في زمنِ السوشيال مِيديا..

التسليةُ والتعليمُ والإخبارُ .

في جميعِ دول العالم يتمُّ استعمال التلفزيون والسينما لأغراض متعدِّدة، منها التسليةُ والترفيه ومنها التعليمُ والتدريب ومنها الإخبارُ وملاحقة المستجدات، والثلاث تمثِّل النسبة الغالبةَ من الاستعمال، ويذهب البعض إلى أنها الاستعمالاتُ الوحيدة. التسليةُ والتعليم والإخبار هي أهدافُ التلفزيون والسينما، وهي كذلك أهداف شبكاتِ الاتصال والتواصل، فالمتداولُ بين الناس لن يخرج عنها، وهم حِينما يتواصلون فلأجل واحدةٍ منها، ويمكن اختبارُ هذا الطرح عبر جمعِ وتحليل عيِّنات من المتداولِ على المنصات والبرامج والقنوات. يتسبَّب التداخل بين الأهدافِ الثلاثة في صعوبة اكتشافِ المغزى النهائي الذي يرمي إليه المستخدِم، إذ قد يُظهر ميله إلى التسلية بينما يخفي هدفه الحقيقي المتمثِّل بإيصال معلومة عبر أُسلوب الفُكَاهة، وهنا قد تصلُ المعلومة فيحقِّق الهدف، أو لا تصلُ فتحدث الإشكالية ويضيعُ الهدف. لكل وسيلة إعلامية خطابٌ تسير عليه وتحافظ على انتشاره ودوامه بينَ المستخدمين، حيث الخطابُ يسعى إلى تحقيق أهدافه عبر الاستفادة من العقد المتفق عليه بين صاحب الوسيلةِ ومستخدمها، والذي يشملُ الشروط القانونية والتنظيمية، قبلَ أن يصل إلى المستهلك الأخير؛ المتمثِّل بالمستمع والمشاهدِ والقارئ، وهم رواد السوشيال مِيديا وبرامج التواصل. تتميزُ وسائل التواصل بالتفاعُلية حيث هي جزءٌ أصيلٌ من أجزاءِ التعاقد ما بين منشئ المحتوى ومستهلكه، فالشروطُ التعاقدية القانونية تتيح إمكانيَّة التواصل المباشر أو غيرِ المباشر بينهما، ولهذا أُطلق عليها لفظُ “تواصل”؛ لأنها تستقبل وترسلُ وتتأثر وتؤثر، متسبِّبة في تشكيل رأي حولَ موضوع أو حادثة. يعتبرُ التأثر والتأثير سِمَة أساسية من سمات مرتادي السوشيال مِيديا وبرامج التواصل، فهم لن يخرجوا عن نِطاقها، وسيتجهون إلى محاولةِ التأثير في الآخرين، عبرَ طرح آرائهم وأفكارهم والإبانةِ عن ثقافتهم وخبرتهم، وهنا لا يهمُّ مقدار ما يمتلكون؛ لأنهم مطالبون بشيءٍ واحد فقط هو المشاركة. عمليةُ المشاركة في التواصل تشير بطبيعتها إلى التكتُّلات التي يمكن أن تحدُث، فإما أن تقنعني أو أقنعك، وهذه لغةٌ “حجاجية” يستدعيها التواصل ويعتاشُ عليها، ومن خلالها تحدث المناكفات والتحديات، التي يقومُ بها أفراد يريدون الظهورَ وتحدوهم الرغبة في اكتسابِ الجمهور، ولذا يجتهدون في اختراعِ تحديات جديدة وغيرِ مسبوقة. لكلِّ خطاب عناصر يحملها في داخله، وعلى أساسِها يمكن اكتشافه ومحاورته، وأهمُّ عناصره اللغة المشتركَة بين الأطراف المتحاورة، واللغة هنا لا تتضمَّن وحدة النطق والاستعمالِ فحسب، بل تشملُ كذلك النمط المشترك من الفهمِ والتفسير؛ أو ما يُعرف بوحدة التفكيرِ والتأويل، وهي التي يتسبَّب اختلافها في حدُوث التجاذبات والصراعات. تحدثُ اصطفافات كثيرة بداخل التواصل، تعودُ في معظمها إلى وحدةِ الفهم والتأويل، التي تحتاج مثيراً يحركها ويدفع بها، وهذا المثيرُ ليس أكثر من أشخاص يتكرَّر ظهورهم، يحملون أفكاراً معيَّنة يقبلها الجمهور، فيحاولون التعبيرَ عنها ويقترحون المقابلَ السلوكي الذي يُسار عليه من أجل تحقيقها. هُنا يكون الخطاب بلغ ذروتهُ واستطاع التحقُّق في الواقع؛ ما قد يثيرُ أزمة بين الأفراد نتيجة التجاذُبات والصراعات، إذ كل فريق يسعى إلى الانتصارِ لخطابه وتحقيق أهدافه، وهنا سيطرح تساؤلٌ عن الحقيقة، فمن الذي امتلكها؟ سؤالُ الحقيقة والزيف يُطرح بقوة في وسائلِ التواصل باعتباره ليسَ النتيجة النهائية لما يحدث من تجاذُبات وصراعات، إنما لما يُبنى عليه من سلوكياتٍ واستنتاجات، فمعرفة الحقيقةِ والإيمان بها تعني التزام سلوك معيَّن، بينما معرفة الزيف تعني التزام سلوكٍ آخر. الحقيقةُ والزيف في وسائلِ الاتصال وبرامج التواصل لا تنفكُّ عن التداخل والتمازج، إذ ما يحصل بداخلها متقاربٌ متشابه؛ ما يشيرُ إلى إشكالٍ يحتاج إعادة قراءةٍ وفهم، ثم علاجٍ وإصلاح، وهي العملية الغائبةُ عن المشهد الراهن.