رحلة عبر شهر أبريل..

بوابة الربيع والبهجة والفرح.

في أبريل، تشرق الشمس وهي أكثر حناناً، وتستيقظ العصافير وهي أكثر خفة، وتمر النسمات وهي أكثر عذوبة، وتتنفس الأرض وهي أكثر سكينة، وتتقارب القلوب وهي أكثر لطفاً. يأتي أبريل بهدوء لكنه يحمل معه دفتراً مزدحماً بالمواعيد الجميلة؛ موعد مع الفرح، وآخر مع الأمل، وثالث مع الطمأنينة. يتسلل إلى أيامنا عاماً بعد عام، ليكشف عن نسخة أرق منه، نسخة تريد الأخذ بأيدي من آمن بجمال سنوات هذا العمر إلى ما هوأسمى وأرقى. كيف لا، وهوشهر الجمال والربيع والتجديد، الشهر الرابع في التقويم الغريغوري برصيد ثلاثين يوماً وليلة من أبهى ليالي العمر. أبريل اسم ذوأصل لاتيني يعود إلى الكلمة اللاتينية Aprilis والمشتقة بدورها من الفعل اللاتيني Aperire والذي يشير إلى معاني التفتح والتجدد، في فكرة متجانسة تماماً مع ارتباط شهر أبريل بتفتح الأزهار وتجدد الأرض بعد فصل الشتاء وتفتح الأرواح لكل بداية خلابة. يطلق على شهر أبريل عدة مسميات أخرى، منها نيسان وهواللقب المتعارف عليه في التقويمات الشرقية، وأصله يعود إلى الكلمة القادمة من اللغة الآرامية القديمة (السريانية/الأكدية المتأخرة في بلاد الرافدين) وهي كلمة Nisanu والتي كانت تستخدم في تقويم بابل القديم لتحديد بداية السنة الزراعية، وهي كلمة تعني البداية والانطلاق. على صعيد أدبي، شهر بليونة شهر نيسان لابد وأن يتواجد في سطور أشهر الشعراء، منهم نزار قباني الذي قال: “يا صيفي الأخضر ياشمسي يا أجمـل.. أجمـل ألواني.. هل أرحل عنك وقصتنا أحلى من عودة نيسانِ؟ أحلى من زهرة غاردينيا في عتمة شعـر إسبـاني..” في أبريل، تزهو الأرض بطلتها، وكأنها ترتدي ثوباً من نور، وتتحلى بألوان لم تدركها العيون من قبل. أما الطبيعة، فكل عين متأملة فيها على موعد مع عالم لا يشبه إلا الأحلام، فتلك الشجرة بدأت تستقيم، وتلك الزهرة بدأت تتفتح، وتلك العصفورة تنشد لحناً ساحراً فوق الأغصان، وتلك الفراشة ترفرف وكأنها تغزل بأجنحتها قصائد لا تُرى. أبريل جميل بجمال طقسه المتقلب وأمطاره المفاجئة، التي تذكرنا بأنه من المسموح لمشاعرنا أن تهطل بلا تردد ولأفكارنا أن ترتوي بلا قيد. أما الطبيعة في أبريل فإنها لا تصبح أخاذة فحسب، بل تصبح قادرة على الهمس في آذان من أرهف السمع للجمال، قائلة له بكل رقة: فيك شيء يشبه هذا الربيع الخلاب، وفيك من الحُسن ما يماثل روحك العذبة، ومن البهاء ما يكفي لإزهار قلوب من كسب محبتك وقربك. وكما اقترن أبريل بالتحولات التي تشهدها المناظر الطبيعية والأجواء، فقد اقترن بتلك التي يشهدها الإنسان على صعيد نفسي بحت، لعل أبرزها ظاهرة تأثير البداية الجديدة The Fresh Start Effect. هذه الظاهرة النفسية مستندة على ميل الإنسان وارتفاع مستويات الإرادة لديه نحواعتبار لحظات معينة من عمره كنقطة انطلاقة جديدة عند محطات زمنية معينة. هذه اللحظات قد تكون مشتركة بين العديد من البشر كتلك التي تتشكل عند بداية السنة الجديدة أوعند حلول المناسبات المتعارف عليها، وقد تكون خاصة بالمرء ذاته على صعيد شخصي كتلك الأيام المقيدة بتواريخ ذات قيمة وجدانية عالية لديه. شهر أبريل، سواء كان خالياً أومكتظاً بالتواريخ الجوهرية الخاصة، فهويبدي حفاوة بالجميع ويتيح لهم فرصة للانطلاق من جديد، لا بصخب يُربك الخطى، بل بنعومة تُطمئن الداخل. إن مقاصد شهر أبريل الودودة لا تتناغم مع تلك المرتبطة بالضوضاء والحدة والعجلة، بل مع تلك المتعلقة بالهدوء والاتزان والحكمة، لأن البدايات الحقيقية لا تحضر بصحبة الضجيج وردات الفعل المتسرعة والقرارات النابعة من غير تفكير مسبق، بل بصحبة السلام الداخلي وحب الذات الواعي والتفكير المتأني، ليصبح التغيير المنشود أكثر صدقاً وأطول بقاء. شهر أبريل هوذلك الجسر الآمن الذي يصل بين ما كان وما سيكون، لينقل مرتاديه من برودة الشتاء إلى دفء الصيف، لكنه لا يسلمهم مباشرة، بل يجعلهم يتوقفون طواعية في هذه المرحلة الانتقالية التي تُرسم فيها الملامح الداخلية على لوحة الأرواح بريشة أكثر دقة، لتبرز ما قد خبأته الليالي الطوال التي مضت منذ أبريل الفائت. تجديد النفس في شهر أبريل لا يقصد به ذلك التجديد الذي يُردد دائماً ولا يُلمس، ولا يقصد به تلك الأهداف التي تُدون على الورق بحماس سرعان ما يتلاشى مع الأيام، بل يقصد به تلك النية النابعة من روح صافية أدركت غاياتها وأمنياتها، وسعت في سبيل تحقيقها. في أبريل، لا تكون الانطلاقة على هيئة قرار ضخم، بل قد تكون بمجرد تحريك رمش العين ليقع على مسار نبصر من خلاله آفاقاً لم نرها من قبل، ندرك من خلالها ما تستحقه أرواحنا المرهفة من حياة كريمة ومحيط نبيل. أبريل هوشهري وموسمي الأغلى والأسمى، وفي كل أبريل أنتقي لفؤادي ما يليق به لا ما اعتاد عليه فحسب.. إما هكذا يكون أبريل ربيعاً.. وإما فلا..