أيام السيّاب في الكويت.
يُعرف الشاعر في كثيرٍ من الأحيان بقصيدةٍ واحدة تُصبح علامة دالّة عليه، أو ديواناً على أحسن تقدير، فيشيع ذلك بين جمهور القُرّاء، فيُنسى شِعره كلّه ولا يُستعاد إلا في مُناسبات البحث عن تلك الجوانب المخفية في الشّعر لدراستها، طلباً للتجديد والابتعاد عن التكرار. وليس بعيداً عن ذلك الشاعر الكبير “بدر شاكر السيّاب”، فلقد عُرف أكثر ما عُرف بقصيدة “أُنشودة المطر”، والتي جاءت في ديوانٍ يحمل العنوان ذاته، فنسي القُرّاء الديوان وعرفوا القصيدة، وأشاروا إليها وأشادوا بها واقتبسوا مُقدّمتها، وتناصّ معها الشُّعراء، وذكَرها أصدقاء الشّاعر في أحاديثهم، ومطلع القصيدة، كما هو معروف هو: عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحرْ أو شُرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القَمرْ عيناكِ حين تبسُمانٍ تُورِقٌ ُ الكُرومْ وترقُص الأضواء كالأقمارِ في نهَرْ لقد ذهب بعض النقّاد إلى اعتبار هذه القصيدة إحدى أروع قصائد الشعر العربي الحديث خلال القرن العشرين، مع قصائد أُخرى جميلةٍ، مثل: “إرادة الحياة” لأبي القاسم الشابي، و”لا تُصالِح” لأمل دنقل، و”إلى أُمّي” لمحمود درويش، والكوليرا” لنازك الملائكة، و”بلقيس” لنزار قبّاني”.. وغيرها. إن السيّاب لم يُمثّل إلى جانب رفاقه: نازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور مُنعطَفاً في الشّعر على مُستوى الشكل فقط، ذلك المُتمثّل في الانتقال الحديث والكبير من البناء العمودي الكلاسيكي إلى قصيدة التّفعيلة أو الشّعر الحُرّ؛ بل وكذلك على مُستوى المضمون في المواضيع والأفكار. أما عن علاقة السيّاب بالكويت، فلقد بدأت في عام 1952 حين استمرّت الأوضاع السياسية في العراق تُلقي بظلالها على حياة الشاعر، الذي كان من المُشاركين في المُظاهرات التي اجتاحت بغداد احتجاجاً على مواقف الحكومة الموالية للإنجليز، الأمر الذي أدّى لتدخّل الجيش لإعادة الأمن واعتقال عددٍ من أصدقاء السيّاب، فخاف أن يُعتقل هو أيضاً، ففرّ إلى “إيران” ومنها تسلّل مُتخفّياً إلى “الكويت”. وعندما وصل إلى الكويت، كان يعيش هناك مع العُمّال العراقيين في حالةٍ من البؤس والضّنك، وفي أثناء إقامته هناك التي امتدّت إلى سنةٍ من التشرّد وحياة اللاجئين الصعبة، نظم “أُنشودة المطر” وهي القصيدة الحافلة بالأمل في التغيير، كما نظم قصيدته الذّائعة الصيت “غريبٌ على الخليج” التي تُمثّل الإحساس بالغُربة والشوق العارم للعودة إلى بلاده، ومطلعها: الرّيحُ تلهثً بالهجيرة، كالجثام على الأصيل وعلى القُلوع تظلُّ تُطوى أو تُنشَّرٌ للرّحيل لقد كانت السنوات الثلاث الأخيرة من حياة الشاعر من أشدّ المراحل العصيبة التي مرّ بها، إذ كانت أعراض الإصابة بالشّلل بادية عليه، وأثبتتْ الفحوصات الطبية أنه يُعاني من مرضٍ خطير في جهازه العصبي، ولم تنجح المحاولات الطبية المتعدّدة في شفائه، وفي السنة الأخيرة 1964، وبترتيبٍ من صديقه الكويتي الشاعر “علي السبتي” الذي سعى لدى الحكومة الكويتية للموافقة على علاجه مجّاناً في “المستشفى الأميري” بالكويت وتمّ له ذلك. وصل السيّاب إلى الكويت للمرّة الثانية طالباً للشفاء هذه المرّة، بعد اثني عشر عاماً من وصوله لاجئاً في المرّة الأولى، ولكن حالته الصحية للأسف لم تتحسّن.. وبالرغم من المرض والضعف، فلم ينقطع عن كتابة الشّعر في المستشفى، فقال في قصيدة “سفر أيوب”: لكَ الحمدُ مهما استطال البلاءُ ومهما استبدّ الألمْ لكَ الحمدُ إنّ الرّزايا عطاءٌ وإنّ المُصيبات بعضٌ الكرمْ ألم تُعطني أنتَ هذا الظلام وأعطيتني أنتَ هذا السَّحر؟ فهل تشكرُ الأرض ُ قطرَ المطرْ وتغضبُ إن لم يجدها الغمام؟ شهورٌ طِوال وهذي الجروح تُمزّق جنبيّ مثل المٌدى ولكن أيوب إن صاح، صاح: لكَ الحمدُ إنّ الرّزايا ندى وإن الجراح هداي الحبيب أضُمّ إلى الصدرِ باقاتها هداياك في خافقي لا تغيب انتقل بدر شاكر السيّاب إلى رحمة الله في نهاية تلك السنة شابّاً، عن عُمرٍ يُناهز الثامنة والثلاثين عاماً.