وعلى ضفة الوجع، تبرز القصص الإنسانية لتكشف القناع عن بشاعة هذا السلاح الغادر. لقد رأيتُ انكسار الضوء في عيون الأمهات اللواتي فقدن قطعاً من قلوبهن وهنّ ينتظرن عودة صغارهن من المدرسة، واستمعت لزفرات رجالٍ غدوا أسرى الكراسي المتحركة بعد أن كانت الجبال تشهد على شموخ خطواتهم. إن الألغام في اليمن لا تكتفي بتمزيق الأجساد، بل هي آلة “لبتر الأحلام” وتيتيم العائلات، وتحويل القرى النابضة بالخضرة إلى مناطق أشباح يسكنها الصمت والترقب. في هذا التحقيق، أعيد صياغة المشهد من قلب الميدان، لأسرد لكم ما لم يتسع له كتابي “ألغام اليمن السعيد”؛ أروي لكم تفاصيل تلك المواجهة اليومية الشرسة بين “إرادة الموت” المستترة تحت الأرض، و”صنّاع الحياة” الذين يعيدون رسم خارطة الأمل فوقها. فالألغام المزروعة في باطن الأرض لا تفرق بين ضحاياها، وتفجعنا يوماً بعد يوم بمآسٍ جديدة مؤلمة لم تتوقف بعد، وكانت هي الأصعب خلال رحلتي. كانت الصدمة الأولى بمجرد وصولي إلى مطار عدن الدولي، حينما علمت أن الأعلام والشارات الحمراء والبيضاء التي رأيتها من نافذة الطائرة هي عبارة عن حقول ألغام داخل أسوار المطار. بالطبع مطار عدن الدولي هو البوابة الرئيسية والأهم في الوقت الحالي للمرور من وإلى اليمن سواء للمواطنين أو الحكومة الشرعية، وبسبب سيطرة الميليشيات الحوثية على المنطقة في العام 2015م، قام الحوثي بتلغيم المطار من الداخل والخارج. خلال ثلاثين يوما قضيتها بين حقول الألغام في الأراضي اليمنية التي لا تزال تعاني من الكارثة الإنسانية الكبرى، قابلت المصابين وعائلات الضحايا وفرق النازعين والمسؤولين، في عدن وتعز والمخا وباب المندب. استغرق الوقت للوصول إلى وجهتي الأولى داخل اليمن من عدن إلى تعز 8 ساعات كاملة مررت خلالها على 59 نقطة تفتيش أمنية، وبالطبع كان هناك قبل التحرك تنسيق أمني مع السلطات نظرا للظروف التي يمر بها البلد. شاهدت بأم عيني جهود النازعين الأبطال من مرحلة البحث عن اللغم واكتشافه إلى إبطاله ثم نقله إلى مكان بعيد عن البقعة السكانية لتفجيره والتخلص منه نهائيا لضمان عدم استخدامه مرة أخرى. حكايات الضحايا مقابلة ضحايا الألغام أمر ليس باليسير، إذ تشعر أمامهم ببركان من الغضب يسكن قلوبهم الجريحة، ونيران بداخلهم لا تعرف الخمود تجوب ذكرياتهم القاسية وتحيي فيها باستمرار آلام الأمس المرير. التقيت هنيدا الحميدي مسؤول إدارة الضحايا في البرنامج الوطني للتعامل مع الألغام «يمك - YEMAC»، ففتحت جعبتها بالكثير من القصص المؤلمة العالقة في ذهنها، أولها قصة حامد وإخوانه الخمسة، فكانت الأم تجهز الغداء والأب ذهب إلى عمله، وعند عودة الأب يسمع صوت انفجار ضخم أمام منزله، وتهرع الأم للخارج لتجد فاجعة في أطفالها الستة، وتركض الأم مع زوجها إلى المستشفى في غلبة من أمرهم. هنيدا كانت هناك وكانت شاهدة على تلك اللحظات العصيبة، لحظات حرجة لا يمكن للزمان طيها، فتنظر الطفلة إلى إخوانها المصابين على أسرة المستشفى من حولها وتحبو على وجهها دمعة حارقة تحكي سؤالا لازال دون إجابة: «بأي ذنب؟!» لتفارق بعدها الحياة، ثم تنظر هنيدا إلى الأبوين والصمت قد تغلغل في عروقهما ليشاهدوا عيالهم قد ماتوا واحدا تلو الآخر، ولم يبق