محمد علي قدس.. وقفات عند إبداعه القصصي.

القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية تعود بدايتها إلى الأربعينات من القرن الماضي، وتبلورت فنيا في الستينات. أما في السبعينات فقد وجد هناك خطان متوازيان بالنسبة لمسيرة القصة القصيرة في المملكة، أحدهما جاء امتدادا للقصة في الستينات من حيث المستوى الفني. أما الخط الآخر فهو توجه جديد يرتبط بالقصة العربية والعالمية أكثر من صلته بالقصة المحلية. محمد علي قدس من الذين وازنوا بين المسارين. وقد أصدر ما بين 1979-2012 ست مجموعات قصصية (نقطة الضعف، مواسم الشمس المقبلة، هموم صغيرة، النزوع إلى وطن قديم، ما جاء في خبر سالم، وظمأ الجذور). وهي مجموعات تتفاوت في مستوها الفني. يقول قدس عن مجموعتة الأولى نقطة الضعف “ليست البداية فقط، وإنما هي بداية البداية”. ولعل في هذا إشارة لمستواها الفني. أما المجموعة الثانية “مواسم الشمس المقبلة” فهي ذات تميز فني. ولعلها من أكثر مجموعاته ثراء.  وفيها وما بعدها يتجلى وعي محمد علي قدس بمفهوم القصة القصيرة وتقنياتها. نحن نعرف جميعا أن أهم مرتكزات القصة القصيرة محدودية الزمن والحدث والشخصيات، خلافا للرواية التي يتسع فيها كل ذلك.   محمد علي قدس قارئ للإبداع القصصي، ليس لأنه يشير إلى كبار مبدعي الفن القصصي من أمثال جوركي وموباسان وشارل ديكنز، وهيكل وتيمور والسباعي ومحفوظ، وإنما لانعكاس هذه القراءات على منتجه الإبداعي، ومستوى النضج الفني لديه.   ولذا، حين قراءة قصصه، يستحضر القارئ نجيب محفوظ في أعماله الروائية، خصوصا زقاق المدق، والثلاثية الشهيرة. نجيب محفوظ يحيي المكان بوصفه التفصيلي لكل مكونات البيئة.  وهذا ما يفعله محمد علي قدس في قصصه عبر المجموعات الست.   عوالم قصص محمد علي قدس، تدور في المقهى، والمنزل، والشارع، وحيثما يوجد أفراد المجتمع. ويعالج فيها قضايا اجتماعية متعددة، لكنها جميعا تنتمي للبيئة الحجازية، ليس عبر الوصف فقط، وإنما عبر استحضار المفردات الحجازية، وربما المكية بشكل أدق (القرارة وسويقة والبرحة والمركاز والزقاق والكوفية والإتريك والزمزمي والمطبقاني والعسة وكباب الميرو والقراية والتبويزة والاحرام...إلخ). والحق أن قدس حفظ لنا كثيرا من المفردات الحجازية التي ربما اندثر بعضها. وإلى جانب ذلك سجل لنا كثيرا من القيم والفضائل التي يتسم بها المجتمع الحجازي.    وفي معالجته لقضايا المجتمع، يتخذ من الواقعية النقدية أسلوبا ومعالجة، بهدوء وانسيابية، بعيدا عن المباشرة في النقد والدعوة للإصلاح، فتلك من سمات القصة القصيرة في مرحلة النشأة.     معظم قصصه تتجه خواتيمها نحو المواربة، فهي لا تعطيك نهايات حاسمة جازمة، بل تتيح لك فرصة التخيل، وإمكانية امتداد تصور نمو الحدث.   لدى محمد علي قدس خاصية الوصف المكثف، ويملك مخزونا لغويا هائلا من الألفاظ والتراكيب، يستثمره في صياغات أسلوبية راقية. هذه القدرة الاسترسالية في السرد، وتتابع عشرات الجمل لوصف مكان الحدث وبيئته، تجعل المشهد يتحول من المقروء إلى المرئي، فيجد القارئ نفسه أمام صورة متكاملة بتجسدها وألوانها.   لدى محمد علي قدس قدرة فائقة في التعبير عن أحاسيس المرأة،وحالتها النفسية في الفرح والترح والحزن والارتياب. ومع أن الراوي العليم هو السارد الواصف لهذه المشاعر، إلا أن القارئ يسمع أنين المرأة، وحنين الزوجة، وأحلام الفتاة.     والمرأة في قصص محمد علي قدس غالبا ما تكون قوية ومنتصرة، ومعتزة بشخصيتها. فهي لا تخنع ولا تخضع إلا في حالات الحب طبعا!  وإن بدت أحيانا ساكنة هادئة، فسرعان ما تنتفض لاسترداد كرامتها.   معظم قصص محمد على قدس يسردها الراوي العليم بضمير الغائب، وأحيانا، وذلك قليل، يكون الراوي هو البطل فيروي بضمير المتكلم. والراوي العليم هو العارف بكل التفاصيل سواء كانت أحداثا أو مشاعر تعيشها شخصيات القصة.  وقدس يتكيء على السرد باعتباره التقنية الأقدر على التعبير. أما التقنيات الأخرى ومنها الحوار فنجده محدودا في قصصه. أما الاسترجاع، فقد جاء في كثير من القصص. ومنها قصة “النزوع إلى وطن قديم”، فنظرا لطول الزمن نسبيا، نجده يستفيد من هذه التقنية ليتحدث عن الماضي، ويربطه بالحاصر.   تبدو بعض قصص محمد علي قدس وكأنها أعمال سينمائية تحتاج فقط إلى مخرج، فهي أحداث مفصلة موجزة، وسيناريو ذو حبكة عالية، وشخصيات مرسومة بعناية.  والمحبون لأفلام الرعب يمكنهم قراءة قصة “طريق العودة للمدينة” في مجموعة “النزوع إلى وطن قديم”.   ومن لا يعرف محمد علي قدس جيدا، فعليه أن يدرك أنه فنان بالريشة أيضا، كما في الكلمة. مجموعاته القصصية، باستثناء الأخيرة،(ظمأ الجذور) تضم كثيرا من رسوماته لمواقف ذات صلة بالقصة، تضفي لها مزيدا من التفاصيل. محمد علي قدس يملك قدرات روائية عالية المستوى، لكننا لم نسعد حتى الآن بقراءة عمل روائي له. نحن جميعا بالتأكيد نتمنى منه استثمار هذه القدرات لإنتاج أعمال روائية. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنحه الصحة والوقت لنرى روايات تضاف إلى منتجنا الإبداعي الروائي.   أخيرا.. شكرا جزيلا لكم دكتور عبد الله السلمي وللجنة العلمية ومجلس إدارة جمعية أدبي جدة حيث منحتموني فرصة العيش لأيام مع أجواء محمد علي قدس القصصية التي شدتني إلى الماضي، واستعدت خلالها طفولتي في الحارات المكية.