منهج الترقّي!
يطرح البلاغيون، في دراساتهم، أن البلاغة تساعد على فهم القرآن وتدبّره، ويذهبون بالطلاب في قاعات الدرس إلى علاقة البلاغة بالبيان القرآني، فيحشدونهم بهذا الشعور؛ حتى ينشأ طلاب يرغبون في أن تكون موضوعاتهم في البلاغة القرآنية، مع أن هذا المستوى من التلقي يحتاج إلى علماء، فإذا اتجه هؤلاء الطلاب إلى هذا النوع من الكتابة لم يأتوا بجديد، وأفسدوا أكثر مما أصلحوا في الدرس البلاغي الذي كان ينبغي أن ينصرفوا فيه إلى موضوعات تصنع لديهم العقل العلمي وتعزز رسوخهم في ميدان البحث البلاغي، وهو ميدان فسيح لا يقتصر على تحليل البيان القرآني بأدوات لا تكتشف كلياته ولا توغل في لطائفه وأسراره في نسق منظّم من الأفكار. وفي هذا السياق أحمّل الأساتذة مسؤولية هذا الطرح أكثر مما أحمّله الطلاب، كما أحمّله لجان الدراسات العليا التي تسمح بمثل هذه الموضوعات بحجة ربط الطلاب بالبيان القرآني، أو خدمة الدرس البلاغي، والحقيقة أن هذه الخدمة لا تقدّم شيئا غير التقليد والاجترار. أقول هذا بعد تجربة خضتها تبيّن لي من خلالها أن اختيار البلاغة القرآنية لا يقوم على الترقّي في التلقّي كما يفترض، إذ لو كان كذلك لأثمر الدرس البلاغي وأنتج أكله أضعافا، لكن الذي يحدث هو أن هذا الاختيار قائم على ما يمكن تسميته بطوق النجاة من شح الموضوعات والأفكار البحثية. إن الترقّي في دراسة البيان تقتضي أن نبدأ بالشعر، كما هو منهج عبد القاهر، فإذا أحكم الدارس لغة الشعر انتقل بعد ذلك إلى البيان النبوي، ومنه إلى البيان القرآني، وقبل ذلك كله لابد أن تكون لديه ذائقة عالية في تلقّي النصوص النثرية لتكون هي العتبة الأولى لمدارسة البيان وممارسته سواء في أفق البحث العلمي أو في أفق الكتابة الإبداعية.