في التاسع من أبريل عام 2026، أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية عن فوز رواية “أغالب مجرى النهر” للكاتب الجزائري سعيد خطيبي بلقب دورتها التاسعة عشرة. هذا التتويج حمل اعترافاً بنضج تجربة روائية استطاعت تحويل الراهن إلى تاريخ حي، والنبش في المسكوت عنه من تاريخ الجزائر المعاصر بأدوات فنية صارمة، بلغة تترفع عن الخطابة المباشرة. الرواية الصادرة عن دار هاشيت أنطوان/نوفل عام 2025، أكدت مكانة خطيبي كأحد أبرز الأصوات الروائية الع.بية المشتغلة على ثنائية التاريخ والذاكرة، بعد وصوله للقائمة القصيرة بـ”حطب سراييفو” وفوزه بجائزة الشيخ زايد عن “نهاية الصحراء”. يقدم هذا النص تجاوزاً للحكاية البوليسية ليصبح تحقيقاً أنطولوجياً في الكينونة الجزائرية عشية تحولاتها الكبرى، متناولا إرهاصات ما حدث في الجزائر قبيل العشرية السوداء من خلال قصتين متوازيتين لطبيبة ووالدها المقاتل السابق في الثورة. يمثل عنوان الرواية مفتاحاً تأويلياً أساسياً لفهم النص، حيث يأتي المجرى كاستعارة لحتمية التاريخ والتيارات الجارفة التي تكتسح الأفراد والمجتمعات. أما فعل المغالبة فيجسد المقاومة الفردية، تلك المحاولة اليائسة والنبيلة في آن واحد لاستعادة المعنى من وسط الركام. اعتمد الكاتب علي بنية سردية معقدة تقوم على التوازي والاسترجاع، حيث يربط بين حدثين متباعدين ظاهرياً ليكشف عن ترابطهما العميق في تشكيل الذاكرة الوطنية الجزائرية. المسار الأول يخص رحلة الطبيبة عقيلة تومي، التي تجد نفسها مشتبهاً بها في جريمة قتل زوجها، فتتحول غرف التحقيق إلى مرآة لحياتها الكاملة، كاشفة عن تفاصيل زواج قام على الخوف والعنف المنزلي الصامت. أما المسار الثاني فيروي قصة المناضلين القدامى، بمن فيهم والد عقيلة، الذين يسعون لتبرئة أنفسهم من تهمة العمالة التي لُفقت لهم منذ عهد الثورة، مما يعكس صراعات الهوية والانتماء في الجزائر ما بعد الاستقلال. يبدأ النص بملامح رواية جريمة؛ مشرحة، عيادة، وغرفة تحقيق. لكن خطيبي يستخدم هذا القالب لإغراء القارئ بالدخول، ثم يفكك هذا القالب سريعاً ليتحول البحث من سؤال “من القاتل” إلى سؤال “ما الذي قتلنا جميعاً”. التحقيق يهدف إلى تعرية الأنساق المضمرة التي تحرك المجتمع الجزائري، وكشف الخراب الجواني الذي سبق العشرية السوداء. الرواية تفكك المسار الذي أوصل امرأة عادية إلى موقع الاتهام، وتعرية شبكة العلاقات الاجتماعية والمؤسسية التي تجعل البراءة نفسها موضع شك. يبرع الكاتب في استخدام جماليات الصمت، فالحقيقة في الرواية غالباً ما تكمن فيما تقوله المحاضر الرسمية، وفي الفراغات التي تتركها الشخصيات في اعترافاتها. هذا الصمت يعكس طبيعة المجتمعات التي ترزح تحت وطأة الخوف، حيث تصبح اللغة أداة للتمويه أكثر منها أداة للكشف. يستخدم خطيبي الوثيقة داخل النص الروائي ببراعة، فالمحاضر والتواريخ مثل التاسع من يونيو عام 1990، والرسائل، ليست زينة سردية، إنما هي أدوات حفر تهدف إلى مساءلة الأرشيف الرسمي. تقترح الرواية تاريخاً موازياً يكتبه المهمشون والنساء والضحايا، في مواجهة مجرى التاريخ الذي يكتبه المنتصرون أو القتلة. وتصبح مغالبة النهر في جوهرها محاولة لإنقاذ الذاكرة الفردية من الذوبان في الذاكرة الجمعية المفروضة