«يمامة» كل الأجيال.

لم تكن “اليمامة” تطير بسرعة الى جازان في ذلك الزمن، كانت تصل متأخرة بعض الوقت رغم الشوق الكبير لها، وكنا نعذرها لأنها كانت تطير إلينا في أحشاء طائر أكبر غير منتظم الوصول، ولكن حين تصل يكون الاحتفاء بها حميماً لأنها استطاعت توثيق عرى المودة والثقة بينها وبين جمهور محبيها من القراء، بل استطاعت أن تكون الأثيرة لديهم عن سواها من قريناتها، وقد كنتُ من ذلك الجمهور بعد أن بدأت القراءة تظهر جليةً في نمط حياتي خلال مرحلة الدراسة الثانوية. كانت اليمامة من مفضّلات والدي رحمه الله، الذي كانت تصله كل الصحف والمجلات، وبما أنها تصل متأخرة بعض الشيء فقد كانت تشكّل لي وجبة دسمة شهية على مدى عطلة الأسبوع. ولأن والدي كان يحرص على جمع المجلات وأرشفتها فقد كان حريصاً على أن أعيدها له دون عبث بأوراقها، خصوصاً مجلة اليمامة التي يتفحصها جيداً بعد إرجاعها إليه، وعرفت لاحقاً لماذا كان ذلك الحرص، فقد كان متابعاً لكل المواد المختلفة التي تضمها، وصديقاً لبعض كتابها، ومشاركاً أحياناً بالتعليق على ما يُنشر فيها، مما هو ضمن اهتماماته. كانت اليمامة مختلفة جداً آنذاك، مجلة لا تعرف المهادنة في القضايا التي تطرحها والملفات التي تنبشها، فكرية كانت أو ثقافية أو أدبية أو اجتماعية أو متعلقة بالشأن العام والتنمية والمرافق والخدمات. يوم صدور عددها الجديد لا بد من توقع أعاصير تحرك الهواء الساكن والماء الراكد، وتفتح النوافذ والأبواب المواربة. وكانت رغم صدورها في العاصمة قادرة على أن تكون عيونها مفتوحة على كل جهات الوطن. لا أريد أن أتحدث عن الأسوار العالية التي اقتحمتها والدروب الشائكة التي سلكتها من أجل تقديم مادة صحفية تليق بالقارئ لأن كل متابع لتأريخ اليمامة يعرفها. كانت اليمامة ظاهرة اعلامية متقدمة على المحاذير النمطية لتلك الفترة، والسقف التقليدي الذي ارتضته كثير من المطبوعات، فكان لها استحقاق الصدارة والتميز. في مرحلة دراستي الجامعية في الرياض زرت مقرها مرة واحدة، كنت برفقة الأستاذ علوي طه الصافي رحمه الله، رئيس تحرير مجلة الفيصل آنذاك. لا أتذكر ما هي المناسبة ولكني تعرفت خلال الزيارة على بعض أعضاء هيئة تحريرها. وكنت أيامها حريصاً على متابعتها كما كنتُ سابقاً، بل إنني تهورت ذات مرة بإرسال بعض الخواطر على أمل نشرها، وفعلاً نُشرت، لكن العدد ضاع مع رحلة الشتات بين المدن، ولربما لعدم قناعتي بجودة وجدوى ما كتبت لم أحرص على الاحتفاظ به. لاحقاً، ولظروف وأسباب عديدة، لم تعد اليمامة تحلّق كما كانت، ولم تعد تفرد جناحيها بين يدي القراء الذين اعتادوا عليها، والذين خالجتهم مشاعر مختلطة، هل ستستمر في انطفائها المتدرج أم سوف تستعيد وهجها وحيويتها وتحلّق من جديد. كان الأسى كبيراً على ترهل مجلة عريقة وضعت بصمتها الخاصة في تأريخ الصحافة السعودية، وطال الانتظار حتى جاءت لحظتها الجديدة ووجدت من ينفخ الروح فيها من جديد، وفي زمن صعب، ونجحت المحاولة بامتياز لأنها كانت على أيدي فتيةٍ تشرّبوا حبها أولاً، وآمنوا بقيمتها ورمزيتها، ولأنهم يملكون الخبرة والمهارة، والقدر الكبير من التحدي لتحقيق النجاح. وهكذا بدأت المرحلة الجديدة لليمامة التي نشاهدها الآن بقيادة كوكبة من المؤمنين بنجاح العمل عندما تتوفر للقائمين عليه كيمياء الانسجام والتناغم، والاتفاق على تحقيق هدف عالٍ ومتميز. وليس قولي هذا إطراءً مجانياً لأحد في اليمامة، ولا هو مجاملة أبداً، بل تسجيلاً للحقيقة دون مبالغة، وما أظن قراء اليمامة إلا متفقون معي. حسناً.. قرأتم كل ما سبق، لكني لم أقل بعد لماذا كتبت.. قلت لكم آنفاً أن والدي كان من العشاق المدنفين لليمامة، وكذلك كنت أنا. فتَرَتْ العلاقة فترةً من الزمن، ثم عادت وثيقة كما كانت، لكن المفاجأة هي اكتشافي أنني لم أعد إليها وحدي هذه المرة، بل ثمة شخص آخر بدأ يؤسس لعلاقة حب مع اليمامة دون أن أدري. لم أكن أعرف أن ابني (علي) الممسوس بكتابة القصة كان يغازل اليمامة كي تستمع الى بوحه، ولعلها تنشره على الملأ. أعرف أنه قد نشر محاولات قصصية في منتديات، وفي بعض الصحف، لكنه فاجأني بوجود نص قصصي نشرته اليمامة مؤخراً. لست في مقام الحكم على النص، ولست هنا كي أقيّمه فذلك ليس من شأني، وأيضاً لست بالذي يمارس سماجة الدعاية أو الترويج لابنه. كل الذي أعرفه ومتأكد منه أن اليمامة بمعاييرها لا تسمح بالنشر إلا لمادة تستوفي أدنى تلك المعايير على الأقل، وأدنى معاييرها ربما تكون أعلى من أعلى المعايير في غيرها. وبالتالي يمكنني أن أهنئه هذه المرة بجدية أكثر، لأن اليمامة نشرت نصه. وماذا بعد؟. لقد طافت بخيالي سحابة ذكريات حميمة منذ تلك الأيام الخوالي الى هذه اللحظة. كيف لليمامة أن تعقد صداقة مع ثلاثة أجيال، باختلاف الأزمنة واختلاف قضاياها واهتماماتها. هل أستطيع أن أقول أنها يمامة كل الأزمنة، وكل الأجيال؟. بلى، هي كذلك..