في دراسة تاريخية للدكتورة سحر بنت علي دعدع..
أغوات الحرمين الشريفين.. لا يلبسون الخاتم والساعة ولا يحضرون الحفلات العامة.
لم تعد طائفة الأغوات مألوفة عند الأجيال الشابة، لأنها في طريقها للانقراض بينما كانت مألوفة للحجاج والمعتمرين والزوار عند الأجيال السابقة، وهي الطائفة التي كانت قائمة على خدمة الحرمين الشريفين بكل أشكالها. ولذا فإن الكاتبة أنجزت بحثا مهما عنهم، معززا بالوثائق التي حصلت عليها من إدارات الأوقاف في مكة والمدينة، ومن دارة الملك عبد العزيز، وحاولت الالتقاء بمن بقي من الأغوات إلا أنها لم توفق إلا في الالتقاء مع أحد أغوات مكة وتسجيل مكالمة صوتية مع رئيس أغوات المدينة المنورة. لفظة آغا لفظة أعجمية سائدة في اللغات التركية والكردية والفارسية، ولعل البعض ما زال يستمع إليها من خلال المسلسلات التركية، وتعني الرئيس أو الشيخ أو الأخ الأكبر، ولكنها للمفارقة تطلق على خصيان القصر، وهؤلاء رجال يخصصون لخدمة الحريم، إذ يتم إجراء جراحة تُستأصل فيها خصياتهم، فيعجزون عن ممارسة الجنس، ويتحررون إلى حد كبير من الهرمونات التي تثير فيهم الغريزة، ولعل هذه الممارسة كانت مألوفة في شعوب كثير من مناطق العالم، واحتفظت بها بعض الشعوب حين أسلمت، وقد قام الإيطاليون بهذه الممارسة ضد ذكور الحبشة إبان الاستعمار الإيطالي، وكانت هذه الممارسة تزداد خلال الحروب الأهلية بين قبائل الحبشة رغم أن هذه الممارسة منهيٌ عنها شرعا، فقد استشار أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستخصاء حتى يتفرغ للعبادة والجهاد فنهاه رسول الله عن ذلك، ولكن بعض البلاد الأفريقية مارست ذلك من باب التقرب إلى الله بتأهيل أبنائهم لخدمة الحرمين الشريفين، إذ يصبح من يختصي بها من أعيان الناس، لأنها وظيفة شريفة، وإن كانت لا تستدعي تشويه الخلقة البشرية. وقد أصدر الشيخ عبدالعزيز بن باز فتوى بتحريمها عام ١٣٧٩ للهجرة، وذلك بعد أن سمع من بعض الأغوات أن آباءهم يخصونهم وينُذُرونهم لخدمة الحرمين. وهكذا أصبحت مهنة الأغوات -بحمد الله - في طريق الزوال، إذ لا جريمة تعدل أن تحرم أحدا لأنه طفل أو مُستعبد من قدرة جسدية أنعم الله بها عليه، وأرشده إلى الاستعمال المباح لها. يقال إن نور الدين زنكي كان أول من رتب وظيفة الأغوات لبيتي الله الحرام، وكذلك صلاح الدين الأيوبي، وفي العصر العثماني كان أغوات الحرم يُختارون ممن خدموا في السرايا السلطانية مع حريم السلطان، وكان مرجع أغوات الحرم المكي ورئيسهم يسمى شيخ الحرم، ومنهم من يُسمى نائب شيخ الحرم والخازندار أي أمين الصندوق وهو عادة من الأغوات الذين يمنحهم الباب العالي رتبة عسكرية، وخلال العصر المملوكي كان يُختار منهم من يُسمى “شيخ الأغوات “. يدل ذلك على أن وظائف الأغوات كانت منظمة تنظيما محكما يؤدي إلى حسن إنجاز المهام التي توكل إليهم، وقد وُضعت لهم أنظمةٌ إدارية منذ أيام السلطان سليمان القانوني ونظرا لأهمية عملهم فقد أصبح سلاطين المسلمين من بلاد المغرب والسودان يهدون منهم للحرمين، بعد أن يتأكدوا أنهم قد حازوا من المهارات ما يؤهلهم لهذا العمل، وكان من بين المؤهلات المطلوبة حفظ القرآن الكريم، وإن لم يصبح ملزما