ترسم لنا المخرجة السعودية ريما الماجد في فيلمها الروائي القصير «حوض» مشهدًا بصريًا يقوم على الإيحاء والاختزال، مع تكثيف المعاني، عبر انتقالات سردية تتولى الكاميرا من خلالها دور الراوي، مستفيدة من لحظات الصمت والصوت لنقل حكاية الشخصية. يبدأ الفيلم بحوار مقتضب بين علياء وزوجها، الذي يرفض حلمها، ممزقًا للسيناريو الذي أنجزته والموسوم بـ«حلم على ورق». وعلى إيقاع هذا التمزيق، الذي تنقله الكاميرا ببطء، تنزلق الشخصية الرئيسية إلى مسار سردي يستعيد شذرات حياتها، من الطفولة إلى المراهقة، قبل أن يعود بنا إلى لحظة الراهن، حيث تقف على تخوم الاختيار، مقبلةً على تقرير مصيرها. بهذا الانتقال الزمني، نكتشف خفايا حياة شخصيتنا الرئيسية في الفيلم؛ إذ تؤدي دورها “ الممثلة ، فتكشف، في كل مرة عن تفكير خارج الصندوق، واختيارات غالبًا ما تواجه بالرفض. ومن خلال ذلك، تفتح الماجد أفقًا نقديًا لما آل إليه التعليم من تلقين، كما يظهر في مشهد تحويل المعلمة إلى روبوت متحدث، وتكرار التلميذات كلامها، في حين اختارت علياء أن يكون أمامها حوض به سمكة، كرمزية لانغلاقها في مكان لا يعكس حلمها. يبرز في الفلم؛قمع الذات داخل المجتمعات المنغلقة، التي تحدد للمرأة دورًا محصورًا ضمن العائلة، يتضح ذلك حين قالت أم علياء لها: “المرأة ليس لها غير منزل زوجها وبيتها”، بعد أن كشفت عن حلمها في إن تكون سينمائية. . من خلال هذا الانتقال المكاني، ترسم المخرجة فضاءات ضيقة، تعكس دلالة عنوان الفيلم «حوض»، الذي يشير إلى أمكنة في حياة علياء كانت بمثابة أحواض مغلقة تتحرك داخلها بلا قدرة على الانفلات: المدرسة، المنزل، ومكتب زوجها. أما الإضاءة، فهي عاتمة، لتعكس الانكسارات التي تمر بها الشخصية، ويتجلى ذلك في صمتها، ولغة جسدها، وبكائها، وحواراتها المقتضبة، حيث يُقاطع التعبير عن أفكارها من قبل الأم، والأخ، والزوج، والأخت، وكأنهم جميعًا متأثرون بنمط تفكير يقوم على تهميش الذات، منطلقًا من موقع المرأة. في هذا الإطار تقول مخرجتنا ريما الماجد:” أرى أن التدرج المكاني في فيلم حوض لا يقتصر على كونه انتقالا بين فضاءات، بل هو انتقال في طبيعة السلطة ذاتها. تبدأ الرحلة من المدرسة بوصفها فضاء يوحي بإمكانية الاختيار، لكنه في العمق محكوم بقواعد خفية تشكل الوعي. ثم ننتقل إلى المنزل، حيث يصبح القيد أكثر قربا وثقلا لأنه مغلف بالعاطفة والتقاليد ويتبعه المسرح والذي يشكل سلطة المجتمع الغير مباشرة على علياء والمدعومة من العائلة. أما مكتب الزوج فيمثل لحظة انكشاف، إذ تتحول السلطة إلى شكل صريح ومباشر لا يترك مجالا للمراوغة. وكأن الفيلم ينتقل من وهم الحرية إلى حقيقتها القاسية. و تكمل الماجد، “ هذا التدرج جعلني أشعر أن علياء لا تنتقل بين أماكن فحسب، بل تغوص تدريجيا داخل منظومة تحكم السيطرة عليها. ومن هنا يكتسب المكان