عن فيلم (The giver) ..

ماذا يتبقى منا حين لا يؤلمنا شيء ؟

ماذا لو كان هناك عالم يتساوى فيه البشر شكلاً ولوناً، يرتدون نفس الملابس ويركبون ذات المركبات.. ويسكنون بيوتاً لا تختلف عن بعضها، ولا يوجد أي سبب لنشوء مشاعر تنافسية قد تؤجج حروباً أو منازعات أو خلافات قد تأخذ شكلاً أسوأ فيما بعد، عالم لا يشعر البشر فيه بالكراهية ولا بالحب كذلك! لا وجود للخير والشر، حياة بسيطة وغير معقدة وميسرة، بلا حروب ولا مجاعات، أو أمراض لا فقر ولا بطالة، عالم بلا ذاكرة سابقة إنسان يعرف الحياة كما هي في مجتمعه فقط لا يعرف تاريخاً لإنسان يسبقه ولا يفكر في مستقبل يقلقه.. فكرة هذا المجتمع المدجن طرحها فيلم (The giver) وهو عن عالم مثالي ظاهريًا، حيث لا حروب ولا فقر ولا حتى مشاعر مؤلمة، فهو يعرض رؤية مقلقة عن الثمن الذي قد يدفعه الإنسان مقابل الاستقرار، فهنا لا يُسمح للناس بالاختيار، ولا حتى بالشعور الحقيقي. كل شيء مضبوط، محسوب، ومُفرّغ من الفوضى… ومن الإنسانية، يتتبع الفيلم رحلة “جوناس”، الفتى الذي يتم اختياره ليكون “المتلقي” أي الشخص الوحيد الذي سيحمل الذاكرة البشرية بكل ما فيها من ألم وجمال، وسيقوم بتلقيها مباشرة من المعطي صاحب منصب خاص في نظام المجتمع، و الذي يسكن في مبنى منعزل على حافة هذا العالم ، المعطي يقوم بتلقين شخص واحد بكل ما يعرفه ويتذكره، ويقرأه من تجارب بشرية، كالموسيقى والبكاء المطر والهواء، والألوان و الاصوات، وتباين ألوان البشر واشكالهم، ثم الألم والحروب والأمراض والبؤس والمجاعات، الأديان والطوائف، وكل ما هو غائب عن هذا العالم الجديد، الذي لا يستطيع افراده حتى تمييز الألوان، عادة لا يستطيع المتلقي احتمال الألم ، لكن «جوناس» حاول البحث عن طريقة لإعادة الإحساس الى أفراد مجتمعه، من خلال القفز والخروج من هذا العالم البعيد إلى خارج حدوده، وبهذه الطريقة فقط سيستعيد جميع سكان هذا العالم المسطح، قدرتهم على الإحساس بالأشياء والبكاء من اجلها، سيغمرهم الحزن والفرح، وسيرون هذا العالم ملوناً لا شاحباً، اكتشف «جوناس» من خلال هذه الذاكرة، أن العالم الذي يعيش فيه ليس جنة، بل سجن ناعم تم فيه استبدال الحرية بالأمان والمشاعر بالحياد، عالم لا وجود للألم فيه .. والألم جزء أساسي من معنى الحياة. ما يميز العمل هو هذا التناقض الحاد بين عالمين، عالم رمادي خالٍ من الألوان والمشاعر، وعالم مليء بالحياة، بالألم، بالحب، وبالاختيارات، وهذا التحول البصري من الأبيض والأسود إلى الألوان ليس مجرد عنصر جمالي، بل هو استعارة قوية لعودة الإدراك الإنساني، ومع ذلك، فإن الفيلم لا يغوص بعمق كافٍ في هذه الأسئلة، فبدلًا من استكشاف التعقيد النفسي والفلسفي للفكرة، يكتفي بسرد سطحي نسبيًا، مما يجعل التجربة أقل تأثيرًا مما كان يمكن أن تكون عليه. ورغم جمال وعظمة هذه الفكرة في الفيلم إلا أن الفيلم بدا هزيلاً إلا من بعض الحوارات الجيدة، ولا يمكنك أن تخرج بآداء جيد سوى لشخصية المعطي نفسه»جيف بريدجز» ، الرواية عميقة جدًا من الناحية الفلسفية، لكن الفيلم حوّلها إلى قصة سطحية، بتقليص الأسئلة الوجودية إلى صراع مباشر وبسيط، كما أن الايقاع غير مضبوط فالبداية بطيئة نسبيًا و النهاية متسارعة جدًا، مما خلق شعورًا بعدم الاكتمال، وكأن الفيلم “مضغوط” ولا يمكن الحكم عليه كعمل سيء إنما هو عمل لم يترجم سينمائياً كما يجب، الفيلم يترك لديك انطباعات متضاربة وغير مريحة، هل العالم المختار بعناية هذا هو غايتنا؟ عالم لا نزاعات فيه ولا اثارة ولا شغف.. كل شيء مخطط له وكل شيء خاضع لرقابة مشددة، مسار حياتك معروف لا يوجد مجال للخطأ، عالم مثالي بالكامل وقبل أن يتبادر إلى ذهنك الآن أنك ستشعر بالملل في عالم كهذا، تذكر أنه لا وجود لمشاعر كهذه هناك، لا ذاكرة تعرفها عن حياة أخرى سابقة أو موعودة، فهي حياة تسير بخط مستقيم لن يشقى فيها أحد إلا الفرد الذي اختار أن يعي بالحقيقة، وعندها فقط ستصبح هذه الحياة المثالية جحيمه. محاولة اقتلاع المعاناة من الجذور لم تصنع عالمًا أفضل هنا، بل صنعت كائنات منزوعة المعنى، تعيش بلا خطيئة لكنها أيضًا دون فضيلة، ثمة شيء جوهري في التناقض، في الارتباك، في الشعور الذي لا يمكن ضبطه أو التنبؤ به شيء يجعل الحياة، رغم قسوتها جديرة بأن تُعاش، ربما لم يكن الخطأ في الألم نفسه، بل في خوفنا منه وربما، في لحظة ما، علينا أن نختار إما حياة آمنة وباردة، أو حياة حقيقية بكل ما فيها من فوضى، وخسارة، ودهشة. جمالية الفيلم في أنه يضعك أمام فكرة ماذا لو؟ خاصة في هذه الظروف التي نعيشها اليوم، في عالم يعج بالغضب والحروب والانسانية على الحافة. يصنف الفيلم كفيلم خيال علمي اجتماعي من إخراج «فيليب نويس» وكتابة «مايكل ميتنيك» «وروبرت ب «. وادي، وهو مستوحى من الرواية التي تحمل نفس الاسم من تأليف «لويس لوري» والفيلم من بطولة «جيف بريدجز» و»ميريل ستريب» و»برينتون ثويتس وغيرهم.