في العصور المتأخرة. وفي العهد السعودي صدر مرسوم ملكي عام ١٩٢٧م ونصه “ فبخصوص أغوات الحرم المكي فهم بأمورهم الخاصة على ما كانوا عليه، ولا يحق لأحد أن يعترض عليهم أو يتدخل في شؤونهم “. وكان من مهامهم حراسة الحرم، وتنظيفه وتبخيره بالعطور، وإضاءته بالشمعدانات وبالسُرج وتغيير كسوة الكعبة وكسوة الحجرة الشريفة وما يشبه ذلك من أعمال. كان للأغوات ملابس تميزهم عن الناس وتوضح مراتبهم الوظيفية، وقد وصفهم الرحالة ابن جبير بأنهم: “ظراف الهيئات، نظاف الملابس والشارات”، وقد وصف الرحالة ايركهات ملابسهم بأنها من الأكثر بهاء والأغلى ثمنا، تصنع من أفضل القماش الهندي، إضافة إلى الشالات الكشميرية الجميلة. ومن نظامهم في الزي أن أحدهم لا يلبس ثوبا أزرار رقبته مفتوحة، ولا يلبسون الساعة ولا الخاتم ولا يمسكون بالشمسية، ومن احترامهم لأنفسهم أن يمتنعوا عن حضور الحفلات العامة ولا يرتادون المقاهي ولا مجالس الطرب ، وكان الناس يحترمونهم فيخاطبونهم بلفظ “سيدي” أو “سعادتكم”، وذكر الرحالة أوركهارت أن طوسون باشا ابن محمد علي باشا كان يقبل يد شيخ الحرم، وكان شيخ الأغوات يُدعى لحضور اجتماعات إدارة المدينتين التي يحضرها الوالي والمفتون والأعيان. وقد رتبت لهم الدول رواتب وكانت رواتبهم تُحَصل من أوقاف الحرمين الشريفين، وكان لهم نصيب من الصرة التي ترسل من السلطان العثماني أو أحد ولاته، وكذلك كانت لهم أنصبة محددة من الحنطة التي ترسل لسكان الحرمين. وفي العهد السعودي كانت لهم رواتب ضمن موظفي الدولة. وقد أُوقفت لهم الكثير من الأوقاف في المدينتين المقدستين وفي أماكن أخرى من العالم الإسلامي مثلا في الطائف وجدة ومصر وبلاد الشام، وتضمن الكتاب قوائم للأوقاف الخاصة بهم في مكة والمدينة، وبعضها تحول إلى أسهم في مشروع جبل عمر، كما ذُكر أنهم في أول العصر السعودي انتدبوا أحدهم لتحصيل موارد أوقافهم الكائنة في الإحساء وفي البصرة. ولذا فإنهم اتجهوا إلى دعم الأعمال الخيرية مثل الأربطة والمدارس، وقد أوردت المؤلفة صفحات عن أعمال الخير التي دعموها وهي كثيرة. كما كانت ترد إليهم هدايا من العالم الإسلامي واشتهر منها هدايا الملك فهد بن عبدالعزيز، وهدايا والدة الملك الحسن الثاني ملك المغرب. كما مُنحت لبعضهم أوسمة رفيعة المستوى في العهد العثماني. وفي العهد السعودي تم منحهم الجنسية السعودية. وقد روي شيخ أغوات المسجد النبوي أن ملك المغرب الحسن الثاني دعاه إلى الفندق الذي يقيم فيه وأكرمه وسمع روايته عن تاريخ الأغوات، و دعاه لزيارة المغرب حيث استضافه في القصر الملكي، وكذلك دعاه نواز شريف لزيارته في باكستان. بعض الرحالة الأجانب وصفوهم بصفات سيئة ولكن معظم الرحالة المسلمين تحدثوا عنهم باحترام وإعجاب، وأظن أن ذلك نظرا لأن معظم الرحالة الأوروبيين كانوا من المتسللين أو مدعي الاسلام، ولهذا كانوا يخشون أن يتم اكتشافهم وطردهم على أيدي الأغوات، فذلك من مهامهم. ولم تخل صفحتهم من بعض الاضطرابات بينهم وبين باقي موظفي الدول التي كانت تدير الحرمين، ولكنها كانت أشياء محدودة لم تعكر صفاء صفحاتهم. وهكذا طويت صفحةٌ مؤلمة من معاناة بعض البشر، لكنهم وجدوا في الدنيا مكافآت جزيلة.