمي المتكامل، الذي جعل من البلاغة جسرًا حيًا بين النص القرآني والعقل المعاصر، وبين التراث والتجديد. * فوزكم بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام يُعد تتويجًا لمسيرة علمية طويلة في خدمة القرآن الكريم وعلوم البلاغة. كيف استقبلتم هذا التكريم، وماذا يعني لكم على المستوى العلمي والإنساني؟ ** استقبلتُ هذا التكريم بكل الغِبطة والمَسرَّة والرِّضا، وكان مفاجئًا لي؛ لأني كنت وما زلت أعتقد أن كل ما أقدِّمه لهذه الأمَّة، التي ذكر ربُّنا أنها خير أمَّة أُخرجت للناس، هو دون حقِّها عليَّ، وأنه لا يَفِي بحقِّها عليَّ وعلى كل واحد من أبنائها إلا إذا كانت حياتُه كلُّها لها. * كرَّستم جانبًا كبيرًا من مشروعكم العلمي لبيان إعجاز القرآن الكريم من خلال تحليل التراكيب والبيان. ما الذي تضيفه المقاربة البلاغية اليوم إلى فهم النص القرآني في ظل المناهج الحديثة؟ ** رأيتُ أن هذا من أوجب الواجبات عليَّ؛ لأن علم إعجاز القرآن الكريم مِن أجلِّ علومنا، وهذا الإعجاز هو برهان نُبوَّة سيدنا وسيد الثقلين، صلوات الله وسلامه عليه، وهو أصل نشأة كثير من علومنا، ومع هذا رأيته مغيَّبًا في حياتنا الفكرية وفي جامعاتنا، ويتخرَّج أولادنا من جامعاتنا وليس عندهم علمٌ بشيء منه، وهو العلم الذي ليس له نظيرٌ في علوم الأمم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يكرم أمَّة من أمم أنبيائه بكتاب مُعجِز في بيانه إلا هذه الأمة، واسْتَبْشَعْتُ غَيْبتَه، وجَعلتُ حياتي لعودته إلى مكانه الطبيعي في عقل الأمَّة وقلبها. ثم إن المقاربة البلاغية تُضيف إلى فَهْم القرآن كلَّ شيء وكأن المناهج الحديثة لم توجد، وليس هذا تعصبًا، وإنما هو الواقع المغيَّب؛ وذلك لأن كلَّ كلمة في البلاغة مُستخرَجةٌ من بيان هذا اللِّسان العربي المبين، ولن تَسدَّ مَسدَّها أيُّ بلاغة، ولو جُمِعتْ بلاغةُ الدنيا كلها، والقرآن الكريم أمسك بهذه العربية على حالتها يوم نزل، وهي الآن كما كان يتكلَّم بها العرب زمنَ نزول القرآن؛ في أصولها النحوية، وفي أصولها الدلالية؛ فالفاعل مرفوع، والتقديم يدلُّ على العناية والاهتمام؛ فليس لنا من سبيل إلى فهم القرآن والسُّنة والشعر الجاهلي وغير الجاهلي إلا هذه العلوم المستخرجة من اللسان العربي زمنَ نزول القرآن. وعلومُ كلِّ لغة في الأرض مستخرجةٌ من اللغة التي هي علومها، ورحم الله ابن رشد الذي قال: «لو أن أرسطو قرأ الشعر العربي لكَتبَ بلاغةً أخرى». * اشتغلتم على تراث الإمام عبدالقاهر الجرجاني شرحًا وتدريسًا في مئات المجالس العلمية بالأزهر. ما الذي يجعل مشروع الجرجاني في «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز» حيًّا وقادرًا على مخاطبة العقل المعاصر؟ ** الذي يجعل تراث عبد القاهر حيًّا وقادرًا على مخاطبة العقل المعاصر هو أن تراث عبدالقاهر ليس فيه كلمةٌ واحدةٌ إلا وهي مستخرجةٌ من اللسان العربي؛ فكل كلمة من تراث عبد القاهر باقيةٌ فينا ما بقي اللسان العربي، واللسانُ العربي باقٍ فينا ما بقي القرآن الكريم فينا، والقرآنُ باقٍ فينا ما بقي دِينُ الله فينا، والعقل المعاصر مُمسِك بتراث عبدالقاهر ما بقي مُمْسِكًا باللسان العربي، وهذا مما لا يختلف فيه أحدٌ من أهل العلم. * قدَّمتم أكثر من ثلاثين كتابًا في البلاغة والنقد والدراسات القرآنية. كيف تنظرون إلى تطوُّر الدرس البلاغي العربي في العقود الأخيرة؟ وهل ترون أن هناك حاجة إلى تجديد في مناهجه أو طرائق تدريسه؟ ** تطوُّر الدرس البلاغي يجب أن يتجدَّد في كل جيل، بشرطٍ واحدٍ قاطع، وهو أن يتجدَّد بعقولنا العاملة في تراثنا، وأنَّ تراث عبد القاهر كلُّه صوابٌ وصحيح، وليس هو كلَّ الصواب وكلَّ الصحيح، وهو – رحمه الله – وإن كان استخرج كلَّ ما قاله من اللُّغة فهو لم يَستخرج كلَّ ما في اللُّغة، وقد نبَّه هو إلى أشياء لم يَستخرِجْها، وقد استخرج الزمخشريُّ من اللسان بلاغةً لم يَستخرِجْها عبدالقاهر، والمطلوبُ الجِدُّ والتفكيرُ والتغلغلُ لاستخراج ما يمكن استخراجُه، ثم إن التفكير الجادَّ في كلام العلماء يَستخرج من كلام العلماء علمًا، والفقيهُ الجيِّد هو من يَستخرج من الفقه فقهًا؛ لأن العلماء اتفقوا على أن عِلمَ العلماء علمٌ ومَنْبَهةٌ إلى علم مَطويٍّ تحت علمهم، والعالِم الجيد هو الذي يَعمل ليكون هو نفسُه لَبِنةً في العلم الذي يَعمل فيه، واللَّبِنةُ فكرٌ جديدٌ يَستخرجه هو من العلم الذي يعمل فيه، وليس هذا خاصًّا بالبلاغة واللغة، وإنما هو عامٌّ في العلوم كلِّها، والطبيب الجيد هو الذي يَستخرج من الطب طِبًّا، وهكذا قل في العلوم كلها، وكلُّ جيل يَستخرج لزمانه بعقله واجتهاده ومن علومه ما يحتاجه، ولا يأخذ من غيره ما يحتاجه إلا المتخلفُ الضائع. هكذا تاريخ كل العلوم، وتاريخ كل الأمم. وعودةُ البلاغة إلى الكلام العالي المستخرجةِ منه هي تجديدُها، وتجديدُ طرائق تدريسها، مع العمل الدائم في الكلام العالي لاستخراج بلاغةٍ ساكنةٍ ومسكوتٍ عنها، و«العلم المسكوت عنه» كلمةٌ شائعةٌ في كلام القدماء، وهي باقيةٌ ما بقي العلم، وما بقي أهلُه الذين لم يَشغلْهم عن العلم شاغل، وإنما شَغَلَهم العلمُ عن كل شاغل. التخلُّفُ فينا نحن، والجُمودُ فينا نحن، وليس في علومنا. * لكم حضور تعليمي ممتد في عدد من جامعات العالم الإسلامي، إضافة إلى عضويتكم في هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. كيف يمكن للمؤسسات العلمية اليوم أن توازن بين الحفاظ على الهُوية الثقافية والانفتاح على التحديات الفكرية المعاصرة؟ ** الهُوية الثقافية ثابتة وراسخة فينا ما دمنا قائمين على علومنا وتراثنا بعقولنا وجِدِّنا وصِدْقنا وإخلاصنا، والعلماء الحقيقيون مرابطون على ثغور حياتنا العلمية، وهم حرَّاسٌ لهذه الهُوية الثقافية، وهي محفوظةٌ ما داموا قائمين عليها، بجِدٍّ وصِدْقٍ وإخلاصٍ وانقطاع، ولن نُدْخِلَ على هُويتنا الثقافية شيئًا من خارجها. وكلمة «تحديات» تعني: «خُصومًا»، والحارسُ اليقظُ لا يخاف خصمًا، وليس معنى هذا أننا لا نقرأ كلام الآخرين، وإنما الواجب أن نقرأه لنعرف ما يقولون لا لنقول ما يقولون، ولنعرف كيف يفكِّرون لا لنفكِّر كما يفكِّرون، وإنما نقول علومنا وما نضيفه إليها بعقولنا، والقولُ بأننا نأخذ من غيرنا ما نحتاجه كلمة تافهة، والصوابُ أننا نَصْنع بعقولنا ما نحتاجه. * في ظل التحوُّلات الثقافية المتسارعة وتأثير الوسائط الحديثة على الأجيال الجديدة، ما السبيل إلى إعادة وصل الشباب بكتب التراث، وجعلها مصدر إلهام ومعرفة لا مجرد نصوص تاريخية؟ ** هذا واجب العلماء الذين يَقرأون التراث قراءةً أكثرَ إضاءة، وأكثرَ إشراقًا، وأكثرَ قُربًا من نفوسهم، وقالوا قديمًا: «كتابُ سيبويه كتابٌ جيد، ولكنه كُتِبَ بلُغة زمانه»؛ فاكتبوا التراث لأجيالكم بلُغة زمانكم، وأضيفوا إليه ما يُفصِّل مُجملَه، ويُبيِّن مُبهمَه، واستخرجوا خباياه من خفاياه، وفي الزَّوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وهم الذين يَستخرجون الخبايا من الزوايا؛ فجِدُّوا وانهضوا ونادوا: «حيَّ على الفلاح»، والله معكم ولن يَتِرَكم أعمالَكم. ---- د.عبدالحميد حسين حمودة الفائز بالاشتراك بجائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية: التراث الإسلامي كنز معرفي والقراءة بعين الإنصاف ضرورة. يمثل الأستاذ الدكتور عبدالحميد حسين حمودة أحد الأصوات العلمية التي اشتغلت على الدراسات الإسلامية بوصفها مجالًا معرفيًا حيًّا، يتجاوز التكرار إلى إعادة الفهم، ويوازن بين صرامة المنهج وعمق السؤال. وعلى امتداد مسيرته الأكاديمية، انشغل بتفكيك القضايا الكبرى في الفكر الإسلامي من داخلها، مستندًا إلى قراءة نقدية للنص والتراث، ومقاربة علمية واعية بتحولات الزمن وأسئلة الواقع. ويأتي فوزه بالاشتراك بجائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية لعام 2026 تتويجًا لمسار علمي اتسم بالجدية والتراكم، وتأكيدًا على مكانة مشروعه البحثي ضمن الجهود التي تسهم في تجديد الدرس الإسلامي وإغنائه برؤية معرفية رصينة. * ينطلق فوزكم من إسهامات علمية نوعية في مجال الدراسات الإسلامية؛ كيف تصفون المنهج الفكري الذي حكم مشروعكم البحثي عبر السنوات؟ ** لديّ مشروع بحثي كبير في حقل التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، امتد قرابة أربعين عامًا من الدرس والبحث والتنقيب عن مصادر المعرفة المتنوعة، سواء المصادر الأثرية، مثل النقوش والكتابات والآثار المعمارية والمسكوكات، وهي وثائق بالغة الأهمية؛ لأنها الشاهد الناطق الحي لدراسة الماضي، أو المصادر العربية المكتوبة، وفي مقدمتها القرآن الكريم، وأحاديث النبي ﷺ، وكتب التفسير، والسيرة والمغازي، إضافة إلى المصادر التاريخية، وكتابات الرحالة والجغرافيين العرب، وهي قائمة تطول بما تحويه من كنوز معرفية. وقد أسفرت رحلتي البحثية خلال هذه السنوات عن إصدار سبعة عشر كتابًا في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، وأكثر من اثنين وعشرين بحثًا علميًا منشورًا في مجلات علمية تصدرها الجامعات المصرية، فضلًا عن أربعة أعمال موسوعية كبرى: الأولى «موسوعة تاريخ الدول الإسلامية وحضارتها في المشرق الإسلامي» في عشرة أجزاء، والثانية «تاريخ صدر الإسلام وحضارته» في ستة أجزاء، والثالثة «موسوعة طرق التجارة في العالم الإسلامي» في خمسة أجزاء، والرابعة «موسوعة الثغور الإسلامية» في ستة أجزاء، إلى جانب عدد من الأعمال العلمية الأخرى التي لا تزال قيد النشر. * إلى أي مدى حرصتم في أعمالكم العلمية على الموازنة بين أصالة التراث الإسلامي ومتطلبات القراءة الأكاديمية الحديثة؟ ** في حقيقة الأمر، الموازنة مطلوبة، لأننا نحرص على عدم التفريط في أصالة التراث الإسلامي، الذي يمثل كنز المعرفة والعمود الفقري للحضارة العربية الإسلامية. وفي الوقت نفسه، نراعي تبسيط بعض القضايا وشرحها بأسلوب علمي واضح، ييسر فهمها لجموع القراء من مختلف الشرائح، دون الإخلال بالمنهج الأكاديمي أو عمق الفكرة. التراث الإسلامي واسع ومليء بالكنوز والنفائس، ونعتز به اعتزازًا كبيرًا، ويجب قراءة نصوصه بعين الإنصاف. فالتراث الإسلامي هو الوعاء الكبير الذي يمثل الإرث الشامل للأمة من علوم ومعارف وفنون وآداب وفكر ومبانٍ، أنتجتها الحضارة الإسلامية عبر تاريخها الممتد من ظهور الإسلام وحتى اليوم.ومن هنا تبرز أهمية تحليل النصوص تحليلًا منطقيًا، من خلال دراستها من جميع جوانبها، وتحليل لغتها بإنصاف وموضوعية، حتى تكتمل الصورة وتُفهم النصوص في سياقاتها الصحيحة. * ما أبرز الإشكالات أو الأسئلة الكبرى التي حاولتم معالجتها في أبحاثكم، وترون أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاشتغال العلمي؟ ** من أبرز الإشكالات التي واجهتها دراسة الجوانب الحضارية في كثير من الدول الإسلامية، والتي تناولتها في مؤلفاتي، أن بعض هذه الجوانب لا تحظى بالاهتمام الكافي. فعلى سبيل المثال، تناولت موسوعة «تاريخ المشرق الإسلامي» الجوانب الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهناك العديد من القضايا الخفية في التاريخ الإسلامي، وخصوصًا في مجال التاريخ الاجتماعي، التي تحتاج إلى دراسة مستفيضة، إلا أن كثيرًا من الباحثين يبتعدون عنها. * كيف تقرأون الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية، من خلال جائزة الملك فيصل، في دعم البحث العلمي وتعزيز مكانة الدراسات الإسلامية عالميًا؟ ** تحرص المملكة العربية السعودية على الريادة العلمية في عالمنا المعاصر، من خلال المكانة الرفيعة التي تحظى بها جائزة الملك فيصل، التي تحتل مكانة الصدارة بين الجوائز على مستوى العالم، متفوقة على غيرها في تنظيم العمل والشفافية والدقة والحيادية. وتسهم الجائزة بفروعها المختلفة في دعم العلم وخدمة الإسلام والمسلمين، وهذا ليس بغريب، فالمملكة مهد الإسلام ومهبط الوحي الذي نزل على سيدنا محمد ﷺ، ومنها خرج القادة والعلماء والفقهاء الذين نشروا الإسلام في ربوع العالم. ويمثل التواصل الحضاري على أرض المملكة حلقات متصلة في حركة التاريخ، وما تشهده اليوم من نهضة حديثة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، وسمو الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، رعاه الله ووفقه، يصب في خير البلاد والعباد على مختلف الأصعدة. * فوزكم بجائزة الملك فيصل يفتح بابًا للتأمل في فكرة التكامل العلمي؛ كيف تقيمون هذا النهج في تكريم الجهود البحثية؟ * يتسابق الباحثون من مختلف ربوع العالم للفوز بجائزة الملك فيصل، لما تمثله من شرف علمي كبير. ويقوم التقييم في الجائزة على أسس علمية سليمة، من خلال نخبة من العلماء تم اختيارهم بعناية وفق معايير دقيقة وموضوعية. * بعد هذا التتويج العلمي، ما الآفاق البحثية التي تفكرون في التفرغ لها أو تعميق الاشتغال عليها في المرحلة المقبلة؟ ** الفوز بالجائزة سيشجعني على المضي قدمًا في مشوار العلم بقوة، والتطلع إلى البحث في كثير من قضايا التاريخ الإسلامي التي لم يتطرق إليها الباحثون، وتحقيق بعض المخطوطات النادرة التي قل وجودها في المكتبات العربية لإخراجها للأجيال القادمة، والكشف عن النصوص المبتورة في المصادر التاريخية، والبحث عن كتب التراث المفقودة التي يحتاجها الباحثون. -----