قسراً. تتحرك الشخصيات في فضاء مشبع بالشك والريبة، وهي شخصيات ما بعد كولونيالية بامتياز، تعيش تمزقاً بين لغة المستعمر القديم التي تدير بها حياتها الرسمية، وبين خطاب هوياتي منغلق في حياتها اليومية. هذا التناقض يعبر عن الشخصية المأزومة، حيث تفشل الدولة الوطنية في خلق هوية متجانسة، فتصبح السيادة مجرد قشرة خارجية بينما يظل الداخل ممتلئاً بأشباح الآخر. اختيار البطلة كطبيبة عيون يحمل دلالة رمزية عميقة، فالعين هي أداة المعرفة والاعتراف. عقيلة التي تعالج بصر الآخرين، تجد نفسها تحت نظرات التفتيش القاسية، فيتحول جسدها في زنزانة التحقيق إلى أرشيف حي تتراكم فيه آثار الإذلال والانتظار والقلق الصامت. يمثل مخلوف تومي، زوج عقيلة، الجانب المظلم من المؤسسة. فهو طبيب شرعي يتاجر بقرنيات الموتى، مما يرمز إلى انتهاك حرمة الإنسان حتى بعد موته، وتواطؤ العلم مع الجريمة في ظل غياب الرقابة الأخلاقية والقانونية. علاقته بعقيلة قامت على الخوف أكثر مما قامت على المودة، وثمة عنف منزلي صامت وأمومة مثقلة بالقلق. أما عزوز، الأب، فيمثل جيل الثورة الذي بنى الدولة ولكنه فشل في حماية أبنائه. الجملة المركزية في الرواية التي وجهها لإدريس: “كان يمكن أن تصير ابني”، تختزل الفجوة الهائلة بين جيلين؛ جيل التحرير وجيل العشرية السوداء الذي شعر بالاغتراب داخل وطنه. هذا الانقطاع الثقافي بين الأجيال هو النهر الحقيقي الذي جرف معه أحلام الدولة الوطنية، وترك الشخصيات في حالة مغالبة أبدية لتيار لا يرحم. يظهر الآخر في هذا النص باعتباره كياناً ممزقًا؛ فهو تارة الآخر الكولونيالي الذي ترك لغته وبيروقراطيته كأدوات قمع لا تزال تعمل، وتارة هو الآخر الأيديولوجي الذي نبت في الداخل كعدو حميم يهدد بنسف السلم الأهلي. الرواية تشرح كيف يتسلل الخوف إلى اللغة والجسد والعمارة، وكيف يتحول إلى نسق ثقافي يمهد للانفجار الكبير المتمثل في العشرية السوداء. الخوف في هذه الرواية هو بطل صامت، يحرك الخيوط من خلف الستار، ويجعل من البحث عن الحقيقة رحلة ضياع وسط غيوم العاصفة القادمة. المكان في الرواية هو تعبير عن تمزق الأنا بين الهامش والمركز. انتقال السرد بين بوسعادة والعاصمة يكشف عن عملية ترييف المدينة واجتياح القيم الراديكالية للفضاءات المدنية التي كانت يوماً ما واحات للتعددية. وبهذا المعنى فإن النهر الذي يغالبه الأبطال هو أيضاً نهر التحولات الديموغرافية التي أعادت صياغة الشخصية الجزائرية وفق أنساق هجينة، تجمع بين الحداثة المجهضة والسمات التقليدية المستعيدة لقوتها. تنفتح الرواية على تفاصيل الحياة الزوجية والعائلية، مظهرة العنف المنزلي والصمت والتواطؤ اليومي بوصفها امتدادات لمنطق أوسع ،وليس كحالات فردية معزولة. علاقة عقيلة بزوجها مخلوف، التي قامت على الخوف، تكشف عن أزمة أعمق في بنية المجتمع، حيث تتداخل السلطة العامة مع السلطة الخاصة، وتصبح المرأة ضحية لذكورية المجتمع وجمود الجماعة. تسائل الرواية الهوية الجزائرية عشية تحولاتها الكبرى في مطلع التسعينيات، وهي الفترة التي وسمت بالعشرية السوداء. يشرع خطيبي في روايته بتأثيث فضاء سردي لا يكتفي بتذكيرنا بشبح العشرية كحدث تاريخي، ويتخذ منها مختبراً ثقافياً لفهم كيفية تشكل الهوية في لحظات الانكسار. تستشرف