حين ينسحب الإنسان.. بصمت.
في كل مجلسٍ أو نقاشٍ عابر، تتكرر مقولات غير واعية: مثل هذا الجيل كسول، وشباب اليوم ليس فيهم رجولة - أوه - يالها من أحكام اعتباطية جائرة. تُقال بكل جرأة، بل أحيانًا بِصَلَفٍ وحماقة، وكأنها تفسيرات كافية لعزوف بعض الشباب عن العمل، أو تأخرهم عن الزواج، أو انكفائهم عن الحياة الاجتماعية. وَيْحَكُم كيف تحكمون؟ إن ما نراه ظاهرًا هو في الحقيقة أكثر تعقيدًا، وأشد غموضًا مما نظن. فما يبدو كسلًا في الظاهر، قد يكون في العمق حالة نفسية متشابكة الأبعاد، لا تُفهم بسطحية، ولا تعالج باللوم، أو الضغط. إنه الانسحاب من معمعة الحياة الذي لا يُعَد ضُعفًا، بل صرخة صامتة من الداخل. فالانسحاب، حالة نفسية أعمق، وهي عبارة عن تراكمات داخلية معقدة، تتداخل فيها التجربة، والخوف، والمعنى، والتفكير. أظهرت قراءات علمية متعددة أن ما يُسمّى بـ “الانسحاب القهري” ليس ظاهرة واحدة، بل هو خليط من حالات نفسية متعددة: صراع داخلي، خوف من الفشل، أفكار سلبية، وفقدان للمعنى. بمعنى آخر، إن ما نراه سكونًا هو في الحقيقة نتيجة صَخَبٍ داخلي لا يُرى. لعل من أخطر ما يُساء فهمه هو “الانسحاب من ميدان الحياة” وفي هذه الحالة، لا يكون المنسحب غير راغب بالعمل أو في الزواج أو الاختلاط مع الآخرين، بل الحقيقة تقول غير هذا، فالمنسحب يدرك ما يجب عليه فعله، وربما يريد فعله، لكنه يعجز عن البدء. عقله يقول له: ابدأ، لكن نفسه لا تستجيب. وهنا تتحول التجربة إلى معاناة صامتة، هذا الإنسان يعيش صراعًا بين وعيه وعجزه، يتبعه شعور بالذنب، ويتلوه تأنيب مستمر للذات. وتتجلى هذه الحالة في صور متعددة: تسويف مزمن، إرهاق قبل البدء، فقدان الحافز، انشغال بأعمال ثانوية، تفكير زائد دون تنفيذ. الانسحاب من ميدان الحياة ليس نمطًا واحدًا، بل يتخذ أشكالًا متعددة، يمكن فهمها عبر عدة أنماط نفسية رئيسة هي: انسحاب يبحث عن معنى، فحين يفقد الإنسان إحساسه بالجدوى، يبدأ بالتساؤل: لماذا أعمل؟ لماذا أتزوج؟ ما القيمة؟ هو لا يعجز عن الفعل، بل لا يرى له معنى. وحين تُستنزف طاقته النفسية، تصبح أبسط القرارات عِبئًا عليه. المنسحب هنا لا يرفض الحياة، لكنه لم يعد قادرًا على حملها. كما أن هناك الخوف من المسؤولية، أو من الالتزام، مما يحفزه على اتخاذ قرار غير معلن: الأفضل ألا ابدأ. وهنا يتحول الانسحاب إلى آلية حماية. بعض الناس لا ينسحب لأنه عاجز، بل لأنه غير مقتنع بنمط الحياة المفروض عليه. يرفض القوالب الجاهزة، فيختار الانسحاب كنوع من التمرد الصامت. من أكثر الأخطاء شيوعًا، التعامل مع هذه الحالات بأوامر مباشرة: اعمل، تزوج، اختلط بالناس. وكأن المشكلة قرار يمكن تفعيله بكلمة واحدة. لكن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في القرار، بل في الدافع. فحين يغيب المعنى، لا يكفي أن نأمر بالفعل، وحين يسيطر الخوف، لا يكفي أن ندعو للمواجهة، وحين يُسْتَنْزَف الإنسان، لا يمكن دفعه بالقوة إلى الأمام. بل إن الضغط قد يزيد من الانسحاب، لأنه يُعمِّق الشعور بالعجز. المشكلة هنا ليست فردية، بل هي مسؤولية مجتمعية أوسع. فنحن بحاجة إلى خلق بيئات عمل مرنة تستوعب اختلاف المسارات، كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية مطالبة بإعادة صياغة مفهوم واقعي للنجاح، بعيدًا عن القوالب المثالية التي تخلق فجوة بين الواقع والتوقع. ومن المثير للاستغراب أننا نمعن في توسيع شقة الانسحاب، حين نعتبر الانسحاب عيبًا، ونستبعد المنسحب من فرص العمل لو قرر العودة إليه. وهنا أتمنى على “وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية” تحفيز قطاع الأعمال على استيعاب “المنسحبين” هذا من جهة، ومن جهة أخرى لنكف عن توجيه الأسئلة للشباب والشابات: أين تعمل؟ أو لماذا لا تعمل؟ إلا إذا كان هناك استعدادٌ لتقديم الحل. ليس كل من تأخر مُتَخَلِّف، وليس كل من انسحب مُنهَزِم. فبعض المنسحبين مُتْعَب، وبعضهم خائف، وبعض يبحث عن معنى، والبعض الآخر لم يجد ما يستحق – في نظره - أن يتقدم من أجله. وحري بنا ألا نلهب ظهور هؤلاء بسياط أحكامنا المعلبة. وألا نضغط عليهم، فحل المشكلة ليس بضغطة زر. إنهم ليسوا كسالى، بل منسحبون. لماذا؟ المطالب بالإجابة نحن وليس هم. لذلك وقبل أن نتهمهم بالكسل أو الجُبْن، أو نُمعن بالتغذية السلبية الراجعة، دعونا نتوقف لحظة واحدة، ونتساءل: ماذا لو كان هؤلاء أبرياء؟ ولم يجدوا من يفهمهم. إنهم المنسحبون بصمت. ولا ينقصهم إلا وعينا بأحوالهم.