رواية «ربيع الإمام» لـمحمّد بن سيف الرحبي..
قراءة في موجهات شخصيّة الإمام النفسيّة والتاريخيّة.
عندما تستقرئ الرواية الثيمات التاريخيّة تضع نفسها في سياقات مختلفة عن المتناول الفنّي المرتبط بإدارة الحدث بأساليب ترتبط بثقافة الكاتب ووعيه بأدواته الفنيّة، إضافة إلى فاعليّتها الإنسانيّة في إعادة تشكيل نماذج من التجارب البشرية في أشكال مختلفة، إنها روح الاستمراريّة كما يقول ميلان كونديرا؛ فروح عصرنا موجّهة إلى الراهن الذي يزيح الماضي ويختزل الزّمن في الثانية الحاضرة، ولكنه كما يقول كذلك تنكبّ على لغز الأنا، ومن هذه الأنا تخرج الرواية إلى أزمنتها المختلفة دون قيود، فالأنا ليست اليوم فقط، وليست هي ذاتها فقط؛ إنها عودة الذات إلى الذوات في تجارب الماضي؛ واستشرافها المستقبل، يبقى أنّ ملامسة التاريخ يتطلب حسّا فنيّا يتعامل مع الحدث بحذر؛ إذ من الممكن ــ كما يقول نضال الشمالي ــ أن ينساق الكاتب خلف التاريخيّ فيصير مؤرّخا لقضايا الحقبة. محمّد سيف الرّحبي يغيّر مساره في أعماله باستدعاء نفسيّ لشخصيّة تاريخيّة عمانيّة معروفة بدورها العلمي والسّياسيّ، واستثمر الموجهات النفسيّة والتاريخيّة في تشكيل شخصيّة الإمام السّالميّ، فالموجهات التقت في بناء ذات انطلقت من حلم الخروج إلى المكان الآخر؛ وبالتالي خلق العمل فكرة التغيير من بناء حلم السّالميّ الذي تتطوّر من فكرة فقهية ثم اجتماعيّة ثم إصلاحيّة ثم سياسيّة، وكما يقول الكاتب : “ تجتهد الرواية في السير بين الواقعيّ والمتخيّل، فالأحداث التاريخيّة والأسماء حقيقيّة “ص6، وفنيّة الرواية التاريخيّة هي أن ينجح الكاتب في مجاورة هذه الأحداث وحركة الشخوص خلالها ومواقفها وتحولاتها وردّات فعلها تجاها التغييرات التي عاصرتها. بدأ الكاتب باللوحة الأخيرة لأنها هي مدار تحقيق الحلم وما سبقها من جهود، وقد أسهم ذلك في رسم صورة للشخصيّة التي يستقرئ الكاتب المتخيّل بتساؤلات التأثير والتّأثر. “ يمتثلون أقوال شيخهم وإمامهم، خطرات الأعين تتلفّت ذات اليمين وذات الشّمال، لكنها موغلة بين حين وآخر تصوّب عيون قلوبها نحو ناقة منها، يمتطيها شيخ أربعينيّ ضرير، قبلة عمان الداخل، وعين السّاحل ترصد مساره ومسيرته، كما هي أعين الإنجليز تترقَّبُ خطواته بسؤال : ما الذي يوقف هذا الرجل؟! “ص9. القيادة، الطموح، المكانة، التأثير، الأعداء وموقفهم.. كلها نتائج الموجهات التي رسم بها الكاتب هذه الشخصيّة؛ لتكمل الرواية مسارها بالعودة إلى تطوّر هذه الموجهات؛ لتخرج لنا هذه الشخصيّة التي جعل أعداءه يتسألون من الذي يوقفها عن هدفها الذي يقف ضد مصالحهم بإبقاء هذه الأمة متفرّقة. “ عمائم بيض تحملها رؤوس مثقلة بحمل الأيّام، فالطرقات شائكة، والمصائب جمّة، والحلم المتحقّق بعودة دولة الإمامة بحاجة إلى موحّد للصّفوف “ص10 إنها شخصيّة تنظر إلى المختلف الذي يحقق المصلحة العامة، ولهذا كبر حلمه من مسائل فقهيّة إلى مسائل حلم وطن، هذا التشكيل النفسيّ يضطرم في ذات السّالميّ رافضا السير