الرواية بذكاء لحظة الانفجار في التسعينيات، فمن خلال الحوارات والمواقف الضمنية، يكشف خطيبي عن الخراب الجواني الذي سبق العشرية السوداء. تتميز لغة سعيد خطيبي في هذا العمل بصرامة فنية لافتة، فعباراته غالباً ما تكون متوسطة الطول، محكمة البناء، وتخلو من الزخرفة اللغوية الزائدة التي قد تشتت القارئ عن التوتر الدرامي للحدث. يمزج الكاتب بين اللغة الوثائقية المتمثلة في المحاضر والتواريخ والرسائل، وبين اللغة الشعرية المظلمة التي ترثي المهمشين وتكشف عن الخراب الجواني للنفس البشرية. هذا التوازن يمنح الرواية طابعاً مزدوجاً، فهي تقرأ كاعتراف داخلي طويل، وكذلك كملف سردي يفضح هشاشة العدالة حين تدار بمنطق الاشتباه الدائم. تمنح الصرامة الوثائقية النص صدقية تاريخية وتوحي بالقالب البوليسي الإداري، مما يعزز واقعية الأحداث. يعمل التكثيف الدرامي على تسريع وتيرة السرد في غرف التحقيق ويبقي القارئ في حالة ترقب، مما يخلق جواً من التشويق. أما الرمزية العميقة فتحول الأدوات البسيطة مثل المشرط والعين والنهر إلى مفاهيم وجودية، مما يثري المعنى ويضيف أبعاداً فلسفية. اللغة المقتصدة تجنب الإطناب والزخرفة اللغوية، مما يركز على جوهر الفكرة ويعمق الأثر النفسي، بينما يستخدم التناص التاريخي إشارات تاريخية محددة لربط السرد بالواقع الجزائري المعاصر. يعكس أسلوب خطيبي وعياً عميقاً بضرورة تجاوز السرد التقليدي، نحو بناء نص متعدد الطبقات، يجمع بين المتعة السردية والعمق الفكري، فاللغة هنا هي جزء أساسي من بنية الرواية ودلالاتها. أشادت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية برئاسة الناقد التونسي محمد القاضي بقدرة الرواية على مغالبة مجرى التاريخ بسلاسة فنية عالية. استند قرار اللجنة إلى عدة معايير نقدية تؤكد تميز الرواية وعمقها الفني والفكري. نجحت الرواية في تحليل الإرهاصات التي سبقت العشرية السوداء في الجزائر بذكاء حاد، مقدمة قراءة نقدية للتاريخ. لم تقع الرواية في فخ المباشرة السياسية، بل ظلت وفية لأدوات الأدب وحده في مساءلة الواقع، مما منحها بعداً فنياً رفيعاً. قدم خطيبي دراسة أنثروبولوجية وروائية لعلل الهوية الجزائرية المعاصرة، كاشفاً عن تناقضاتها وصراعاتها. وصفت حيثيات لجنة التحكيم الرواية بأنها انتصرت للنص الجمالي في معالجتها لقضايا معقدة، مما يؤكد قيمتها الأدبية. تناولت الرواية قضايا حساسة ومسكوتاً عنها في المجتمع الجزائري، مثل العنف المنزلي وتجارة الأعضاء، بجرأة وموضوعية، وأظهرت بناءً سردياً متماسكاً ومعقداً، يربط بين الأحداث والشخصيات ببراعة، مما يحافظ على تشويق القارئ. اختارت لجنة التحكيم الرواية الفائزة من بين مئة وسبع وثلاثين رواية ترشحت للجائزة لهذه الدورة، باعتبارها أفضل عمل روائي استوفى المعايير الفنية والفكرية. هذا الفوز يؤكد أهمية الرواية كوثيقة تاريخية وفنية تعكس الواقع العربي المعاصر. تقدم “أغالب مجرى النهر” رواية ناضجة، تتجنب الخطابة وتبتعد عن الإدانة المباشرة، وتنجح في تحويل تجربة فردية إلى سؤال ثقافي واسع حول الجسد والسلطة والمعنى. إنها إضافة لافتة إلى السرد العربي المعاصر، وتؤكد أن الرواية قادرة، حين تكتب بوعي فني صارم، على مساءلة الواقع من داخله، وبأدوات الأدب وحده.