سوى الطفل حامد وقد فقد قدميه. لغم يغتال مستقبل أحلام تقول عائلة «أحلام» -صاحبة الاثني والثلاثين ربيعاً- إنها كانت على قدر عالٍ من الجمال في سن العشرين، وحينها تمت خطبتها لشاب يمني يعيش في أمريكا بعد قصة حب طويلة استمرت لسنوات. وعندما كانت تمشي في الحارة شاهدت أطفالاً يلعبون بقطعة حديدية اشتبهت فيها، كونها تابعت حملات التوعية عن مخلفات الحرب. اقتربت الفتاة وحاولت أن تتفحصها، وعندما أمسكتها انفجر فيها لغم أخذ كف يدها اليمنى وترك لها الكثير من الندوب التي شوهت وجهها. كانت صديقتها المقربة ترافقها في المستشفى وقت الحادث، وكانت هي حلقة الوصل بينها وبين خطيبها الذي يعيش في أمريكا. لم ترأف الحياة بقلب «أحلام»؛ إذ تخلى عنها خطيبها وقام بخطبة صديقتها التي كانت معها بالمستشفى، فأصيبت «أحلام» ثلاث مرات لا مرة واحدة: مرة من اللغم، ومرتين من خطيبها وصديقتها المقربة. وقالت لي: «الوجع الذي أشعر به ليس في جسدي، أنا أشعر بالوجع في قلبي». «أحلام» هو اسم مستعار للشابة اليمنية، ضحية اللغم الغادر الذي اغتال مستقبلها، بعد أن طلبت عدم ذكر اسمها الحقيقي أو تفاصيل دقيقة عن حياتها الشخصية؛ فقد عانت لأكثر من عشر سنوات من تنمر الأقرباء والغرباء في مجتمع يَصِمُ ضحاياه كالكثير من المجتمعات. النازع عبدالله كان يقدم نفسه قبل زملائه دائماً عبدالله مهيوب أحمد النازع بفريق «مسام» كان ضحية لغم غادر فقد بسببه ذراعيه وعينه اليسرى تماما وأصيب في عينه اليمنى وفي البطن، حتى أنه تعرض لتهتك في جدار البطن بسبب كثرة العمليات الجراحية التي تلت إصابته باللغم. ذاع صيت عبدالله بين زملائه بسبب شجاعته، فكان أكثرهم تعاملا مع الألغام الفردية وكان يقدم نفسه قبل زملائه دائماً، وحينما سألته لماذا كان يقدم نفسه أجاب عبدالله بدون تردد: «العمل في الألغام لا يوجد به مغامرة.. نعم أفعلها دائما أقدم نفسي من أجل الثواب» يكمل عبدالله حديثه بنفس راضية ونحن نترجل قريبا من منزله: «طبيعة عملي تتطلب ذلك، من أجل المواطنين، ومن أجل إحياء الأنفس، فالحيوان والإنسان يموت بسبب الألغام، لم أندم أبدا على عملي، وأشكر ربي». عندما فقت من الإصابة أول شئ تذكرته أركان الإيمان، آخر ركن وهو الإيمان بالقضاء وبالقدر، فشعرت بطمأنينة عالية.. أتمنى أن أرجع أنزع الألغام مرة ثاني، ولو عاد بي الزمن لما قبل إصابتي في العام 2018م سأختار العمل في نفس المجال، أتمنى أن يواصل زملائي نزع الألغام في مدينتي تعز.. هذي كانت كلمات البطل المغوار عبدالله مهيوب الذي وضع نفسه في الصفوف الأولى للأبطال. «السيد لغم».. حاصد الألغام إنه الشهيد مروان كديش النازع بفريق «مسام»، ويعد واحدا من أكفأ النازعين وأكثرهم خبرة، ينفذ المهام الطارئة، إضافة إلى كونه مكلفا بنقل الألغام التي كان يتم جمعها من مختلف المناطق. لم يقترف مروان ذنبا سوى أنه وهب خبرته وكرس حياته في سبيل إنقاذ أرواح الناس في اليمن المستهدفين عدد أنفاسهم بألغام الغدر والانتقامة. أخلاق دمثة ومعنويات عالية وإيجابية كبيرة وإصرار على النجاح وإنقاذ الأرواح، أزهقتها عبوة ناسفة غادرة دستها يد الغدر الحوثية الدنيئة في جذع نخلة بجانب الطريق الرابط ما بين خط الخوخة - التحيتا في منطقة