العبريون الـجُدُد.

العِـبــــَـريون نسبة إلى أبي العِبَر بفتح الباء، وهو أديب عباسي، وقد وُصف بأنه “ما كان إلا أديباً فاضلا، ولكنه رأى الحماقة أنفقَ وأنفعَ له؛ فتحامق”، ولم يسلك هذا المسلك إلا وقد نيّف على الخمسين! فهل تناسل أبو العِبَر؟ لقد صار التكسّب بالتحامق سمة لطائفة من المعاصرين، وإنك لَترى كيف اضطربت الموازين فصار المجتمع إلا قليلا يصدّر الحمقى في المجالس، ويقدمهم في المحافل، حتى تسرب إلى عقول ذوي السمت أنه لا سبيل إلى اكتساب المال، أو نيل الشهرة، أو الظفر بالوجاهة إلا بالتحامق واطراح الوقار، واجتناب السمت. وما هي إلا غمضة عين وانتباهتها حتى أكلت الحرة بثدييها وبغير ثدييها، وحتى رأينا الرجال ذوي اللحى يسفلون في التحامق فيجعل الواحد من نفسه هُزْأةً ويظن أنه هُزَأة، ويصبح ضُحْكةً وهو يرى أنه ضُحَكة. لقد تناسل أبو العِبر وصار له في عصرنا خَلَف يتطلبون الشهرة ولو بالبول في بئر زمزم، وصار أحدهم لا يقنع إلا بأن يحشد معه أهله وكأنّ من البِرّ بالوالدين أن يُجعلا شُهْرةً، والشُّهرة: ظهور الشيء في شُنْعَة حتى يَشْهَرَه الناس، وكأن من الأريحية أن يصبح الأهل كلأً مباحاً ترعى فيه الأعين. وإنك لَتعجب من استشراء هذا الداء، ويزداد عجبك من تمكّنه وعُسر الشفاء منه، فإنك “لو جالست الجهال والنوكى، والسخفاء والحمقى، شهراً فقط، لم تَنْقَ من أوضار كلامهم وخبال معانيهم بمجالسة أهل البيان والعقل دهراً؛ لأن الفساد أسرع إلى الناس، وأشد التحاماً بالطبع”. وما من تفسير لترسُّخ هذا الطبع الدنيء إلا أنهم رأوا مقامات ذوي الفضل فعلموا أنهم عاجزون عن بلوغها، وأنهم وجدوا في بيئتهم من يُثيبهم على هذه التفاهة، فها هو ذا كبيرهم الذي علمهم السُّخف لم يكن جاهلا ولكنه يتجاهل، وإن له أدباً صالحاً وشعراً طيباً، ولكنه رأى أنه لا يَنْفُقُ ويَرُوجُ مع مشاهدته أبا تمام والبحتري ونظراءَهم، فكسب بالحمق في مجالس الخلفاء والأمراء وعِلية القوم أضعاف ما كسبه كل شاعر في عصره بالجِدّ! ولئن كان للعِبَريين الجُدُد سلفٌ، أفلا يكون لمجتمعنا سلف من مجتمعه؟ قال الزبير بن بكار: قال لي عمي: ويحك! ألا يأنف الخليفة لابن عمه هذا الجاهل مما قد شهر به نفسه وفضح عشيرته! والله إنه لشرّ بني آدم جميعًا، فضلًا عن أهله والأدنين! أفلا يردعه ويمنعه من سوء اختياره! فقلت له: والله لو رأيتَ ما يصل إليه بهذه الحماقات لعذرته، فقال عمي، وقد غضب: أنا لا أعذره في هذا ولو حاز به الدنيا بأسرها، لا عذرني الله إن عذرته إذن! بل إن أباه كان شيخًا صالحًا، وكان لا يكلمه، فقال له بعض إخوانه: لم هجرتَ ابنك؟ قال: فضحني، كما تعلمون، بما يفعله بنفسه، ثم لا يرضى بذلك، حتى يهجوني ويؤذيني ويضحك الناس مني! إنه اضطراب الزمان! باضطراب الزمان ترتفع الأنذالُ فيه حتى يعمّ البلاءُ وكذا الماء راكد فإذا حُرِّكَ ثارت من قعره الأقذاءُ