عن كتاب وعن قارئ مستعد.
(1) حللت في مقال الأسبوع الماضي حكاية تراثية قصيرة. وقد استغرب بعض الأصدقاء عنوان الكتاب الذي وجدت الحكاية فيه؛ أعني كتاب أبي إسحاق الثعلبي وعنوانه (قتلى القرآن، تحقيق الدكتور ناصر بن محمد بن عثمان المنيع، نشر مكتبة العبيكان، 2008). لكن من قرأ الكتاب يعرف أن المعنى ليس المعنى الحرفي، ولا الإشارة إلى الموت الجسدي وإن حدث، ولا إلى حادثة تاريخية بعينها، بل المراد هو أن يكون العنوان مجازا للتأثير الذي يمكن أن تُحدثه المعاني الكبرى في حياة الإنسان. لا يعني القتل في العنوان فناء الجسد، بقدر ما يعني تحوّل الإنسان حين يواجه معنى يهز كيانه الداخلي، ويغيّر نظرته إلى العالم وإلى نفسه. حين يلتقي الإنسان بفكرة كبرى، أو حين يخوض تجربة روحية فإنه لا يخرج كما دخل. هناك ما سيتغير فيه، وآخر سيتصدّع أو يسقط. قد يموت يقين قديم، وقد تنهار صورة الذات، وقد يتبدّل الموقع من العالم. هذا التحوّل الجذري للإنسان يشبه موت مرحلة من حياته وبداية أخرى. وهو ما تشير إليه كلمة القتلى بوصفها مجازا يعبّر عن المعنوي، ولا يعبر عن المادي. تشير كلمة القرآن في تركيب العنوان الإضافي إلى كتاب لا يُقرأ بوصفه كلاما بشريا، بل بوصفه كلاما إلهيا قادرا على تغيير الإنسان من الداخل. فالقرآن في الوعي الديني الإسلامي ليس مجرد كتاب يُقرأ، بل تجربة تُعاش، وهو حقيقة تُواجه الإنسان وجها لوجه، وقدرة على أن توقظ خوفه ورجاءه ودهشته، وانكساره. ومن هنا فالقرآن مجاز لكل معنى يملك قوة تحويلية تجاوز حدود المعرفة إلى التأثير في الوجود نفسه. (2) يمثل هذا العنوان أحد التقاليد البلاغية القديمة في عناوين الكتب؛ إذ تُستعمل فيها المبالغات التصويرية لتجسيد المعاني الداخلية في صورة حسية قريبة من الإدراك لاسيما سياق الوعظ الذي تميل فيه اللغة إلى نقل التجربة الداخلية إلى المحسوس. فالمعاني الروحية مثلا كالخشية والهيبة يصعب التعبير عنها بلغة تقريرية. ومن هنا اختار الثعلبي عنوانا يعبر به عن غلبة الموت ليدل على التحول الإنساني الداخلي. لا يهدف هذا النوع من العناوين إلى تضليل للقارئ، بل إلى إيقاظه. وهو يؤدي وظيفة بلاغية تتمثل في جذب انتباه القارئ إلى جو الهيبة والتعظيم؛ من دون تقديم أي معلومة، بل بخلق حالة شعورية تليق بالموضوع المطروح كالوعظ مثلا. وبهذا المعنى يصبح عنوان كتاب الثعلبي خطابا وعظيا مكثفا، يختصر الفكرة التي سيعالجها، ومفادها عظمة تأثير القرآن، وعمق استجابته في القلوب الحية، وسريعة الانفعال. تتخذ بنية العنوان اللغوية شكل تركيب إضافي (قتلى القرآن). وقد توحي قراءته الحرفية بأن اهناك أشخاصا قُتلوا بسبب القرآن أو من أجله، فيبدو العنوان كما لو أنه يشير إلى فعل جسدي، أو واقعة تاريخية. وهو فهم يحمل التركيب على معناه الحرفي، فالقتل إزهاق للروح، والقتلى يُفهمون على أنهم ضحايا حادثة مادية. غير أن هذه القراءة، وإن كانت ممكنة من الناحية اللغوية، إلا أنها قراءة ناقصة لأنها تعزل العنوان عن سياقه. فكتب الوعظ وأحوال القلوب في التراث الإسلامي لا تلتزم في الغالب بالتعبير التقريري، بل تلجأ إلى التصوير المكثف الذي ينقل المعنى من المعنوي إلى الحسي. وفي هذا السياق تستعمل كلمات كالموت والقتل للدلالة على الانكسار أو الفناء أو سقوط قوى النفس. ومن ثم فالتوقف عند معنى العنوان يحجب المعنى المقصود، ويحول الصورة البلاغية إلى خبر واقعي لم يرد الثعلبي أن يفهمها القارئ على هذا النحو. من المنظور الديني لا يشير هذا العنوان إلى الموت الجسدي، بل يشير إلى حالة من التأثر العميق بكلام الله تعالى. وهي