الجاح بمحافظة الحديدة، استشهد على إثرها مروان في نوفمبر من العام 2018م. أصيب مروان قبل استشهاده 3 مرات في محافظتي أبين ولحج، أثناء محاولة إبطال سيارتين مفخختين، وكذلك أصيب في الساحل الغربي مرتين أثناء عمليات نزع الألغام، ترك مروان بصمات في إبطال مئات الألغام والعبوات الناسفة، لينقذ أرواحا عدة من هلاك محقق ومعاناة مضنية ممن كانت ستحصدهم عبوات الموت. محمد وشقيقته.. يفصلهما جدار و6 ساعات سفر! كانت قصة محمد وشقيقته زينب الأغرب خلال رحلتي بين المدن اليمنية؛ يعيش الأخ في مديرية صبر الموادم بينما تعيش شقيقته بعد زواجها في مديرية الحوبان، اللتان تقعان داخل حدود محافظة تعز، وهناك طريق واحد يفصل بينهما، ولكن مع اندلاع الحرب، أقام الحوثيون جدارا عازلا يفصل المنطقة التابعة للحكومة الشرعية عن المنطقة التي لازالوا يسيطرون عليها داخل تعز وطوقوا المنطقة بالكامل بالألغام والعبوات. يضطر محمد إلى السفر عبر الجبال بسيارات الدفع الرباعي لمدة 6 ساعات لزيارة شقيقته زينب التي تبعد عنه بضعة أمتار، وذلك بسبب حزام الألغام المنتشرة حول المنطقة الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. أحمد خرج لزيارة والديه فعاد بدون قدميه خرج أحمد مهيوب من بيته لزيارة والديه في قرية عكاد بمديرية جبل حبشي في محافظة تعز، لكن لغماً حوثياً اعترض طريقه وسلبه كلتا قدميه وحكم عليه بأن يعيش بقية حياته بالإعاقة الدائمة. يواصل مهيوب حديثه بحرقة وألم: «كنت ذاهب لزيارة أهلي كوني لم التق بهم منذ مدة طويلة، وأثناء سيري في طريق جبلية، انفجر بي لغم، ولم أشعر بألم في حينها، وكل ما أتذكره هو دخان يتصاعد من حولي، والدماء تذرف مني، ليهرع الناس إلي ويتم نقلي إلى المستشفى». «لدي أسرة أعيلها، وأطفال ينظرون في وجهي منتظرين مني الكثير لأقدمه لهم، لكن اللغم أخذ كل شيء مني، أخذ أرجلي، وأخذ قوت أطفالي، فأنا كنت أعمل في البناء، والنجارة، والحدادة، وأعيل أسرتي، لكن الآن أصبحت غير قادر على فعل شيء فكل هذه المهن بحاجة إلى جسم مكتمل، وأنا أصبحت مبتور الأطراف، ولا أقدر على العمل». مهيوب يؤكد أن زراعة الألغام جريمة إنسانية، تستهدف المواطنين الأبرياء بالدرجة الأولى، لأنه لا يوجد أي هدف لزراعة الألغام في بيوت المواطنين، ومزارعهم، ومصادر رزقهم، غير استهداف المدنيين وتهجيرهم، متسائلا إذا لم يكن هدف الميليشيات ذلك فما الذي يجعلهم يستمرون بزراعة الألغام في منازل المدنيين ومصادر رزقهم بهذه العشوائية والكثافة، غير أنهم أصبحوا دمويين مجردين من كل معاني الإنسانية. دور العبادة لم تسلم كان من الصادم مشهد لم يكن متوقعاً ولم يخطر على بالي أن أراه يوماً، فبين المباني المدمرة، شاهدت خلال الطرقات أحد المساجد بمنطقة ثعبات في تعز، وقد اخترقت الرصاصات الحوثية جدران المسجد ومأذنته. وبسبب التعليمات الأمنية لم يكن باستطاعتي التوقف في جميع المناطق خلال رحلتي، فسارعت بالتقاط صورة من هاتفي، يقينا مني بأن الكلمات مهما وصلت بلاغتها ستبقى ضعيفة أمام وصف هذا المشهد وتوثيقه. وفي البحث عن تاريخ الانتهاكات الحوثية لدور العبادة، توصلت إلى تقرير صادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، تم نشره على وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) في نهاية العام 2022م، يوثق نحو (3370) واقعة انتهاكات طالت المساجد ودور العبادة في (14) محافظة ارتكبتها الميليشيات -التي تطلق على نفسها «أنصار الله»- خلال الفترة من 1 يناير 2015م وحتى 30 أبريل 2022م. استهداف المزارع والمنشآت المدنية بعد أيام قضيتها وسط حقول الألغام في تعز، انطلقت إلى المخاء، وكانت بدايتي هناك بزيارة إلى حقول المزارعين، حيث يعمل الأهالي في الزراعة كمصدر رزق لهم، ولكن بعد سيطرة الحوثيين على المنطقة وعودة الأهالي إلى مزارعهم، وقعت العديد من الحوادث التي طالت الإنسان والحيوان كذلك، فقام الحوثيون بتلغيم مصادر المياه والطرقات والحقول، فاضطر المزارعون إلى مغادرة حقولهم والبحث عن مكان آخر حتى تشققت الأرض وماتت ثمارها، ثم جاءت فرق “مسام” لنزع الألغام، لتعيد مرة أخرى الحياة لهذه المنطقة بعد العمل على تطهيرها من الألغام، ما ساهم في عودة المزارعين إلى أراضيهم من جديد. زرعت الميليشيات الألغام بالقرب من (أو داخل) المنشآت المدنية التالية: ٠ دور العبادة. ٠المراكز الصحية. ٠ مدارس. ٠ أماكن الصيد. ٠ طرق رئيسية ومداخل المدن. ٠ القرى. ٠المنازل. ٠ مزارع - مناطق رعي. ٠ مصادر المياه (آبار وخزانات). الألغام تستهدف 344 مدرسة نعم هذا الرقم الصادم حقيقي للأسف، فاليمن الآن يعيش وضعا تعليمياً متدهوراً بسبب تدمير المدارس في محافظات تعز ومأرب والحديدة وشبوة وحجة والجوف، وأصبحت مئات المدارس أسيرة للألغام والعبوات الناسفة التي حولتها إلى أماكن للموت، ما أدى إلى إصابة الطلاب وأهاليهم وكذلك المعلمين بالخوف والهلع وتعطيل عملية التعليم في هذه المناطق. نثر الحوثيون الألغام والعبوات الناسفة حول المدارس وفي ساحاتها الداخلية وفصولها، بأعداد فلكية وعشوائية فجة وتمويهات محكمة، حتى يتم إيقاع أكبر عدد من الضحايا، وبث الرعب فيهم لعدم التفكير بالعودة أبداً لهذه المدارس الملغومة، وباتت 344 مدرسة في الجمهورية اليمنية حبيسة أطواق الألغام منها مدارس متضررة وأخرى دمرت كليا كأنها لم تكن. التحديات لا تقتصر الصعوبة والخطورة في العمل على عملية النزع فقط، بل هناك تحديات تقنية ولوجستية تواجهها فرق النازعين أبرزها: الألغام المموهة: صناعة ألغام بأشكال تشبه الصخور ولعب الأطفال ومستحضرات تجميل أو الأشياء اليومية لخداع المدنيين. الزراعة العشوائية: غياب خرائط توضح أماكن زراعة الألغام، مما يجعل عملية المسح صعبة وخطيرة. التضاريس الوعرة: العمل في جبال وصحاري شاسعة تحت ظروف مناخية قاسية. وبالرغم من الاحتياطات التي يبذلها الخبراء وفرق مشروع «مسام» لنزع الألغام، إلا أن الحوثيين ابتكروا أساليب جديدة وغير متوافقة مع قواعد ومبادئ الحرب، وفي حالات كثيرة قاموا بصناعة ألغام وعبوات ناسفة على شكل أحجار وصخور طبيعية وقوالب كرتونية تمويهية وألعاب يستهويها الأطفال وأشكال لم تكن معروفة من قبل، وقد بذل خبراء المشروع جهوداً كبيرة في سبيل التعامل معها. في المنطقة الشرقية من محافظة تعز، تم اكتشاف حقيبة نسائية مخصصة لأدوات التجميل تحتوي على لغم فردي ودواسة مطورة حديثاً تم إلصاقها بالغطاء العلوي الداخلي للحقيبة، وبطارية وصاعق كهربائي، وقام