حتى أربعة.

كلُّ شيءٍ في بيتنا يبدأ بواحدٍ لينتهي بأربعة، مثل: دو، ري، مي، فا أربع حقائب مدرسية، وأربعة أزواج من الأحذية، وأربعة أسرّة، وأربعة أزواج من أشرطةٍ حمراء لامعة تزيّن أربعة أزواج من الظفائر الجميلة. وعلى طاولة الطعام، هناك أربعة أكواب، وأربع ملاعق، وأربعة أطباق… وأربعة كراسٍ. لم يكن لأمي كرسيّ، ولا طبق، ولا ملعقة… كانت تأكل بعد أن يكتفي الجميع، وتنام على حشيةٍ قديمة في غرفة المعيشة. كنتُ أعدّ حتى أربعة طيلة الوقت: أربع قفزات في لعبة نطّ الحبل، وأربع لكزات على ظهر الأرجوحة الخشبية المتدلّية من سقف الشرفة، وأربع طرقات بالملعقة تقرعها أمي على كأسٍ فارغ… ليعلم الجميع أن وقت الغداء قد حان، وأربع قبلات، واحدة على جبين كلٍّ منّا… إنّه وقت الخلود للنوم. وحين يُطرق الباب، كانت أمي تعدّ حتى أربعة قبل أن تنتعل حذاء أبي؛ لتخرج للطارق. تظنّ أمي أن وقع حذاء أبي على البلاط أشدّ رهبةً في قلوب الدخلاء. هكذا عشنا: أربع فتياتٍ وأمّ. نسقط، ثم نعدّ حتى أربعة قبل أن ننهض ونعاود المسير. ثم جاءت الحرب. لا أذكر أيَّ حربٍ كانت، فالحروب هنا كثيرة… توقّفت عن عدّها حين صارت فوق الأربعة. هجرنا الأسرّة، وطاولة الطعام، وحقائب المدرسة، والأحذية… ونزلنا إلى القبو. صفّت أمي حذاء أبي الراحل على باب القبو، ليظنّ المارّ من هنا أنّ ثمة رجلًا في المكان… ولسنا أمًّا وأربع فتيات. تقاسمنا كسرة الخبز، وقدح الماء، وظلام القبو، والخوف، والبرد… وكلّ شيء… كلّ شيء كان مقسومًا على أربعة… دو… ري… مي… فا… واحد… اثنان… ثلاثة… أربعة… كنّا نعدّ حتى الأربعة، من لحظة انطلاق وميض الصاروخ حتى ارتطامه بالأرض. ومع كلّ أربعة ننطق بها، أنا وأخواتي، ندرك أن الموت صار إلينا أقرب. وحين نفد الخبز وجفّ قدح الماء… برق وميضٌ عظيم أنار المكان، فلمحت في الظلام وجوه أخواتي؛ كانت أعينهن متعبة من الخوف، والجوع، والظمأ… ومن كلّ شيء. انطفأ الوميض، وغلّف المكان صمتٌ مهيب، يقطعه صوت ارتطام خرزات مسبحة أمي ببعضها، وتمتمات تسابيحها. واحد… اثنان… ثلاثة… أربعة… دخل الموت من السقف، دون أن يمرّ بحذاء أبي المنتظِر عند الباب. عدّ الموت: واحد… اثنان… ثلاثة… فقطف أرواح أخواتي زهرةً تلو زهرة. وحين نطق بالرقم أربعة… عانقتني أمي لتكون لي قربانًا… وأيّ قربان. كانت روحها سهلةً منقادة… أخذها الموت بإشارةٍ من منجله. خرجتُ من القبو وحيدة… أحمل على ظهري حقيبةً خبّأتُ فيها ورقةً مطويّة، كُتب عليها ذات يوم: غصّة… غصّتان… ثلاث… أربع… ومنذ ذلك اليوم، وأنا أنتعل حذاء أبي. لا أدري… أصغُرَ الحذاء أم أنّني كبرت. * طبيبة وكاتبة وروائية من العراق