غازي السعودي..

رائد فن الجداريات في العراق.

ما ان يدخل المرء بغداد حتى تستوقفه كثرة اللوحات الجدارية المبهجة وما ان يتأمل تكويناتها الشكلية حتى يأخذه نمط هذا الفن الى تاريخ العراق القديم وحكايات التراث المحلي ووحدة التنوع في الفن الاسلامي وتراثه الخلاب ويجد من يتابع ما مشيّد في تلك الجداريات العالية انها تضم حكايات الحضارة العريقة لتعج بقصص البطولة وغوايات الملوك وكلما راقب المتلقي مميزات جداريات الفنان غازي السعودي ادرك ان اشكال الزقورة والخيول وبوابة عشتار التاريخية والغزوات التاريخية كلها ترتبط في شكل موحد وبناء فني متماسك ولعل ما يميز اعماله في الرسم او فن الجداريات انها تتكامل ضمن وحدات (تشخيصية وتجريدية ) مع الحفاظ على وحدة موضوع تتعلق بطبيعة السرد الحكائي لفحوى العمل المنشأ فوق الجدار فمن هو غازي السعودي ولماذا تعد جدارياته جزءا من تلك الروح البغدادية الوثابة والداعية لخطاب الانسانية وتكامل الجمال داخل النفس. حياة الفن ودراسته تذكر الغالب من مصادر التاريخ الفني المتعلقة بالجيل الستيني العراقي بان ولادته كانت في العام 1935 في بغداد وتحديدا في منطقة (الصدرية ) هذه المحلة التي تعج بالتراث البغدادي القديم . مرحلته الاكاديمية بدأت كأحد طلاب معهد الفنون التشكيلية عام 1953، وفي اوائل ستينيات القرن المنصرم حصل على منحة دراسية خارج العراق فكانت ايطاليا الوجهة الاولى له وهناك تعلم الدرس الاكاديمي مع مجموعة من اقطاب الرعيل الفني الستيني كميران السعدي ومحمد غني حكمت وخالد الرحال واسماعيل الترك ،شاءت الظروف الاجتماعية وهدوء الاجواء يومها ان يتعرف على احدى النساء الإيطاليات ممن تعمل في تصميم الازياء في روما والتي اسمها ( مارجيلا جوفاني ) المولودة في روما سنة 1938 ويعيشا حالة حب اسفر عن زواج وعلاقة انسانية بُنيت على الاحترام والتواصل والمحبة شجعته تلك السيدة ان يبقى في حقل الفن وحفزت فيه الاداء التعبيري مع انه لازم احلامه واستكشف قواه الذهنية لينجز عشرات الاعمال الفنية في ساحات ومتنزهات ومباني حكومية شاهقة في بغداد ومن ذلك اليوم حتى لحظة وفاته في العام 2013 وهو يعد صاحب الريادة المتفردة في تنفيذ اغلب الجداريات التي نراها في اشكال مختلفة راسخة المعالم على البلاط الخزفي والتي كان لمدينة بغداد النصيب الاوفر منها مميزات فنه التعبيري فرض نوع العمل الذي ينجزه الفنان غازي السعودي التعامل مع خامات معينة تحتاج لقدرة ذهنية وخيال خصب وصبر في انجاز التكوين الفني ليس لأنه كبير ويعلّق في جدران مرتفعة بل لاعتبارات تتعلق في انجاز الكتل والاشكال وحتى طريقة التحول الديناميكي فجداريات ( الموزاييك ) تعتمد على طريقة اللصق بما انها اقرب لفن الفسيفساء وهنا تكون الوحدات الشكلية مقطعة الى اجزاء ثم يتم لصقها وغالبا ما يكون العمل خاضع لتكثيف تنقيطي وتجميعي وبعدها سيلجأ الفنان الى جمع تلك الجزيئات ثم تنسحب على التكوين والعمل على مزج الالوان التي يريد لعمله ان يظهر بقوامه التعبيري النهائي واعتقد ثم تنظيم في عمل الجداريات يختلف عن الرسم لوجود احكام تكوينية لها علاقة فيما تنتجه المتواليات الصورية والتي غالبا ما تكون ذات بعد سردي وحكائي لقصة معينة كالف ليلة وليلة وانتصار الملوك في الحروب ولكن المفيد هنا ان الفنان غازي السعودي يريد لعمله ان يكون كمعيار بصري يبزغ في المحيط ومدروس بعناية ملفتة بحيث كل من يتابعه متأملا اساسيات ذلك العمل سيكتشف ان جهدا كبيرا يقف وراء هذا العمل مع وجود عقل وخيال خصب يسعى لإنتاج فن كتب عليه البقاء طويلا واجد من الضروري الاشارة الى مهارته في كل تلك التقنيات وقفت وراءها مرحلة الستينيات من القرن المنصرم فقد كان لدراسته في روما وحصوله عام 1961 على شهادة الدبلوم في اختصاص فن الموزاييك وحصوله بعد سنتين على شهادة البكالوريوس وتحديدا في فن (الفريسكو) كان لتلك الدراسة ان تضيف له رصيدا في تغيير الكثير من تقنياته التي امتلكها كمحب للخزف وهذه الخبرة وفرت له قاعدة بيانات تختص بالتقنيات مع استثمار لكل الخصائص الفنية المتعلقة بطبيعة الالوان وبعض الخامات التكميلية .لا احد ينكر او يتجاهل امرا مهما مع هذا الفنان فلقد كانت مهارته ودقته عالية وهو يمثل ذلك العقل الفني في ( الرسم والخزف والرسم على الجص والتمبرا والفريسكو ) ويتحقق من كل برمجة لها علاقة في الخصائص والاثر وانتظام التطابق في العمل الفني الواحد بحق يمكن القول ان الفنان غازي السعودي انه تفرد في اعطاء المتلقي مجموعة من الجداريات واستحضر فيها طاقته التعبيرية وصوّر الكثير من الاستعراضات المتعلقة بالحكايا القديمة ونوّع في توظيف الدلالة التعبيرية ففي جدارية (المتحف البغدادي ) نراه اخضع موضوعه للحكايات المحلية اما جدارياته الثلاث الشاخصة في بغداد وتحديدا في منتزه الزوراء فقد تنوعت بما تفرضه وحدة العمل ودلالته التعبيرية فسنجد عند رؤيتنا لها هنالك الوثائق التاريخية وهناك البعد اليومي المتعلق بالحياة الاجتماعية ففي جدارية البوابة الثالثة سيلتقي المشاهد مع جوانب الحضارة العراقية القديمة وسيكون للبوابتين الاخريتين اختلافا في التعبير وفقا لمسار مرجعياته ورؤيته في المساحة المخصصة للعمل اما عمله الفني الراسخ في كلية طب بغداد والتي تسمى جدارية الطب فقد استندت في مدلولها التعبيري الى توظيف الموروث العربي حيث يبرز للمشاهد (الاواني المستطرقة والدوارق ) وغيرها مما يجعل العمل محملا بطاقته الرمزية وهكذا مع باقي الجداريات المتعددة في مراكز بغداد القديمة والمعاصرة لقد رحل رائد فن الجداريات ولم نتابع اسما فنيا بعد رحيله يعيد الى اذهاننا هذا النوع من الفن الذي انشغلت به دول اوروبا وبعض الدول العربية لكن ما يشفع لمحبيه ان درسه الاكاديمي في معهد الفنون الجميلة منذ سبعينات القرن المنصرم اسعف الكثير من تلامذته في معرفة فن الخزف بعد ان كسبوا الخبرة والمعلومة التي تبقى في ذاكرة الجميع .