فريق مشروع «مسام» بتفكيك العبوة وتأمينها. وعن نوع اللغم الذي تم اكتشافه، قال العميد عارف القحطاني مشرف «مسام» في محافظة تعز، إنه يعمل بنظامين الضغط والسحب، والدواسة التي وجدت تعمل على تسهيل عملية التفجير عند فتح غطاء الحقيبة أو إغلاقها أو الضغط عليها، وهو ما يعني مصرع كل من يحاول اكتشاف محتوى الحقيبة. ويقول القحطاني إن واقعة الحقيبة النسائية المفخخة تمثل تحولاً جديداً في الاستهداف الحوثي للمرأة اليمنية. مؤكدا أن هذه العبوة صناعة محلية تم تطويرها في معامل الميليشيات الحوثية التي لم تتوقف يوماً واحداً عن العمل على استحداث كل ما من شأنه قتل أكبر عدد من المدنيين. وأشار قائد الفريق «33 مسام» إلى أن ما تم اكتشافه يعتبر مؤشراً على تغيير استراتيجية التمويه المعتادة من الميليشيات الإجرامية التي لم تراعِ أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية ولا قدسية العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك التي يحرص كل مسلم على استغلالها للتقرب إلى الله، حيث شرعت في تنويع أدوات القتل والتدمير مستهدفة المدنيين. «مسام» ينقذ اليمن من براثن الموت 32 فريقاً تابعاً لمشروع «مسام» لنزع الألغام- اليمن، يعملون على الأرض منذ منتصف العام 2018م في جميع المحافظات المحررة الملوثة بالألغام، يواجهون في الميدان مشروع موت منظم، وليس مجرد آثار ومخلفات حرب، ووصل الحال إلى حد زرع عبوات لاستهداف وقتل خبراء المشروع. وفي العام 2025م، وسَّع «مسام» نطاق عملياته بإضافة 10 فرق لإزالة الألغام يدوياً. وقد تم نشر هذه الفرق في محافظة ميدي، كما تعمل هذه الفرق في محافظة حجة مع التركيز على ميدي والمناطق المحيطة بها لتسهيل جهود إعادة الإعمار في المنطقة. ويتكون طاقم مشروع «مسام» من 744 موظفاً ويتكون كل فريق من كوادر وطنية يمنية تضم القائد والنازعين ومسعف وسائقين، تم تدريبهم لهذا الغرض وانتدب المشروع 30 خبيرا من الخبراء السعوديين والأجانب الذين يقومون بعمليات الإشراف والتدريب والتجهيز من خلال غرف عمليات المشروع في مأرب وعدن. وتعد كاسحة الألغام PT 300، المستخدمة في عمليات التطهير والمسح في أنحاء عديدة من العالم، جزءًا لا يتجزأ من معدات مشروع «مسام» الأساسية. أثبتت الكاسحة جدارتها منذ اليوم الأول لانضمامها إلى معدات المشروع، وعملت على تأمين مسارات آمنة لوصول فرق مسام لإزالة الألغام يدوياً إلى المناطق الخطرة لبدء عمليات التطهير. أرقام صادمة بحسب الإحصائيات التي حصلت عليها من وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان اليمنية، بخصوص أعداد ضحايا الألغام، فقد جاءت الأرقام صادمة جداً؛ إذ سقط 4501 قتيلٍ، بينما بلغ عدد المصابين 5083 مواطناً، خلال الفترة من عام 2014م وحتى نهاية عام 2024م. ونزعت فرق مشروع «مسام» في اليمن منذ منتصف عام 2018م وحتى فبراير 2026م ما مجموعه 544,187 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة، في مختلف المناطق المتأثرة بالألغام، توزعت على النحو التالي: 378,257 ذخيرة غير منفجرة، و8,403 عبوة ناسفة، و150,435 لغماً مضاداً للدبابات، و7,029 لغماً مضاداً للأفراد، بإجمالي مساحة مطهرة بلغت نحو 77,937,620 متراً