لمن تقرأ؟

حين كنت في إحدى المكتبات أتصفح بعض عناوين الكتب، اقترب مني شاب لطيف يعمل فيها وسألني إن كنت أبحث عن كتاب بعينه يمكنه مساعدتي في الحصول عليه. قلت له: ليس لدي عنوان محدد. فسألني: لمن تقرأ وماذا يستقطب اهتمامك؟ سؤال قد يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، عكس إجابته التي تتسع لكثير من الجوانب. “لمن تقرأ” سؤال يمتد بامتداد الذاكرة. أنا من النوع الذي يقرأ كل ما يقع في نظره، لا أحتقر أي عنوان، ولا أحب الوصايا والنصائح في الكتب وإن أحسن بعضهم في تقديمها، فالقراءة اكتشاف، ونصائح الخبراء كما تُعطيك ربما حرمتك لذة الاكتشاف والاستمتاع، وما يروق لهم قد لا يروق لك والعكس صحيح. سؤال “ماذا تقرأ” أو “ما الذي يثير انتباهك” قد يُكبّلك فيما يُسمى افتراضيًا بفقاعات التصفية، ويجعلك كما تفعل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي شغلُها الشاغل سلوكُك واهتمامك في الفضاء الرقمي؛ فما إن تعرف تلك الخوارزميات اهتمامك حتى تُسيل لعابك بكمٍّ كبير من الصور والمشاهد والقصص وكل ما يتصل به، وقد تجد نفسك في دائرة مغلقة دون أن تشعر. والقراءة في حد ذاتها فعلٌ يُنشّط الدماغ، والدماغ عضلة كاليد والقدم، ما لم تتحرك ضعفت. وليس أمام العقل إلا أن يكون وعاءً للمعرفة يقرأ ويُفكّر ويُبدع. والفرق بين عقل يقرأ بحرية وآخر يقرأ بتوجيه، كالفرق بين من يتجول في سوق عتيق مليء بالسلع يكتشف ما لم يبحث عنه، ومن يدخله بقائمة لا يحيد عنها. كثير ممن يهتمون بالكتاب ويُقدّمون مختاراتهم عبر وسائل التواصل يمارسون فعلًا إيجابيًا، غير أنها في نهاية المطاف تعبّر عن ذوقهم الخاص، ولا ننسَ أنهم يستفيدون من عرض تلك الكتب متابعةً وجماهرية، وربما اكتفى بعضهم بحديث عابر عن كتاب ربما لم يقرأ منه أكثر من ملخص الغلاف. حين تكون من محبي القراءة، فليس أجمل من أن تجد نفسك في مكتبة عامرة بالكتب تتأمل العناوين وتقرأ الأغلفة والمقدمات، بعيدًا عن أي تأثير. حينها ستكتشف أن ثمة كتبًا رائعة وأصحاب خبرات ليسوا مشهورين ولم يتحدث عنهم أحد، لكن كتاباتهم صادقة وملهمة، ويكفيك لذةً ما تعيشه معها حين تعثر على عبارات وأفكار مفعمة بالجمال. تلك لحظة لا تمنحك إياها خوارزمية، ولا يصنعها أحد نيابةً عنك.