على طريق لا يرى فيه حقيقة. “ وشيخنا أبو محمّد لا ينقاد إلى المأثور بل يميط اللثام عن حقيقته”ص17. هذا موجه أساسيّ في رؤية مختلفة خارج المكرّر، فما هو المأثور أمام ما يلامسه السّالمي في المُعاش، ولهذا فاستعادات العمل الروائيّ قائمة على توظيف هذه الموجهات، وتبدأ من ضعف البصر الذي تدرّج إلى اختفاء الحاسّة الملموسة؛ البصر واتّقاد البصيرة. “ طفلان يسيران معا، يتحسّسان دروب الحوقين، يتبعان والدهما حميد بن سلوم، يسعى لتعويضهما عن فقد الأم “ص25.. اليتم والحاجة إلى دفء الأم وأثر مرض ( التّراخوما ) على رؤيتهما. هذا الضعف يتحول باستعدادات شخصيّة صعبة إلى قوة وهمة لا يمتلكها المبصرون، ويقدّم المكان ملموسا مختلفا للتّحدي؛ حيث الانتقال بالفكرة إلى فضاء يحتملها، وظروف سياسيّة صعبة؛ “ تعيش على مرجَل من الفتنة منذ عام 1135ه( 1723 م )، حين ولد أغرب انقسام ... “ص28. ومن كلّ هذا ترتحل الموجهات بصبيّ يتتبّع العمل الفنّيُّ تراكمات معرفيّة بإصرار ذات تُصنع لأمر مستقبليّ، يوظّف الكاتب اختزال التحولات الزمنيّة في بناء موجهات الشخصيّة الطامحة بهدوء الرؤى التي لم تصرّح بها في تسلسل التّحولات العلميّة؛ حيث تستثمر فنيّة العمل الأدبيّ عند الكاتب الأخبار التاريخيّة التي نقلتها المصادر المختلفة لتمزجها بذكاء التّماس مع التاريخيّ ببناء مراحل انتقال وتضايف وصفيّ وسرديّ، وأكثر ما يخفّف وطأة التّاريخيّ باعتباره حقيقية صارت مسلّمة حاضرة؛ امتزاج المكان بملامحه وتأثيره بالذات العالقة في صراع شاسع المعنى ضئيل التّأويل. “ الفتى عبدالله ينصت لما يدور من أحاديث بين مشايخه ... “ص55 وتبدأ الموجهات تتراكم بمعنى البحث عن المفقود “ يطفو حديث السياسة على طلب العلم لبرهات من الوقت ... “ص58 يصارع ذلك شيء آخر يتعلّق بذات الإمام؛ حيث المعنى الذي يلتقي بالملموس ونداء التحوّل إلى فكرة مختلفة. “ سيبدأ رحلة أخرى، الدخول في خلوات روحيّة “ص62 المشهد الذي يقيم شخصيّة فارقة عُرفت تاريخيّا يضبط في الرواية موجهات تتشعّب بانعكاسات نفسيّة، وما روي تاريخيّا لا يعُرض الشخصيّة كما تستحقّ؛ إذ يضع العمل الفنّي متخيّلات التلقي مادة فاعلة في رسم الشخصيّة، وما دار بين السّالميّ والشيخ السّيفيّ في نزوى ينجز فتنة المتخيّل ضمن إطار التاريخيّ الذي يسوق الخبر عن التّحول عاريا من استعداد وإصرار الذات. “ كانت الأقدار تصنع غرائبيّتها، شيخ شاب، وآخر أخذ منه العمر مبلغا ... تحدّث الصّمت بينهما “ص65. هذا المكوّن النفسيّ يقع بين عالمين ينظر إليهما الكاتب من خلال شخصيّة السالمي نظرة الجمع بين ما يقيمه الشعور بالموجودات وما تعنيه الأخيرة لهذا العالم، وفي تلمّس الأمكنة العمانيّة ما يضفي على التّرحال النفسي الكثير من عمق الذات في تساؤلها شديد الحساسية؛ وكأنّ العمل الفنّي يضع النموذج شخصيّة مُنجزَة بعيدا عن الفقيه الذي شكّلها التاريخيّ عبر المرويّات، والوحدة الباطنة في أعماق الموضوع الاستطيقي بين المادة والصّورة من يجعل العمل الفني