كلما أنبت الزمان.

أنتمي إلى جيل أرسل رسائله ورقيًا في ظروف بريدية مغلقة، تحملها سيارات البريد ، وكنا نضع طوابع على تلك الظروف، ورغم أن الرسائل تأخذ أيامًا كي تصل أحيانًا إلا أنها تصل آمنة وفي وقتها المتوقع. اليوم تنتشر وسائل التواصل والتراسل الفوري كواتساب وماسنجر وغيرها، إضافةً للبريد الإلكتروني، تصل رسائلك بضغطة زر! لكن رسائل الواتساب قد تصلك باسم صديقك وهي ليست منه، بل من طرف ثالث اخترق حسابه يطلب نقودًا، لذلك عرفت الشركات ما يسمى بنظام التشفير وغيره من وسائل حماية كي تضمن سلامة رسائل المستخدمين وحفاظًا على سمعة التطبيق والشركة، وتلك الوسائل الذكية بكل إيجابياتها وما يحيطها من مخاطر تأتي ضريبةً للتطور والتنامي التكنولوجي المذهل الذي نعيشه، وكما قال المتنبي: كُلَّما أَنبَتَ الزَمانُ قَناةً .. ركَّبَ المَرءُ في القَناةِ سِنانا وسائل الحماية باتت أمرًا لا مناص منه، واليوم بدأت الجامعات تدرّس مواد الإعلام والأمن السيبراني، وخلال دراستي للإعلام الرقمي في جامعة الملك عبدالعزيز كان من حسن الحظ أن يكون من المواد المقررة مادة الإعلام والأمن السيبراني، ناقشنا في إحدى المحاضرات عددًا من المفاهيم الخاطئة التي قد يتبنّاها البعض، من بينها مَن يقول: “ليس لديّ ما أخفيه لذلك لا أكترث”. وهو مفهوم يتعارض مع ثقافة الأمان والخصوصية في ظل ما نعيشه من تطور وتقدم تكنولوجي هائل، خصوصًا في ظل دخول الذكاء الاصطناعي طرفًا، وحين لا تحمي اتصالاتك أنت لا تخاطر بنفسك فحسب، بل قد تضر غيرك، فحسابك المخترق قد يكون أداةً للنصب على أهلك وأقرب الناس إلى قلبك. كما أن اللامبالاة بالخصوصية يتضرر منها الجميع، أفرادًا وشركات وقطاعات. وحين تغلق باب منزلك فليس ذلك خوفًا، بل لأن لديك خصوصياتك وأشياءك التي تريد الحفاظ عليها. ولا ينبغي أن تظل هذه الثقافة حكرًا على المتخصصين، بل ثقافة مجتمع، فالعالم كما يتطور يحتاج إلى الحفاظ على مكتسباته. واليوم تعنى كبرى الشركات والهيئات بترسيخ هذه الثقافة، كما هي الهيئة الوطنية للأمن السيبراني لدينا التي تسعى من خلال مبادراتها وبرامجها إلى بناء بيئة رقمية آمنة تحمي الفرد والمجتمع معًا. فالأمان الرقمي اليوم كالأمان خلف جدران بيتك، لا يكتمل إلا حين يؤمن به الجميع.