قراءة في سرديات ناصر العديلي في كتابه (حكايات حب حائلية -الرقص مع النجوم)..

شذرات من سيرة الذات في طفولتها المبكرة وأساطير المكان والزمان.

تذكّرني نصوص هذا الكتاب بما سبق أن كتبه الدكتور صالح بن معيض الغامدي في إصداره (كتابة الذات- دراسات في السيرة الذاتية ) وما نشره عن “السيرة الذاتية المتشظيّة” باعتبارها نصّاً أدبيّا وليست جنساً قائماً بذاته ،” وأننا لو فعلنا ذلك فلا مفر أمامنا من إدخال معظم النصوص النثريّة التي كتبت في أدبنا القديم في نطاق السيرة الذاتية، وهذا أمر غير مقبول البتة” على حدّ تعبيره (ص30) وهو هنا يشير إلى نصوص ذات عناصر أولى، شخصيّة مبعثرة وغير مترابطة وردت في كثير من كتب التراث، في إشارة إلى ما هو منحىً سيرذاتي حقيقي، وما هو شظايا أدبيّة أو تاريخية؛ وهذا لا ينطبق على ما نحن بصدده في قراءة هذا الكتاب ، فحكاياتُه منتظمة في سياق واضح المعالم وليست مبعثرة بلا هدى ، ولها نسقها الذي بدا مؤسَّساً على رؤية ذاتيّة تُبحر في وجدان صاحبها وتلتقط إشاراتها من عمقٍ في قرارة الوعي ورهافة الوجدان، ولعل في تتبّع الدكتور أحمد بن علي آل مريع في كتابه الموسوم ب ( السيرة الذاتية – مقاربة الحد والمفهوم ) لألوان السيرة الذاتية التي شملت ( الاعترافات و الذكريات و الرسم الذاتي واليوميات والمفكرة اليومية و السير الجانبية و المذكرات المضادة / اللامذكرات ...إلخ) مشترطاً التعريف بها في كونها فعلاً لغويّاً نثريّاً سرديّاً استعاديّاً واقعياً متعلقاً بالحياة الخاصة صادقاً شموليّاً ، له امتداده الزمني (من ص53 – 104) وما جاء في عدد (علامات) الخاص بالسيرة الذاتية في الأدب العربي السعودي بجزأيه الذي احتوى على الأعمال المقدمة في ملتقى قراءة النص السنوي الذي يقيمه النادي الأدبي الثقافي بجدة، وما جاء في ورقة الدكتور عالي الدرغامي زايد على وجه الخصوص جول إشكالية النوع وال التجنيس (ص157) في العدد (65) من المجلد (17) إن ما جاء في كتاب ناصر العديلي لون جديد من ألوان كتابة السيرة الذاتية مختلف عمّا سبقت الإشارة إليه؛ فهو التقاط رهيف لبدء الكينونة (الخاصة) و تحليق في أجواء فضائها وتقرٍّ لملامحها ، إنه استبصار عميق للحياة و الوجود واستشراف وافرٌ مُستعاد بعينيّ زرقاء اليمامة وأمدائها البعيدة ، يخترق الحُجب ويستشيم البروق بلسانٍ مبين و ملكةٍ شاعرة وذاكرةٍ سردّية وصفيّة تتجاوز المحسوس و الملموس وتغوص بعيداً في فضاءات ترتاد فيها أرضاً بكراً وتعود إلى باحتها و واقعها محمّلة بما وقر في الوعي الحاضر عن الرحلة في بدايتها ؛ و ليس بوسع قارئ أن يغامر بالادّعاء أنه أحاط بها خُبراً؛ بل يمكنه أن يبشّر بالاطمئنان إلى ارتواء ذائقته وامتلاء مشاعره بما تفصح عنه الكلمات ، وتبوح به الأعماق في مُفتَتح هذه المجموعة السرديّة الذاتيّة بملامحها الشعريّة وفيضها الوافر، وقد اختار لها عنواناً فضفاضاً لا يُلزمه بوصفٍ لنوعٍ محدّدٍ من ألوان القص (حكايات حب حائلية) وآخر مُحلّقاً في أفق خياليٍّ مجازيّ ٍتنبلج منه آفاق رمزيّة بعيدة المدى وافرة المغزى (الرقص مع النجوم) من بدء الكينونة إلى بيت الطفولة، حيث يتشكّل الحسُّ الجماليُّ تشي به منظومة روحيّة طبيعيّة موشّاة بقلائد من أنغام البلابل وأهازيج الطبيعة وأضاميم فاكهةٍ وأبّا ورمانٍ ونخلاً وأساور من خضرةٍ نَضِرة، وسنابل من عطاء تغدقه أرض مباركة وتسقيه جداول من ماء شَبِمٍ قراح، تتضوّع فيه رائحة أمومة حانية، تزفُّ لوليدها مواكب من أبطالٍ و ملوكٍ و خيولٍ وسَحَرة، وتنتقل به إلى محافل أسطورية ومواكب خيالية، وسرديات تنهل من معين لا ينضب من حنان يرتع