حالة يسقط فيها القرآن تماسك النفس العادي. ويُحدث فيها انكسارا وجوديا أمام جلال الخطاب الإلهي. لذلك فالقتل مجاز يجسد غلبة الهيبة، ويعبر عن الفناء النفسي الذي يصيب الإنسان حين يواجه الحقيقة الإلهية مواجهة مباشرة وصادقة، وغير محجوبة بألفة العادات أو غفلة القلوب. (3) يتواءم هذا العنوان مع أدبيات الوعظ التي لا تنظر إلى القرآن على أنه نص معرفي، بل تراه خطابا إلهيا حيا يحمل قوة وجدانية قادرة على هز كيان الإنسان الداخلي. لذلك يكثر في هذا النوع من الكتب ذكر من سمع آية قرآنية فغلبه البكاء، أو أغمي عليه، أو اضطرب قلوبه، أو تغيرت أحواله تغييرا جذريا. تدل هذه الحالات في التصور الإسلامي على حياة القلب وشدة استجابته، ولا تدل على أنها اختلال مرضي. وفق هذا التصور؛ إذا ما واجه الإنسان جلال الحقيقة الإلهية بوعي روحي كامل، فإن بنيته النفسية معرضة للانهيار؛ لأن ما ظنه ثابتا تزعزع أمام عظمة القرآن. من هنا فقتلى القرآن هم الأشخاص الذين أثر فيهم القرآن فانهارت صلابتهم، وسقطت قواهم، وماتت فيهم الغفلة. إنهم قتلى بالمعنى الذي يجعل منهم مسحورين روحيا بجلال الخطاب الإلهي، وموت الإنسان الغافل فيهم، وولادة إنسان جديد أكثر خشية وخضوعا. ما إن تبدأ في قراءة الكتاب حتى تكتشف أنه تعبير عن تصور ديني يرى أن المواجهة المباشرة مع الحقيقة الإلهية تتجاوز حدود الاحتمال البشري، لأن الإنسان بطبيعته المحدودة يقف أمام كلام الله. بهذا المعنى يصبح الموت في الكتاب شاهدا على قوة التأثير، ودليلا في الوعي الديني الإسلامي على أن القرآن ليس كتابا يفهم فقط، بل أكثر من ذلك حقيقة يمكن أن يعيشها الإنسان حتى لو أدى ذلك إلى فناء جسده. (4) ذكرنا كتاب قتلى القرآن بأن الكتب لاسيما المقدسة يمكن أن تغير معتقدا، أو تحرك مجتمعا، أو تهدم نظاما فكريا مستقرا. عندئذ يصبح الكتاب قوة فاعلة في الواقع، لا مجرد وعاء للمعرفة. فالكتب المقدسة مثلا تعيد ترتيب الداخل الإنساني. وهناك كتب كبرى في الثقافة الإنسانية قد تُسقط يقينا بشريا، أو تطرح سؤالا لم يكن مطروحا من قبل، أو تضع الإنسان في مواجهة ذاته. وبالعودة إلى الكتب المقدسة فهي لا تغير الأشياء التي توجد خارجنا فقط، بل تغير الطريقة التي نراها بها. وما إن تتغير الرؤية، حتى يتغير العالم نفسه في نظر صاحبه. وهكذا يصبح المقروء حدثا، وتغدو فكرة الكتاب قوة لا تقهر. تقترح الكتب المقدسة قراءها، وفي الوقت ذاته تقترح الطريقة المناسبة لقراءتها لكي تدخل إلى وعي القارئ، وتزاحم أفكاره، وربما تخلخلها حتى أن القارئ لا يخرج من قراءتها كما كان، بل تبدل شي ما فيه، حتى وإن لم يشعر به لحظة القراءة. والقارئ الجاد والحقيقي يضع أفكاره وقناعاته تحت تأثير معنى قد يغيره أو يزعزع ما كان يظنه ثابتا، أو يخطئ ما كان يظنه صحيحا، أو يكتشف هشاشة يقينه، أو يريه العالم من زاوية لم يعتدها. القراءة مغامرة داخلية، قد تكون هادئة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها. وكل قراءة جادة تحمل في داخلها إمكانية موت تصور سابق، وولادة تصور جديد. حين يلتقي كتاب من الكتب المقدسة أو الكتب الكبرى في الثقافة الإنسانية، أقول حين تلتقي هذه الكتب مع قارئ مستعد، تولد لحظة تحول القارئ. وفي هذه التحول لا يعود الكتاب المقروء مجرد كلمات على صفحة، ولا تصبح القراءة فعلا عابرا، بل يصبح اللقاء بينهما حدثا يغير القارئ. فالمعاني لن تمر عليه من دون أثر، بل ستُدمر فيه شيئا لتبني شيئا آخر ينتمي إلى مجال آخر. وهكذا يموت فهم القارئ ليولد فهم آخر، وتتحول القراءة من استهلاك للمعرفة إلى تجربة تغير صاحبها.