مربعاً من الأراضي اليمنية. وفي إطار التضحيات التي قدمها «مسام» استشهد 30 من العاملين في المشروع بينهم 5 خبراء أجانب لقوا مصرعهم أثناء أداء رسالتهم الإنسانية في تطهير الأراضي اليمنية من الألغام منذ بداية عمل المشروع وحتى اليوم. أكثر المناطق تضرراً من الألغام تعد محافظة تعز أكثر المحافظات اليمنية تأثرا، وتمكنت فرق «مسام» من نزع وتفكيك 129,507 لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة في محافظة تعز. تأتي محافظة عدن في المرتبة الثانية، حيث تمكنت فرق «مسام» في عدن من نزع وتفكيك 128,534 لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة، تليها محافظة مأرب في المرتبة الثالثة حيث تمكنت فرق «مسام» من نزع وتفكيك 119,543 لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة في عدن. بعد ذلك تأتي محافظات شبوة والجوف في المرتبتين الرابعة والخامسة، حيث تمكنت فرق «مسام» من نزع وتفكيك 49,727 لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة في شبوة، و 48,359 في محافظة الجوف. وفي المرتبتين السادسة والسابعة تأتي محافظة الحديدة ثم محافظة لحج حيث تمكنت فرق «مسام» من نزع وتفكيك 27,154 لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة في الحديدة، و14,481 في لحج. تأتي بعد ذلك محافظات حجة والضالع والبيضاء وصعدة وصنعاء وأبين، حيث تمكنت فرق «مسام» من نزع وتفكيك 9,155 لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة. مركز الأطراف يعيد الأمل للمصابين لم أغادر عدن قبل زيارة مركز الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل، فهنا داخل كل غرفة حكاية مؤلمة، ووراء كل صورة قصة أسرة مدمرة إحداها للطفلة ذكرى صاحبة الـ 11 عاما، فتقول عنها الطبيبة أروى هائل سعيد: «أتت ذكرى من محافظة الحديدة إلى مركز الأطراف في عدن بعد 6 أشهر من تعرضها لبتر الطرفين السفليين بسبب لغم، وكانت مداومة بإصرار أكثر من الأشخاص البالغين، وعندما استلمت الطرفين الصناعيين كانت سعيدة للغاية وكان لديها عزيمة وقوة غير طبيعية، جميعنا لا ننساها، ولا ننسى تجربتها الأولى في المشي بالطرفين بكل حماس وهي تحلم أن تركض من جديد». وبادر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية إلى دعم تمويل برنامج الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل في الجمهورية اليمنية في أربع محافظات (مأرب - عدن - تعز - حضرموت) لتقديم الخدمات الصحية بالمجان لذوي الاحتياجات الخاصة ولاسيما حالات البتر والمعاقين حركيا. ما بين الأطراف الصناعية والأطراف التقويمية وإعادة تقويم وصيانة للأطراف التي تم تركيبها من قبل. وبلغ عدد الخدمات الإجمالي المقدمة منذ يناير 2020 وحتى 31 ديسمبر 2024 في 4 محافظات، 298,999 خدمة مجانية، وبلغ عدد المستفيدين 109,463 مواطنا، كما تم تركيب وتسليم 10,851 أطراف صناعية وأجهزة تقويمية. كيف يتم التخلص من الألغام؟ كانت الأيام التي قضيتها في تعز والمخاء كفيلة لأدرك الآلية التي يعمل بها نازعو الألغام، حيث رسم القائمون على مشروع «مسام» بالتشاور مع الخبراء المحليين والدوليين وكذلك القائمين على البرنامج الوطني اليمني للتعامل مع الألغام «يمك - YEMAC»، آلية تتمثل في الآتي: - متابعة المناطق التي يتم تحريرها أولاً بأول وتحديد الأماكن ذات الأولوية الإنسانية العاجلة، مثل: القرى والطرق والمدارس ودور العبادة والمزارع ومناطق الرعي، لتسهيل الحركة الآمنة للمدنيين ولتسهيل وصولهم للسلع والخدمات الأساسية اليومية. - بعد تحديد الأماكن عالية التأثير تقوم فرق المشروع بالتحرك بشكل سريع ودقيق لرصد المواقع المحتمل وجود ألغام وذخائر فيها استجابة للحالات الإنسانية. - عند تحديد مواقع وجود الألغام والذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة يتم البدء بتنفيذ عمليات إزالتها من جميع المواقع المحددة. - يتم الانتقال بعد ذلك للقيام بمسح شامل لباقي أماكن المنطقة التي تم تحريرها وتحديد مواقع الألغام والذخائر غير المنفجرة وتنفيذ عمليات الإزالة والتطهير لها. - الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بنزع الألغام في عمليات التطهير الشاملة. - تحديد المناطق الملوثة بالألغام عبر إجراء مسوحات فنية، وبدء عمليات تطهير يدوية في جميع المواقع المؤكدة بما يتماشى مع المعايير الدولية المتعلقة بنزع الألغام. - يتم جمع الألغام والذخائر والعبوات الناسفة وتحريزها في أماكن بعيدة عن طرق ومعايش ومصالح الناس، ثم القيام بتفجيرها وفق البروتوكولات المعمول بها في التخلص من مثل هذه المتفجرات. ------- وزير الإعلام اليمني: «مسام» يعكس الدعم الأخوي اللامحدود للمملكة.. القصيبي: اليمن سيحتاج إلى سنوات طويلة لإنجاز مهمة نزع الألغام. يحمل خبراء نزع الألغام على عاتقهم طوال الوقت مسؤولية تنفيذ العمليات باحترافية عالية لتتحقق الأهداف بوتيرة متسارعة من ناحية، ومن ناحية أخرى لتدريب وتأهيل فرق يمنية تتولى تطهير الأراضي اليمنية المحررة، فضلاً عن الإشراف على عمليات النزع والتطهير والإتلاف بصورة منظمة وآمنة. ويقول الأستاذ أسامة بن يوسف القصيبي، مدير عام مشروع «مسام» لنزع الألغام - اليمن، في مواجهة الأزمة الكبيرة التي يعيشها اليمن الشقيق المتمثلة في اعتداء جماعة الحوثي الإرهابية على حقه في الاستقرار، والتنمية، والرخاء، والاعتداء على حق شعبه في العيش بأمن، وأمان، فتحت المملكة العربية السعودية نوافذ أمل يمكن من خلالها تجاوز الحاضر المؤلم إلى غدٍ أفضل بإذن الله. ويضيف القصيبي: من أبرز هذه النوافذ إنشاء مشروع «مسام» لنزع الألغام - اليمن، والذي يمثل حاجزاً منيعاً أمام الدمار والقتل اليومي الذي يعيشه المواطن اليمني في سيره وترحاله ومعاشه، في الطرقات والمزارع والخلاء، والمدارس، والمساجد حيث كفل لها القانون الدولي الإنساني الحماية باعتبارها أماكن مدنية لا يجب أن تكون مسرحاً للعمليات العسكرية خلال النزاعات المسلحة. وأوضح القصيبي أن مشروع «مسام» يسابق الزمن لنزع وإزالة الملايين من الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة التي أحالت أرض اليمن السعيد إلى حقل موت كبير، ورغم غياب الإحصائيات الدقيقة المتعلقة بملف الألغام في اليمن إلا أن البلاد أصبحت حاضرة -للأسف- في قائمة الدول الأكثر تضرراً بسبب الألغام على الصعيد العالمي. يمضي «مسام» قدماً في سنته الثامنة، مواصلاً ما أنجزه خلال السنوات الماضية من أعمال