العرب خارج حسابات العربي.

كشف لي السفر في بلاد الله (العربية) أننا أهل جزيرة العرب خارج ثقافة وسياسة العالم العربي الكبير، فهم يطلقون علينا تسمية (العرب)!! وكأننا جنس آخر مختلف عنهم، وقد صدمني ذلك في بداية الأمر لفترة من الزمن، فقد تربينا على أن (بلاد العُرب أوطاني…). مفارقات الصدمة لاتستقيم عاطفياً ولا منطقياً لو قلتها لأحد ما!! لكن للأسف الشديد هذه هي الحقيقة التي نتجاهلها في جزيرة العرب ربما عن طيب خاطر أو بدوافع المروءة العربية وصدقها ما بين الخليج والبحر والمحيط أو لأننا لا نعلم عن ثقافة الآخر.. وكله جائز.. على مر الزمن لم يُعرف العرب إلا داخل شبه الجزيرة الواقعة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي، وأما ما كان خارجها فيطلق عليه اسمه الذي عُرف به أيضاً، وهذا منطقي جداً، أكثر من منطقية الدراسات التي تنسب العرب إلى الأكديين والبابليين في ما بين النهرين، وهي دراسات ضعيفة على أية حال. ومع ذلك نستمر في مغالطة التاريخ ونُصر على عروبة كل ما هو حولنا من بقاع، على الرغم من نداءات أصوات شريحة كبيرة من مثقفيهم وسياسييهم باستقلاليتهم السياسية والثقافية الخاصة خارج دائرة الثقافة العربية (الوافدة) التي ينطقون بلغتها. بالنسبة لي نعم، هذا مفهوم وبالتأكيد لهم الحق، فقد خضعت تلك الأقطار بعد (الفتوحات) الإسلامية وليس العربية، ودان أهلها دينياً ثم مع الزمن تحدثوا العربية. صحيح أن اللغة بحروفها تجمعنا لكن التفكير بمناطقه يقصينا..!! فحين تذهب إلى أي دولة (عربية) خارج جزيرة العرب، سيعرّفونك دائماً على أنك من العرب كونك من داخلها، في حالة استثناء إنكارية للمفهوم العام لمصطلح العرب الثقافي والاجتماعي والسياسي. لذلك لا أعتب كثيراً على الإنسان البسيط من خارج جزيرة العرب حين ينظر إلينا كأمة مستقلة بذاتها كان يأكلها الفقر والجوع والتعب، ويستكثر علينا وقوفاً أخلاقياً في الأزمات الصعبة، لا أستغرب أن يشمت فينا هؤلاء، ولن أستغرب حين يتمنون ألمنا أكثر.. وعليهم أن يعلموا بالمقابل أن العربي مهما صاقت به الوسيعة لا يستجدي أحداً، لأننا ببساطة أمة المروءات والكرم والكرامة والشجاعة والمفاهيم الأخلاقية العليا للإنسان. نغزو ونحارب ونحترب ونغير حين تضغط الضرورة ودواعيها، تماماً كبقية المجتمعات الإنسانية سابقاً، لسنا ملائكة ولم يكونوا آلهة، لقد تساوينا في ذلك تماماً.. المستغرب أن نكون في ذهنية المثقف من خارج جزيرة العرب -وهي بالمناسبة نظرة قديمة ممتدة- قوم أدنى ذكاء وفهماً وأقل قدرة، وهذا ما ينفيه واقع العرب و”الحداثة البدوية” اليوم في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعمان وقريباً اليمن السعيد. وأكاد بل أجزم لو أن وسائل التعليم والمطابع وإمكانيات الحضارة الحديثة وصلت إلى جزيرة العرب قبلاً، لكان الأمر مختلفاً بمستوى أعلى مما هو عليه اليوم في خارطة (الوطن العربي). الآن وقد تبدلت أماكن الخيرات والأمن، كشفت المصائب لنا أين نقف تماماً في الضمير (العربي) الكبير سياسياً وثقافياً واجتماعياً. العرب هم أهل شبه جزيرة العرب، هذه هي الحقيقة مهما أغمضنا أعيننا.. هذه ليست حمية جاهلية ولكنها مرارة الخذلان مما رفعته في وجداننا يوماً وطويلاً شعارات المصير العربي المشترك. من مروءات العرب الاصطفاف في الشدائد ثم بعد ذلك يقضي الله الأمر فيما بينهم.