بعدا فلسفيا يتجاوز وظيفته السردية.” بعد فلسفي متحور أساسا في مسألة كينونة الأنا تجاه الآخر، و كينونة الحلم تجاه الواقع و كينونة الاختيار تجاه الرفض حيث وظفت مخرجتنا كل هذا كتيمات سينوغرافية قوامها الإضاءة الخافتة و المطية الموسيقية الهادئة رغم الغليان الذي يختلج دواخل شخصيتنا الرئيسية “علياء”إضافةإلى مساحة الحوارات المقتضبة و العميقة في آن، كحوارها مع أختها سعاد من خلف الكاميرا حين تقول لها:الناس في العالم بتموت و تعاني و أنت مغمضة عيونك فتجيبها علياء : سعاد لا أنا بفتح عيون العالم فتضحك بسخرية و تقول لها:اضحكي على نفسك بهذا الكلام، أصلا الناس لا تستفيد منها لاشيء... ترى تضيعين مستقبلك و عمرك فكري ألف مرة .” و كأن الماجد تغوص في مجتمعها لتجري مقارنة منطلقة من رؤيته إلى السينما بين الأمس و اليوم، لتصنعها مشهدية بكاميرا لا تخلو من شاعرية في نقل الصورة و طريقة السرد و توازن جمالي ساهم رغم بطء الإيقاع الفلمي في خلق نبض آخر من إيقاع السؤال لدى المتفرج : و بخصوص هذا تقول الماجد:”أرى أن حوار علياء وسهاد لا يمكن اختزاله كمقارنة مباشرة بين سينما الأمس واليوم بقدر ما هو مساحة تأمل تنطلق من وعيهما الشخصي بالصورة فكل واحدة منهما تمثل حساسية مختلفة تجاه السينما دون أن يكون هناك حكم صريح أو طرح تقابلي تقليدي. بالنسبة لي الحوار أقرب إلى مساءلة داخلية لذاكرة المشاهدة وليس إلى مقارنة زمنية جاهزة. و تضيف أعتقد: أن البطء في ايقاع الفيلم لم يكن عائقا بل كان خيارا واعيا لصناعة إيقاع قائم على السؤال أكثر من الحدث. شعرت أن الفيلم يراهن على توتر داخلي يتشكل لدى المتفرج، حيث يصبح الصمت نفسه أداة لدفع التساؤل وليس فراغا سرديا. و تكمل :” أما في ما يخص المشهدية أرى أن الشاعرية البصرية لم تأت صدفة بل كانت جزءا من أسلوب مقصود. الكاميرا هنا لا تكتفي بالنقل بل تعيد تشكيل الواقع عبر لقطات متأنية وتوازن بصري واضح حتى في لحظات الصمت. لذلك أعتبر أن هذا الأسلوب القائم على الاقتصاد في الحوار والاعتماد على الصورة هو تقنية هدفها بناء تجربة حسية وتأملية تعكس جوهر الفيلم أكثر مما ترويه الكلمات.” حسب تعبيرها. بين الشاعرية البصرية التي حققتها الكاميرا و بين ما تهدف له مخرجتنا من بناء تجربة حسية و تأملية تعكس جوهر الفيلم، كان للصمت دورا في إبراز دلالة عنوانه “حوض” حيث حدد حركات الشخصية التي كانت في ثبات دائما و كأنها تقف في نفس الموقع و نفس الدائرة و نفس الكلمات القليلة المبعثرة و لكأنها تسعى لجمع شتاتها من هنا و هناك لتكون الأنا و رغم بطء النسق الدرامي و السردي للأحداث و للحوارات إلا ان الماجد كانت تعتمد هذا النسق و كأنه تخزين في ذات الشخصية لتكون مرحلة القرار بأن تقرر مصيرها. فكما قالت: “ الحلم ليس على الورق ... بل الحلم داخلي” و تقرر بذلك بداياتها التي تقررها.