نحو فهم للعلاقة بين الماضي والهوية..

الدرعية في الذاكرة الشرفية.

هذه المقالة محاولة لمقاربة العلاقة بين الماضي والهوية في وسط الجزيرة العربية من خلال منظور الذاكرة الجماعية، بوصفها وسيطاً تفسيرياً لا يقل أهمية عن الأرشيف المكتوب. وتنطلق من فرضية مفادها أن المجتمعات لا تستعيد ماضيها كما وقع، بل كما تعيد بناءه داخل أطر ثقافية وقيمية محددة، وفق مفاهيم الذاكرة الجماعية عند Maurice Halbwachs، وفكرة “أماكن الذاكرة” عند Pierre Nora. ويمثّل تاريخ نجد مثالًا لمجتمع لا يتقدّم فيه الأرشيف على الذاكرة بقدر ما تتقدم فيه الذاكرة على الأرشيف؛ حيث لا تُستدعى الوقائع بوصفها أحداثًا ماضية فحسب، بل بوصفها عناصر مؤسسة للهوية والشرعية. فالتاريخ الشفوي في هذا السياق لا يعمل على استعادة الماضي بقدر ما يعمل على إنتاجه داخل أطر الوعي الجمعي. فالذاكرة ليست خزّاناً سلبياً للوقائع، بل جهازٌ حيّ يعيد ترتيب الماضي وفق حاجات الحاضر. ومن ثم فإن ما يروى لا يعكس دائماً ما حدث، بل ما تحتاج الجماعة إلى فهمه بوصفه ماضياً صالحاً للحياة. من هنا نشأت في الفكر التاريخي المعاصر مفاهيم مثل “ذاكرة الصدمة”، حيث تتأسس هوية الجماعة على جرحٍ قديم يُستعاد بوصفه مركز المعنى ومركز التماسك. وقد برز هذا النموذج في سياقات أوروبية ارتبطت بالحروب الكبرى والانهيارات الإمبراطورية. غير أن هذا النموذج، لا يصلح مفتاحاً تفسيرياً عاماً لفهم كل المجتمعات. في قلب الجزيرة العربية، وتحديداً في نجد، يبرز نمطٌ مغاير يمكن تسميته بـ “الذاكرة الشرفية”؛ وهي ذاكرة لا تنكر الألم، لكنها لا تجعله مركز الهوية. بل تعيد تأويله ضمن منظومة قيمية قوامها الشرف، والكرامة، والقدرة على الاحتمال. فإذا كانت “ذاكرة الصدمة” تبقي الجماعة مشدودة إلى لحظة الانكسار، فإن الذاكرة الشرفية تُعيد إدماج تلك اللحظة ضمن سردية أوسع، يكون فيها الألم اختباراً لا تعريفاً. في هذا النمط من الذاكرة، لا يُقاس الحدث بمدى قسوته، بل بمدى ما يكشفه عن القيم. فالشرف، لا الألم، هو القيمة العليا التي تُعاد عبرها قراءة الوقائع. ولهذا تميل الرواية الشفوية إلى تقليل حضور لحظات الضعف، مقابل إبراز مواقف الصبر والثبات والنجدة. ولا يعني ذلك محو الخسائر، بل إعادة ترتيبها داخل ميزان أخلاقي؛ حيث يتحول الحدث من كونه واقعة تاريخية إلى كونه امتحاناً للرجال. ومن هنا، فإن الذاكرة الشعبية لا تحتفظ بالوقائع على نحو متساوٍ، بل تنتقي ما ينسجم مع بنية الشرف بوصفها معياراً حاكماً. ويُعد سقوط الدرعية سنة 1818م/1233هـ حدثاً مفصلياً في تاريخ نجد، إذ مثّل انهياراً سياسياً وعسكرياً بالغ الأثر. غير أن هذا الحدث، في الوعي النجدي، لم يتحول إلى “صدمة مؤسسة” بالمعنى الذي تعرفه أدبيات الذاكرة الأوروبية. ففي الروايات النجدية، سواء في المدونات التاريخية أو في الذاكرة الشفوية، لا تُحفظ الدرعية بوصفها نهاية، بل بوصفها بداية مؤجلة. فقد صاغ مؤرخو نجد، مثل ابن بشر، هذا السقوط ضمن سردية دورية للدولة، حيث لا يُفهم الانهيار إلا بوصفه مرحلة في مسار الاستمرار. وفي مقابل ذلك، نجد في بعض التقارير والوثائق العثمانية والبريطانية وصفاً للحدث بوصفه نهاية حاسمة لكيان سياسي. وهنا يظهر الفرق بين الأرشيف والذاكرة: فالأول يميل إلى تثبيت الحدث، بينما تعيد الثانية إدماجه ضمن معنى متحرك. وفي صراعات القرن التاسع عشر، على شدتها وتعقيداتها، لم تُنتج الذاكرة النجدية خطاباً كارثياً عن “زمنٍ مظلم”، بل احتفظت بأسماء الفرسان، ومواقف الثبات، وقصص النجاة. حتى المجاعات والأوبئة -وهي من أقسى ما يصيب المجتمعات- لم تتحول إلى سرديات مظلومية، بل إلى قصص صبرٍ وبقاء. وهذا لا يعني غياب الألم، بل غياب تحويله إلى هوية. فالمجاعة، في هذا السياق، ليست تعريفاً للجماعة، بل اختباراً لها. ينعكس هذا البناء للذاكرة على طبيعة الخطاب السياسي. ففي المجتمعات التي تؤسس هويتها على الصدمة، تُستدعى المأساة بوصفها أداة تعبئة أو مبرراً للسلطة. أما في التجربة السعودية الحديثة، فقد تشكّل الخطاب -في جانب منه- حول مفاهيم الاستقرار، والتوحيد، والأمن، التوحيد، دون استدعاء دائم لجرح تاريخي مؤسس. ومن هنا يمكن القول إن ثمة فرقاً بين ذاكرة تُغذّي السياسة بالجرح، وأخرى تدفعها نحو تجاوز الجرح دون إنكاره. تُظهر هذه القراءة أن تطبيق النماذج التفسيرية المستمدة من التجربة الأوروبية على مجتمعات الجزيرة العربية يحتاج إلى مراجعة. فالذاكرة الشرفية تكشف عن نمط مختلف في التعامل مع الماضي، حيث لا يُستدعى الألم بوصفه مركز الهوية، بل يُعاد تأويله ضمن منظومة قيمية أوسع. وتكشف تجربة نجد عن نموذج للذاكرة لا يقوم على تثبيت الجرح، بل على تجاوزه دون محوه. فهي ذاكرة لا تُنكر الألم، لكنها ترفض أن تُقيم عليه هوية. ومن ثمّ، يصبح التاريخ في الوعي الجمعي مجالاً لإثبات الاستمرار، لا سجلاً للانكسار. وهكذا، لا يعود السؤال: ماذا حدث في الماضي؟ بل: كيف يُعاد بناء هذا الماضي ليكون صالحاً للحياة في الحاضر؟ وهنا تتجلى فرادة الذاكرة الشرفية: أنها لا تمنع الجرح من الوجود، لكنها تمنع أن يصبح وطناً. *الدوادمي