أقوى تعبير عن البعد الإنسانيّ من أبعاد الواقع؛ كما يقول زكريا إبراهيم في مشكلة الفن. ولن أن نتخيّل الشخصيّة التي تتجّه شعوريّا وفكريّا إلى هدفها الذي تشكّل بتراكم الموجهات المختلفة. “ يكاد الريامي يستعجل الشيخ بالخطو لولا أنه يدرك ما يدور أنّ ثمّة سرا في تلك اللحظة من لحظات التّجلي النورانيّة في فكر شيخه ... “ص106 ينكسر الحلم مرارا لكنّ الموجهات الوطنيّة تدفع به إلى الآمال، فوطن واحد يعني كلمة واحدة اليوم وغدا في وجه أعداء الوطن الغرباء، وهو بين ذاته ووطنه يتّصل بالخالق، يستثمر الكاتب في ذلك كشف ما لا يمكن أنْ يكون إلا جزءا من حياة بطل روايته، فالهمّ تشكيل مكثّف بين هذه الموجهات النفسيّة والتاريخيّة، يُضاف إليها فقد من يراهم وقود مشروعه الوطني في لمّ الشمل ومواجهة الفُرقة، وعلى رأسهم صالح بن علي، ويبقى الحلم شجرة تقاوم السنوات بالحلم، ورؤية وطن يجتمع شمله بكلمة، تبدأ من اهتمام السالمي بطلاب العلم وآرائه المختلفة، وسجالاتها فيه؛ وتنتهي بفكرة إرجاع الإمامة في الحكم والدفاع عن الأرض. “ تولّى الشيخ عبدالله بن حميد الدعاية الموجهة ... يصيح الشيخ السالمي في القوم ( لبيك اللهم لبيك ) ... “ص191 إن شخصيّة جدليّة مثل شخصيّة السالمي في التاريخ العماني بمواقفها ومكوّناتها الثقافيّة والوطنيّة تمنح العمل الروائي مادة فنيّة حين تنجز علائقها الفنيّة في هذه العوالم النفسيّة والواقعيّة؛ على أنْ يتم اسْتثماره يجب أنْ يكون في استقراء المخفيّ بالملموس الواقعيّ الذي قدّم للتغّير التاريخيّ صورة مؤثرة؛ فتأتي الشخصيّة الروائيّة ــ وإنْ لم يعتمد على هذا الاستقراء قارئ منحاز لأيديولجيا موروثة ــ شكلا آخر للملموس الفكري والنفسيّ تعبّر عن المجهول فيها؛ لكنه تقع في عالم الفعليّ الذي يُنصف القارئ الذي يؤمن بعالم آخر للفن خارج التّاريخي، وهنا ـــ وعلى الرغم من حضور التاريخيّ ــ تدفعنا الرواية إلى الحياة بجوار السالمي الشخصيّة التي أخرجها الكاتب من المرويّ التاريخي إلى عوالمنا المشتركة؛ ليظهر الموجهات التي أسهمت في بناء شخصيّة ذات أبعاد مختلفة، ويأتي بموضوعيّة فنيّة البعد الإنساني في خصوصية علاقة الشخصيّة بأفراد عائلته. “ تحسّسس جدران البيت، ضاربا بعصاه عليها كأنما يتأكد من قدرتها على ضمّ أولاده بين حناياه “ص217. هذه الذات على تماس مع الغائر في عمقها ممثّلا حلمه لأجله، ( الأسرة / الوطن ) هما يوصل بينهما برؤاه الوطنيّة، وعلى الرغم من المثبّطات يصرّ ويصارع. يستحضر الكاتب المواقف التاريخيّة بشكل حاد للعلاقات المتعددة بين النّفسيّ الذي يضج به الداخلي في شخصيّة طامحة والوطني الذي يصطدم مع أوضاع فُرضت على الواقع. “ شيخ تسبقه رؤية العالم لحال الأمة .. لا تأخذه في الحقّ لومة لائم “ص256 واستطاعت الرواية أنْ تقدّم قراءة مختلفة لشخصيّة السالمي، تدور حول فكرة آمن بها ومات عليها، ومحاولة قراءة الموجهات هي استدراك معرفة الأبعاد المجهولة لما يمكن أنْ يكون مطمورا تحت ركام الروايات التاريخيّة.