هل تعليمنا سيّئ لنحاكي تعليم الآخر؟

في كل مجتمعٍ يسعى إلى التقدم والنهضة، يظهر سؤالٌ يتكرر في الخطاب العام والنقاشات التربوية: هل تعليمنا سيّئ؟ وغالبًا ما يأتي هذا السؤال مقرونًا بمقارنات مع أنظمة تعليمية في دول أخرى يُنظر إليها بوصفها نماذج ناجحة ومتقدمة، ومع انتشار التَّقارير الدوليَّة والمؤشرات العالميَّة التي تقيس جودة التعليم، الصَّادرة عن منظمات مثل UNESCO ومنظمة OECD، أصبح من الطبيعي أن تنظر الدول إلى موقعها في هذه المؤشرات، وأنْ تتساءل عن موقعها في الخريطة التعليمية العالمية. غير أن هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، يخفي وراءَه إشكالية أعمق تتعلّق بطريقة فهمنا للتعليم نفسه، فالتّعليم ليس مجرد نظامٍ لإيصال المعرفة، ولا هو مجموعة من المناهج الدراسية والاختبارات والدرجات، إنّه منظومة حضارية كاملة تتداخل فيها الثقافة والقيم والاقتصاد والسياسة والهوية الوطنية...إلخ، ولذلك فإن الحكم على أي منظومة تعليميّة بأنها “سيئة” أو “جيدة” حكمٌ يتطلّب قدرًا كبيرًا من التَّحليل والإنصاف. إنَّ التّجارب التعليمية العالمية التي يُشاد بها اليوم لم تصل إلى مكانتها عبر قرارات سريعة أو إصلاحات شكلية، بل عبر مسارات طويلة من التّجريب والتّطوير، فالدول التي يُشار إليها غالبًا كنماذج تعليمية متقدمة مثل: فنلندا، أو سنغافورة، أو كوريا الجنوبية، لم تبنِ أنظمتها التعليميَّة في سنوات قليلة، بل عبر عقود من الاستثمار في المعلّم، وفي المناهج، وفي البحث التّربوي، وفي بناء ثقافة مجتمعيَّة تقدّر التَّعليم بوصفه ركيزة أساسيَّة للتنمية. ومن هنا فإن المقارنة مع هذه التجارب يجب أن تكون مقارنة واعية، لا مقارنة انفعالية، فالتّعليم لا يمكن نقله من مجتمع إلى آخر كما تُنقل النماذج الصناعية أو الإدارية! إذْ لكُلِّ مجتمعٍ سياقه الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، الذي يؤثر في شكل نظامه التعليمي وطبيعته، لذلك فإن التّحدي الحقيقي لا يكمن في تقليد الآخرين، بل في فهم أسباب نجاحهم ثم إعادة صياغة تلك الدروس بما يتناسب مع خصوصياتنا الاجتماعية، والثقافية، والوطنية. وفي المملكة العربية السعوديّة، مرَّ التّعليم بمسيرة طويلة من التحوّل والتطوّر، فمنذ بدايات الدولة، كان التّعليم أحد أهم أدوات بناء المجتمع وتطويره، ومع مرور الزمن، توسّعت المؤسسات التعليميّة بشكل كبير، وانتشرت المعاهدُ، والمدارسُ، والجامعات في مختلف مناطق البلاد، وأصبح التعليم متاحًا لملايين الطلاب والطالبات، ناهيك عن إنشاء المعاهد والمدارس في الخارج لتعليم غير الناطقين بالعربية علوم اللغة العربية، والشريعة الإسلامية الوسطية، ونشر المعرفة للعالم، إنَّ هذا التّوسع لم يكن مجرد توسعٍ كمي، بل صاحبه أيضًا تطور في السياسات التعليمية وفي البنية المؤسسية للنظام التعليمي. واليوم ومع رؤية الوطن الطموحة 2030، بدأت المملكة مرحلةً جديدة من تطوير التعليم، تقوم على مواكبة التحولات العالمية في المعرفة والتقنية، وقد ظهرت أهمية هذا التوجه بوضوح خلال جائحة COVID-19، التي شكّلت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأنظمة التعليمية في العالم على التكيّف مع الأزمات، ففي لحظة واحدة تقريبًا، اضطرت معظم الدول إلى إغلاق مدارسها وجامعاتها، والبحث عن بدائل تضمن استمرار التعليم. في تلك اللحظة التاريخية، استطاعت المملكة أن تقدّم تجربة