حتى تغدو أبًا!

أيًا كان صوغ هذا المعنى لدى أي قوم، بأي صقع من أراضي الله وفي أي عهدٍ من أحقابه، إلا إنه لا شيء أصدق مما لن يسأم البشر، كل البشر، من قولهم إياه؛ “إنك لن تفهمَ أباك ولا ما كابده، أو حتى ما شعر به، حتى تغدو أنت أبًا بدورك”.. وصدقوا! إنها الصورة التذكارية الخالدة للأب في سائر الأمم، أما العرب - ومجدهم تامًا في البلاغة - فقد سمّوه بلسان مَلكهم القديم، عمرو بن كلثوم؛ “حامل الِمئِيْن”، وصدق! حسنًا؛ إليكَ الآن، وقد صرتَ أبًا بدورك، وفي كل مرة يألم طفلك من أدنى عارض، ولو برشقة تعب أو جرح إصبع من عثرة صغيرة، أو إخفاقة حلم وتعذّر فرصة.. هل رحتَ تَشْرعُ شيئًا فشيئًا في استيعاب حكمة الشعوب تلك، منتبهًا للغاية لذاك الوعد القديم/المؤجل بالفهم! وبالطبع والقطع فإنه سيبرق في عينيك وجها أمك وأبيك كل مرة، وفي كل مرة ستدري أنه لا حيلة بيديك غير اللّهج الحارّ لهما من صميم صميمك بدعاء المكافأة الخجول! وسيحدث أن تستغرقَ مجدداً في هرولات العيش، ظانّاً مع الوقت أنها قد أنضجتك التجارب، وأنك خبرتَ المضمار، وتدربتَ بما يكفي على مواجهة التصاريف، ثم في لمحة قَدَر يعترضُ شيءٌ مفاجِئٌ أحدَ صغارك، شيءٌ عاديّ مما يحدث في الحياة، فيُطيحُ بجلادتكَ كلها.. ولا شيء من ذخيرتك في خوض الغمار بوسعه أن يَلْجِمَ عنك “الهواجيس” وسهد ليلها الثقيل. تَتَقلّب، ووجها والديك يلوحان تستدعي عبارة الأزل. تشردُ في تأمّلها أكثر فأكثر؛ أيمكن أن ندرك هذا المعنى بالكليّة وإن غدونا آباء، أن نلامس عمقه ونجول في نواحيه، أم تُراه مُطلَق الاستحالة عند اعتبار زمن آبائنا وظروفه، شرط التاريخ الذي لا يبلى ولا يتغير! عنّي؛ بإحدى الليالي الأخيرات من رمضاننا الفائت منذ ثلاثة أسابيع، كنت أمازح والدي، (ووالدي على مرمى سنوات من تتمّة القرن)، مستعيرًا ملاطفة عبدالله المديفر لوزير الصحة الأسبق، “حسن الجزائري”. قلت: “تدري، يا أبويه، أنك والدولة “رِيْعْ”! ميلادك وتوحيد المملكة ما بينكم إلا عامين”. (ريع في لهجات سعودية عدّة: أبناء الجيل الواحد). التفتَ، وحَمْلَق فيّ بنظرة حادّة وحاجبين مُسْتفهِمين، ولم يعلّق بكلمة! صمتُّ بدوري، وفكرتُ قليلًا في القذيفة/المقارنة التي أطلقتها للتو، بلا حسبان.. وسريعاً غمرني حسٌّ مهول بالمهابة؛ يا إله العالمين، كيف يمكن لشخصٍ واحدٍ، واحدٍ فقط، أن يكون قدّ مرّ به كلُّ هذا الدهر، أن عاش هذا المشوار الملحميّ بِشِقيه - فردًا وبلادًا - وعَبَر هذه الطريق الملآنة لأقصاها، يوماً إثرَ آخر! نظرت لأبي، ولمع بروحي الأسى على ما عاناه هذا الأسد المُجهد، وكنت قد أدركت القليل منه طِفلًا، وعرفت أكثره من حكاياته التي يندر أن يرويها عن السحيق الذي صعد منه؛ طفولته التي لم يعرف منها غير اليتم والعوز، وصباه المضني، وشبابه الممزق بالكدح والأسفار. أو كنت سمعتها من كبارٍ آخرين عنه، إما جايلوه أو لحقوا به في الزمن الصعب. أما من صوب مشوار البلاد.. فقد بدأ كأبناء جيله من هناك؛ من اللا شيء المُقفِر، من الصفر كاملًا، من الجوع والخوف وصنوف المشقات، ثم مرّوا بأرتالٍ من الأحداث والتحولات، ثم صمدوا إلى وقتنا وحالنا الهائل اليوم، والسعوديةُ الشامةَ والجبين! أمسكت يمناه، وعاودت الكلام لأرفع عنه حيرته الوقورة، وعنّي غَمرة المعنى والارتباك، وأضفت: “الله يطول في عمرك.. أنتوا الجيل الأول في كل منطقة ومدينة وقرية في المملكة، اللي كبرتوا مع البلد وكبرتْ بكم. أنتوا اللي شَقِيْتُوا والدنيا ضيق ولا معكم منها غير أرضها وسماها.. واليوم كل هذا الخير والسعة، بعد الله، ثمرة عَنَاكم”. هذه المرة لم يلتفت، بل أمال رأسه بخشوع. بدا كما لو أنه يقدم تبجيلًا خاصًا وخالصًا، وقال كلمةً واحدة: “الحمد لله”. وابنتيّ في خاطري.. تذكرتُ البارحة عبارة شعوب الله تلك. تذكرت المزحة، ومباغتة الشعور العارم.. وعلى مجرى هذا المسيل من الكلمات أصبحتْ. لبلادنا الأعالي، ولِصغارنا السلامة وفلاح المستقبل.. ولوالدينا، حيّهم والراحل، العناقات والمبرّة. لكفوفهم والجباه امتناننا والمطر، ولهم وعد الله بالعوض والواحات. آمين.