ضخمة تشير لحجم الكارثة، والمأساة، وتعبر عن حجم الجهد المبذول من قبل فرق المشروع في سبيل أداء الواجب الإنساني المتمثل في إزالة الخطر اليومي في الألغام، والعبوات الناسفة التي لم تتوقف ميليشيات الحوثي الإرهابية يوماً عن زراعتها، معرضة بذلك حياة الإنسان والحيوان والنبات للهلاك، وما يصاحب ذلك من أضرار نفسية يعاني منها ضحايا هذه الفِخاخ وأسرهم. وفي مقابل هذه الأخطار، وما يصاحبها من ظروف صعبة للغاية وضع القائمون على مشروع «مسام» لنزع الألغام - اليمن، نصب أعينهم وقرروا بدء العمل مهما تطلب الأمر من تضحيات من أجل إعادة الأمور إلى طبيعتها، والوصول إلى ضمان خلو الأراضي اليمنية من الألغام، والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة، وإعادة الأرض إلى سابق عهدها بيئة خصبة صالحة للزراعة، والإنتاج من أجل حياة الإنسان. لقد عمل «مسام» في ظل غياب أبرز متطلبات عمليات نزع الألغام، حيث لم تتوفر خرائط لمواقع الزراعة، ولم تتوقف عمليات الزراعة العشوائية للألغام والعبوات الناسفة وأعمال التطوير والتحويل المستمرة من قبل جماعة الحوثي الإرهابية للألغام والعبوات الناسفة، إضافة إلى عوامل التضاريس الصعبة والمعقدة، وقد تمكن مشروع «مسام» من إنقاذ حياة الملايين من أبناء الشعب اليمني وأزال أدوات موت لا تفرق بين طفل أو امرأة أو شيخ طاعن في السن، فأصبح أنموذجاً تعترف الدول والمنظمات الدولية بقدراته وكفاءة منتسبيه في العمل القائم على استراتيجية علمية وأساليب عمل تواكب كل جديد في أعمال نزع الألغام. اليمن سيحتاج إلى سنوات طويلة لإنجاز مهمة نزع الألغام من أراضيه، هذا إذا تمكنا يوما من الأيام من الحصول على خرائط أو إحداثيات لتسهيل مهام نزع الألغام في الجمهورية اليمنية، لكي تعود الحياة الطبيعية وتنمو الحركة الاقتصادية وكذلك الزراعة والتعليم وصيد الأسماك وغيرها، فكل هذا مرتبط ارتباط جذري بعمليات نزع الألغام. ويقول وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن جريمة الاستمرار في زراعة الألغام بحد ذاتها تكفي لتقديم قيادات الحوثي للمحاكمة في محكمة الجنايات الدولية، ونحن ندين استمرار ميليشيات الحوثي الإرهابية في زراعة الألغام بشكل عشوائي، إن حجم الألغام التي زرعتها هذه الميليشيات لم يتم زراعتها في أي مكان على الكرة الأرضية منذ الحرب العالمية الثانية. وأكد الإرياني أن الدور الذي يقوم به مشروع «مسام» لنزع الألغام - اليمن والتعاون القائم مع البرنامج الوطني للتعامل مع الألغام، هذا الجهد محل متابعة واهتمام وتقدير كافة اليمنيين على المستويين الرسمي والشعبي باعتبار ما يقوم به مشروع «مسام» يحافظ على حياة المواطنين، وعلى وسائل الإعلام التعاون مع مشروع «مسام» والبرنامج الوطني للتعامل مع الالغام وإبراز الجهود التي يقومون بها في إطار تطهير المناطق المحررة من الألغام وكذا بث رسائل توعية التي ينتجها البرنامجين. ولفت الإرياني إلى أن هذا المشروع يأتي في سياق الدعم الأخوي الكبير واللامحدود الذي تقدمه المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز لليمن وهو تعبير عن المواقف الأخوية النبيلة وحالة الالتحام ووحدة المصير بين القيادتين والشعبين الشقيقين.