لافتة في إدارة التعليم عن بعد، فقد جَرى الانتقال بسرعة إلى التّعليم الإلكتروني، مستندًا إلى بنية رقميَّة تعليميَّة متقدمة، تحت شعار عظيم (التّعليم لا يتوقف)، وكان إطلاق منصة مدرستي أحد أبرز ملامح هذا التحول، حيث وفّرت المنصة بيئة تعليميَّة رقميَّة متكاملة تجمع بين الفصول الافتراضية، والواجبات الإلكترونية، والتّفاعل المباشر بين المعلّم والطالب، كما أسهمت قنوات عين التعليميَّة، في إيصال المحتوى التعليمي إلى ملايين الطلاب عبر البث التلفزيوني، بما يضمن وصول التّعليم حتى إلى الفئات التي قد تواجه تحديات في الاتصال الرقمي. وقد لفتت هذه التجربة انتباه المؤسسات الدولية بوصفها نموذجًا ناجحًا في إدارة التعليم أثناء الأزمات، إذ استطاعت المملكة أن تحافظ على استمراريَّة التعليم دون انقطاع واسع، وهو ما لم يتحقق بسهولة في كثير من الدّول المتقدّمة، لقد أظهرت هذه التجربة أن النظام التعليمي عندما يمتلك بنية مؤسسية قوية واستعدادًا تقنيًا مناسبًا، فإنه قادر على التكيف مع أصعب الظروف. ومن جانب آخر، تمثل برامج الابتعاث العلمي إحدى أهم ركائز تطوير التعليم السعودي، ففتح أبواب الدراسة في الجامعات العالمية أمام الطلاب السعوديين كان خطوة استراتيجية تهدف إلى بناء جيلٍ يمتلك خبرات علمية وثقافية متنوعة، وقد كان برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي أحد أكبر برامج الابتعاث في العالم، إذ أتاح لعشرات الآلاف من الطلاب والطالبات فرصة الدراسة في أرقى الجامعات الدولية في مختلف التخصصات. هذا البرنامج لم يكن مجرد فرصة تعليمية فردية، بل كان مشروعًا وطنيًا لنقل المعرفة وبناء جسور علمية بين المملكة ومراكز البحث والابتكار في العالم، فالطالب الذي يدرس في جامعة عالمية لا يعود فقط بشهادة أكاديمية، بل يعود أيضًا بتجربة معرفية وثقافية تسهم في إثراء البيئة العلمية في وطنه. وفي موازاةِ ذلك، برز اهتمام متزايد باكتشاف المواهب الطلابيَّة وتنميتها، إدراكًا لأهمية الاستثمار في العقول الشابة، وقد اضطلعت مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع بدور مهم في هذا المجال من خلال برامجها المتعددة التي تستهدف اكتشاف الطلاب الموهوبين في مجالات العلوم والرياضيات والابتكار، وقد أثمرت هذه الجهود عن تحقيق الطلاب السعوديين حضورًا مميزًا في العديد من المسابقات العلمية الدولية، الأمر الذي يعكس الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها الشباب السعودي عندما تتوفر لهم البيئة الدَّاعمة والفرص المناسبة. كما شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بتطوير المعلم بوصفه الركيزة الأساسية في أي نظام تعليمي ناجح، فالتّجارب العالميَّة تؤكد أن جودة التعليم لا يمكن أن تتجاوز جودة المعلم، ولذلك فإن الاستثمار في إعداد المعلمين وتطويرهم مهنيًا يمثل أحد أهم مفاتيح الإصلاح التعليمي الحقيقي، ومبادرات المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي الأخيرة على الأقل، كفيلة بضمان إثبات تطوير التعليم من خلال دعم المعلم، وتدريبه، وإشراكه بصورة جادة وواقعية لتطوير المنظومة لقربه من الميدان التعليمي، وقدرته على إيصال التحديات الراهنة لتلقي الدعم والإصلاح السريع والمباشر. ومن التحولات المهمة التي تشهدها منظومة التعليم في المملكة أيضًا تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، فقد