في مرابع الجنان، ثم مصدر الدعم وموئل الحنان في جميع مراحل الحياة، ومن الأم إلى العمة تلك الجوهرة في هذا العقد النظيم، خبيرة القصِّ وسيدة الحكايت ومُستَنبَت الموهبة وراعية الفن ومشيدة الصرح في عالم الإبداع، ومفتاح الولوج إلى رِحابه وعرّابة الانخراط في سبيله “تماهت قصصها مع ماكان بين شهريار وشهرزاد والتوق إلى النهايات السعيدة التي استنقذت أرواح الصبايا من فتك الوحش الرابض في أعماق الجبابرة، كانت العمة هي المنابر التي أطل منها على شرفات السرد وأفانين القص، ومن فضاء الحنان وخفقات الجنان إلى عوالم الانتماء ومرابع الصبا، إلى سحر المكان ومرابع الجنان حائل المستلقية في أحضان (أجا و سلمى) العاشقين سدنة الحب ومرابع الجمال، إلى الشعيب مستودع الوقائع و قسمات الكينونة ومطلّات الجمال ومشارف العشق وميادين الوقائع وساحات الفرسان ومرابع الشعر ومدارج الرحّالة وأسطورة الزمان، ويحلق الخيال بالكاتب فيسجل أسطورته الخاصة التي يحملنا فيها على جناح الخيال، فيطوف بنا في أرجاء الأسطورة الذي يتألق في رحابها واحد من أبطالها مع أصدقاء الطفولة (سعود ومزنة) فيأخذنا إلى مستودع الأسرار ومكامن الجمال؛ حيث نلتقي بالطائر الذهبي الصغير شاهيتن حارس أسرار (أجا و سلمى) وجوهرة الريح حافظة السلام و ملك الرمال وظل الريح السارق المختلس للجوهرة الذي هزمته الطفولة حامية الأرض. موازاة رمزية بين خيالات ألف ليلة وليلة وواقع الشعيب في (حدري البلاد) في حائل الغرّاء، ليالي الشعيب تناظر تلك السرديات العريقة وحكاياتها، إشارات خفيفة لطيفة إلى سيرة الشعيب وصباياه ولطائفه الكنونة في ذاكرة السارد ووجدانه ومن الشعيب إلى الراديو وما أحدثه من أثر في الحياة الاجتماعية في تلك المدينة العريقة وفي حياة الراوي الذي يتماهى مع الكاتب الذي راح يتأمّله ويفكر فيه ويصغي إليه، أيقونة حضارةٌ جديدةٌ وانبعاثٌ لثقافة مستكِنّةٌ في ضمير الزمن، وطواف بأرجاء الكون، وتواصلٌ مع الأنحاء الأخرى ووعيٌ جديد، وأصوات تتسلّل إلى الأذواق و الأذهان، وأسماء تستقرُّ في الذاكرة وطقوسٌ اجتماعيّة جديدة؛ فمن سميرة توفيق إلى عبده موسى، ونصوصٌ تستقرُّ في الوجدان تردّدُها الألسن وتشنّف بها الآذان، وبدت القصة تأخذ مجراها بعد أن تعرّفنا على ظروف نشأتها وتطوّرها من الشعيب حتى ولجنا إلى قواقعِها المكانيّة وحقولها المزدهرة (ضحك ولعب وحب) بدايات الصحو واستهلالات العشق (ياامّه القمر عالباب) بوابة الطفولة (لعب وغناء وبراءة) ثم تتلوها سرديّة أخرى تلمُّ شتات الأمر كلّه في استذكار لبرامج يومية اجتماعية غير مكتوبة، أفرزها وجود القادم الجدبد الذي لا يختزل العالم كله في (صندوق من خشب) معه يرتقي الذوق ويتطور الوعي من (أغاني اللهو البريء وأنغامه الشعبية الساذجة) إلى (النصوص الشعرية الراقية) و من سميرة توفيق إلى أم كلثوم ، ومن يامّه القمرعالباب إلى الأطلال (اسقني واشرب على أطلاله واروِّ عني مثلما الدمع روى) تلك سرديّة تجمع بين أطراف من سيرة ذاتٍ مُرهَفة تتهيّأ لولوج بوابة الفن والأدب وسياق ثقافة تتشكّل في منعطفٍ جديد وتنزاح فيها الستارة عن بوّابة للولوج إلى عالم تُحلّق فيه الأرواح وتُصقَل الأذواق، ومنها ينسرب السرد إلى مضايق قصيرة وتفاصيل ترتبط بعوالم الذكريات وماضي الأيام (قصة العم النجار و دوامته) وإلمامات أخرى بتضاريس تلك المرحلة المبكرة من حياة صاحب السيرة عن صيد الحجل وحكاية (جواهر) الفتاة الصغيرة وفتاها خالد ومحيطها الأخضر بين السنابل؛ حيث تبدّت أسطورةٌ رامزة لتحوّلات الطبيعة ونُضج الغِراس من الخضرة إلى الصفرة؛ فخالد روح الحصاد وجوهرة