المأزومون في الأرض.
ابتلى العالم المعاصر بوسائل ظاهرها تقديم خدمات هدفها المُعلن تحسن من جودة الحياة، عبر جعل كل شيء متاح بأقل جهد وبتكاليف مقبولة لحد ما، ولكن مع تغولها في التفاصيل اليومية، وتحولها في بعض الحالات من وسيلة اختيارية إلى حاجة ملحة، ومن دونها تصبح الشؤون الخاصة والعامة مُتعسرة، بل شبه مستحيلة، إلى تصنيفها كوسيلة من وسائل تحسين جودة الحياة إلى قالب مأزوم يصيب العنصر البشري بالتوتر، ما ينعكس سلباً في تقييمهم لأنفسهم، وبالتالي في رؤيتهم للعالم من حولهم. وبالإمكان تلمس ذلك بشكل جلي عبر رصد شخصيات المنخرطين في عالم شبكات التواصل الاجتماعي، وتحديداً عبر منصة تويتر (x حالياً)، وكيف أنهم يعبرون عن حال مأزومة يصعب معها فهم ردة فعلهم، فضلاً عن تفسير دوافعها بشكل عميق. إن تلك المشكلة لم تنحصر في تلك المساحة الافتراضية، بل انعكس ذلك على التواصل البشري مع تلك الفئة، والتي يمكن الوصول معها إلى نتيجة حتمية بأنها باتت السواد الغالب، وليست فئة قليلة. ويمكن قراءة خطاب هؤلاء في انحيازاهم الحاد، وأراءهم المتطرفة، والتي تفتقر في أغلبها إلى أرضية مشتركة من الممكن الانطلاق منها إلى منطقة وسط للفهم والحوار. ساهم ذلك التوتر في نفور عدد ليس بقليل من الراغبين في مشاركة آرائهم إلى العزوف عن تلك المنصة، وأنا شخصياً منهم، فإن لم يكن داعي ذلك الخشية من أن تقضم تلك الآراء ما أن تطرح بسيوف مسنونة سلفاً، ولو طرحت بعفوية بصرفه، إلى الحيلولة من فتح نافذة لا يفد منها إلا ما يجعلك عرضة للوقوف على صفيح ساخن لا يهدأ النشيطين فيه من نفث النار، وترويج قوالب جاهزة غارقة في أذية الآخرين، وشيطنتهم، ووصمهم بما ليس فيهم بالضرورة، عبر تعليق مشانق متلهفة لإعدام الآخرين. مع توالي الأحداث، صغيرها وكبيرها، وما يصل نقلاً عن تلك المنصة، تجد أن قرار هجرها هي الطريقة الأسلم للعيش بتصالح مع ما تؤمن به، بشكل ذاتي أو موضوعي، ما يسمح لك بإطلاق أحكامك بهدوء أكبر، وفهم مجريات الأمور دون مؤثرات يندر أن تخلو من الإشاعات، أو المنغصات، مع تعمد تحريف السرديات وأخذ الأمور إلى حافة الأشياء دون دراية أو معرفة. ولاكتشاف هذه الحقيقة لا يلزمك سوى إرخاء أذنك وعينك لما يطرحه غالب المأزومين في أي موضوع كان، فستجدها متأثرة بالسطحية وقلة الفهم، دون أن يحكمها إطار واضح، أو رادع ذو قيمة مرجعية. من الممكن تصنيف اتخاذ هذا القرار، أي هجر تلك المنصة، إلى قرار صائب عندما يكون متخذه غير مرتبط بها عضوياً كوسيلة لمخاطبة الآخرين للتعبير عن نفسه، أو متعلق بها كمفتاح لفهم مجريات الأمور وملاحقات تبعاتها. وفي تقديري أن هؤلاء أخذون بالتقلص من ناحية الإنتاجية، فضلاً عن التفاعل ومشاركة كافة ما يؤمنون به، وهي محصلة طبيعية لواقع المنصة المُنفر، التي تفرض عليك التسلح الدائم بدرع التبرير، والإغراق في سرد مقدمات البراءة من أي فهم خاطئ لجملة اعتباطية، أو اقتباس سيّار، وصولاً إلى مقطع ساخر هدفه نشر البهجة والضحك. ختاماً، الناس مخيرون في طاقتهم، وقدرة كل واحد منهم على الانخراط في ميدان من ميادين بكل هذا التأزيم والتوتر، إلا أني شخصياً أرى أن إفرازات العولمة التي أخذت تنهش تفاصيل كافة المكونات الفردية والمجتمعية، يلزم معه تحصين الشخص لنفسه من الانزلاق إلى الهاوية بقدر الإمكان، وتشييد أسوار تجعل من الحياة أكثر خصوصية، وقابلة للعيش دون دفع ثمن نفسي وصحي من الممكن الاستغناء عنه، عبر اتخاذ قرار ممارس الحياة بضغوطات أقل، ونوافذ ليست مشرعة على الدوام للغرباء للعبث فيها كيفما شاؤوا.