أصبح القطاع التعليمي الخاص شريكًا فاعلًا في تقديم الخدمات التعليمية وتطويرها، كما ظهرت مبادرات تعاونية بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية والصناعية تهدف إلى ربط التعليم باحتياجات سوق العمل وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، هذه الشراكات تمثل نموذجًا حديثًا لفهم التعليم بوصفه مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، ونشير هنا على سبيل المثال لا الحصر، الشراكة الأخيرة بين مؤسسة الأستاذ غير الربحية، والمعهد الوطني قبل أسبوعين تقريبا في منطقة المدينة المنورة. إن جميع هذه التجارب والمؤشرات تدفعنا إلى إعادة النظر في السؤال الذي بدأناه أولًا، فبدلاً من أن نسأل: هل تعليمنا سيّئ؟ ربما يكون السؤال الأجدر هو: كيف يمكن أن نجعل تعليمنا أفضل؟ فالتعليم ليس مشروعًا مكتملًا يمكن الحكم عليه في لحظة زمنية واحدة، بل هو مسارٌ طويل من التطوير المستمر، وكل نظام تعليمي في العالم يمر بمراحل من النجاح والتحدي، ومن التقدم والمراجعة. إن الأمم التي حققت قفزات كبيرة في التّعليم لم تبدأ من الشعور بالنقص، بل بدأت من الإيمان بقدرتها على التطور، لقد تعلّمت من تجارب الآخرين، لكنها لم تفقد ثقتها في قدرتها على بناء نموذجها الخاص، والفريد، والنوعي، القائم على الابتكار والجِدة. وفي المملكة العربية السعودية، تتشكّل اليوم ملامح مرحلة جديدة من تطوير التعليم في إطار التحولات الكبرى التي تقودها رؤية السعودية 2030، التي تضع التعليم في قلب مشروع التحوّل الوطني وبناء اقتصاد المعرفة. غير أن الطريق نحو تعليم أكثر جودة لا يمر عبر الإجابات السهلة، بل عبر الأسئلة العميقة التي تدفعنا إلى التفكير وإعادة النظر في ممارساتنا التعليمية، وربما كان من الأجدر في نهاية هذا المقال، أن نترك القارئ أمام مجموعة من التساؤلات التي يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للتفكير، ومن بين هذه التساؤلات: هل المشكلة في التعليم نفسه، أم في توقعاتنا المتزايدة منه؟ وهل نقيس جودة التّعليم بما يتعلمه الطالب فعلًا، أم بما يظهر في نتائج الاختبارات؟ وهل يكفي أن نحاكي تجارب الآخرين، أم ينبغي أن نصنع نموذجنا التعليمي الخاص؟ وإلى أي حدٍّ يمكن أن نوازن بين الانفتاح على التّجارب العالميّة والحفاظ على هويتنا الثقافيّة؟ ثم السؤال الأهم: متى ننتقل من مرحلة التساؤل عن جودة تعليمنا إلى مرحلة تقديم تجربة تعليميّة يتساءل الآخرون عن سر نجاحها؟ وفي الختام، تعليمنا جدير بتقديم تجربته للعالم عبر المنصات الإقليميّة والدوليّة، كونه يحمل تاريخا مشرقا في تطوره الملموس، وتجربة ثرية للتداول والقياس، وخصوصية تنفرد بها عمّن سواها في تلقي التعليم والحثّ عليه، ونحن كمعلمين دورنا يكمن في الاعتزاز بهويتنا التعليميّة، والمساهمة كلَّ المساهمة في نشر ثقافة التعليم للعالم، ونقل تجاربنا ومشاركتها في المؤتمرات الدوليّة، والمناسبات التعليميّة السنويّة، نشعر اليوم وبقوة بمنجزنا التعليمي وبتقدّمنا الحيوي، ونثق في الوقت نفسه، بقدراتنا وما لدينا من مهارات تعليمية مبتكرة من واقعنا المعاش، ومن تجارب وممارسات تربوية مميزة غير تقليدية، فلنفخر بمنجزنا التعليمي هذا، ولنباهي به العالم الآخر، ولنقدّم نماذجنا بكل فخر واعتزاز، كما ينبغي لهوية هذا الوطن العزيز. صالح بن رشيـد العضيـاني – باحث دكتـوراه – أخصائي تقويم مدرسي – معلم.