الحنطة الذهبية. ومن حياة السنبلة وتجوْهر حبوبها إلى النخلة و وتفتّح شماريخها وعذوقها الخضراء ونضج تمورها الصفراء، وإذ تتعانق الطفولة مع بواكير الثمار، وتتفاعل البراءة مع العطاء، والحكمة مع الاجتهاد، وتحديات مع روح المغامرة وفطرة الاستكشاف وحب الاستطلاع تتفتق الذاكرة عن مذخورها وتتجلّى ملكة التخيّل والإبداع في سرديّة ثلاثية الأبعاد، أبطالها آدم وعبد الله ومحمد، الأطفال الثلاثة في ملحمة الصراع مع الماء في أغوار البئر، وفي حبكة أسطوريّة رسم الراوي النموذج الذي سمعناه في حكايات الأجداد عن الكائنات الخرافيّة والخيالات المُرعبة التي تبدّد طمأنينة الوجود، فهل أراد الكاتب أن يبعث برسالة أعمق تُفلسِف الوجود البشري وتميط اللثام عن قلق الكينونة . ويمضي السارد في تقرّي ملامح المكان وتقاطع سيرته مع ساكنيه في النص الموسوم ب(الجابية) ذات الملمح الحائلي الخاص؛ حيث يتتبّع سيرة هذا المعلم مقترنة بنظيرتها البشرية (نوير) وعلاقة الطرفين الحميمة، حيث تعانق نوير ماء الجابية وتسبح فيها، وتقترن الذات الساردة بفريق السبّاحين في الجابية التي تتولى تدريبهم فيها نويّر. يتنقل الكاتب في سردياته فيطيل القوف واصفاً وراوياً، سلسلة من المواقف في بواكير الوعي وزمن الطفولة تحتشد فيها سرديّاته لتفضي بالذكريات و تتلمّس ظواهر الأشياء والأحياء، وتحتشد بالأساطير والحكايات فهناك (غار ليلى وابنتها) في مأواهما الخرافيّ وتمثاليهما الحجري وما تتناقله الألسن عنهما، وهو في كل مرة يبدو راويا مشاركاً في الأحداث، وفريق صنّاعها ويروي قصص الأمكنة؛ فمن البيت الأبيض إلى قهوة الجد إلى المزرعة إلى نموذج الجد ومواصفاته المحبوبة. وبعد هذا وذاك ينتقل في سلاسة مشهودة و تسلسل نظيم إلى مرحلة جديدة من مراحل الطفولة، حيث يتلمّس المعرفة ويتذوّق الإبداع (بلاد العرب أوطاني) ولكن دون انقطاع عن الأرض وعطائها و الطبيعة وجمالها؛ فالنخلة الشاهد و المشهود الحقيقة والخيال الرمز والواقع، فهو يقول “ النخلة هي صديقتنا الوحيدة، وهي حبيبتنا ونحن نتتبّع سيرة حياتها حتى تثمر” وفي مقابل النخل وبموازاتها تأتي الأم و العمّة والصبية والحسناء التي ترقص مع النجوم ونوير وهدلاء ومزنة وشهرزاد التي تحكي بين سنابل القمح، وفي مقابل حكايات الطفولة ورموزها تنبلج أسماء يجلّلها الغموض، مثل (فضيل)وكائناته الأسطورية وحوريّات الغابة وحشودها من الحكايات والأساطير، وتظل (حدري البلاد) مستودع الذكريات ومجمع الصوى والرموز : الأثلة الصفراء وعاشق الجنية في غابة الأشجار حيث ترتسم ملامح تلك الكائنة الخرافيّة بشعرها الحريريّ وعيونها الزرقاء؛ حيث تلتئم قصة العشق بين (صفية و عتيق) وصنيع (سحمة) ملكة الجن مُفّرقة الأحباب، وفي إطار هذه الأجواء وسحرها وغموضها تأتي قصة (بئر سماح) الأسطورية ملتقى العشّاق ومُستراح الأحباب والخلّان؛ رمز روح حائل؛ فأسطورة سماح تحمل أنفاسها و تنشر عبقها في جنبات الشعيب وتعزف سيمفونية الماء . وعلى هذه الوتيرة تمضي سرديّات العديلي مبدعاً ومؤرّخا ومتقصّياً لملامح فضاء تاريخيٍّ حائليٍّ ومتتبعاً لسيرة المكان والإنسان في ربوعه حيث تتقاطع القصة مع السيرة مع الرواية مع المذكرات في لمحات ولقطات تومض في زمن الطفولة وتؤصّل لزمن آتٍ وتتبع ملامحها في تفاعلها مع المكان والإنسان والزمان في سيمفونية واحدة وأنغام شتّى تبرز خلالها معالم وصوى: يوم الجراد والطوفان والعرضة والربابة مما يضيق المجال عن تتبعه. قصص قصيرة وشذرات من سيرة الذات في طفولتها المبكرة وتفتح براعمها وأساطير المكان والزمان ورحلة في شعاب الذاكرة وامتياح من بئر الذكريات.