في ديوان « مزدحم في الفراغ » لعلي مكي الشيخ..

من الرمزي إلى الغنائي، من الجماد إلى الحلم.

“مُزدَحِمٌ بالفَراغ “ ، هو عنوان يفتح تأويلاته من اللحظة الأولى، وفيه توتّر لغوي دلالي يجذب الناقد قبل القارئ لأن الازدحام ضدّ الفراغ، فإذا اجتمعا نشأ منهما التناقض الذي هو جوهر الشعر. ديوان ماتع مبهج ينتقل بك من القصائد الرومانسية الرمزية المتقاطعة مع الفلسفة الوجدانية إلى قصائد التجربة الوجودية الميتا لسانية إلى روح التجديد الذي تجد فيه الشعر كائنًا حيًا متحولاً. في قصيدة ( أيا نكهة الرمان ) وهي من طرازٍ رومانسيّ رمزيّ ملهم، تتقاطع فيها الرغبة الحسية مع الفلسفة الوجدانية. اللغة فيها تُطرّز المعنى لا لتشرحه بل لتخفيه في جمالٍ غامض، كما تفعل الموسيقى في نغمةٍ حزينةٍ لا يُدرى من أين يأتي وجعها يقول : لكَ الظلُّ والأشواقُ ينحتُها الصوتُ وخلفَ ابتكارِ الرقصِ يهزمُكَ الصمتُ هنا تتجلّى فلسفة الجمال الممزوجة بالتناقض؛ فالظلّ والأشواق، رمزان للرغبة الخفيّة التي لا تكتمل إلا حين تُصاغ بالصوت ؛ أي حين ينحت التعبيرُ الحنينَ في وجه الوجود. لكن المفارقة الكبرى أن هذا الصوت وهو ذروة الحياة، يعجز أمام الصمت في النهاية. إنه الصراع الأبدي بين البوح والسكوت، بين الفنّ والحقيقة، بين الرغبة والعدم. ثم يقول: أيا نكهةَ الرمانِ في لفتةِ الهوى تجيئينَ إيقاعاً.. ليحضنَكِ الوقتُ يخرج الشاعر من الرمزي إلى الغنائي، من الجماد إلى الحلم. الرمان هنا ليست فاكهة، بل رائحة أنثى وزمنٍ عاشق. “ نكهة الرمان “ هي استعارة عن أنوثة متجسدة في العطر واللون والحضور الزمني. إنها تأتي “ إيقاعاً “، أي لحظةً موسيقية في مسرح الزمن، فيحتضنها الوقت كما يحتضن البحرُ موجتَه ؛ لا ليقيّدها، بل ليذوب فيها. بهذا المعنى، الزمن في القصيدة ليس عدوًّا، بل عاشقٌ يتطهّر في جمالها. أما في قصيدة “ مزدحم بالفراغ “ النص يتحرك في فضاء من التناقضات الجمالية التي تصنع المعنى عبر الانزياح البلاغي، حيث تتوالد الصورة من مفارقة لغوية تصنعها الأضداد: الازدحام والفراغ، الماء والغيب، الصمت والصدى. كلّها تشكّل شبكة من العلاقات المزدوجة التي تُعبّر عن تجربة ذاتٍ مأزومة بالامتلاء الداخلي رغم خواء العالم الخارجي. النصّ يشتغل على جدلية الحضور والغياب؛ فتجد” الماء قبل شهيقه اغترفك “ يقدّم الكائن الشعري في هيئة المغمور بالمعنى قبل أن يتكوّن النفس نفسه، أي قبل أن يبدأ الوجود الفيزيائي، فيتحول الاغتراف إلى فعل كوني سابق للوعي، بينما “ الغيب بعد هطوله اكتشفك “ يعيد إنتاج الوجود على هيئة كشفٍ بعد خفاء، كأنّ الذات مرتين تُولد: أولاً في رحم الماء، وثانيًا في هطول الغيب. أما “ الصمت خلف صداه كان يعي أن المهابة تقتفي شغفك “ فهي ذروة النصّ من حيث التوتّر الدلالي. هنا الصمت فاعلٌ واعٍ، يملك إدراكًا، ويقف خلف صدى ليس له، في إشارة إلى أن الهيبة والتي هي نقيض الشغف ؛ ليست سوى ظلٍّ للشغف نفسه. “ وفراغ وجهي كان مزدحمًا “ تعيد القفلة إلى العنوان، لكنها هذه المرة تُجسّد المفهوم بالملموس: الوجه (علامة الهوية) مزدحم بالفراغ (علامة الفقد). هذا التناقض يولّد ما يسميه الغذامي بجمالية الانتهاك اللغوي، إذ ينكسر المعنى المألوف لتولد لغة جديدة من رحم المفارقة. أما “ ذنب المجاز بأنه اقترفك “ فهو اعتراف لغوي بأنّ الشعر نفسه مذنب، لأنّ المجاز وهو أداة الخلق ؛ صار سبباً في الوجد فلهذا هنا يتحوّل النصّ من تجربة شعورية إلى وعي نقدي داخل النص نفسه، وهذا من خصائص الشعر الحديث. ونستشهد ببعض الأبيات مثل : الماءُ قبلَ شهيقهِ اغترفَك والغَيبُ بعدَ هطوله اكتشفَكْ هنا يتحرك الشاعر من الفيزيائي إلى الميتافيزيقي. “الماء” و”الغيب” رمزان لحركة الحياة والمعنى، لكن الفعلين “اغترفك” و”اكتشفك” يحيلان إلى مفعولية الذات. وفراغٌ.. وجهي كان.. مزدحِمًا ذنبَ المجازِ بأنه اقترفَك الفراغ هنا لم يعد خواءً، بل تحوّل إلى مرآةٍ مزدحمةٍ بالصور، تمامًا كما يتحوّل الصمت إلى ضجيجٍ باطني. “ وجهي كان مزدحِمًا “ ؛ أي أن المظهر الخارجي للذات يغصّ بالمعاني المكبوتة. ثم تأتي الجملة الأخيرة كإدانة ميتاشعرية: “ ذنبَ المجاز بأنه اقترفك “. هنا يتكلم الشاعر عن وعي لغوي بالكتابة ذاتها؛ فالمجاز الذي يُفترض أنه أداة التعبير، صار مذنبًا لأنه كشف أكثر مما ينبغي ،إنها لحظة وعي نقدي داخل النص، حين يلوم الشاعر اللغة لأنها فضحته بالشعر،فمجددًا النص إذًا ليس عن “ الفراغ “، بل عن الامتلاء بالغياب، ليس عن “ الماء “، بل عن الذات حين تغتسل بوجودها الداخلي، وليس عن “ المجاز”، بل عن اللغة وهي تُحاكم نفسها لأنها تجرأت على الكشف ولهذا يكون النص تجربة وجودية ميتالسانية (تتحدث عن اللغة داخل اللغة). أما قصيدة “ سربتُه قدرًا “ نصّ ذو طابع رؤيوي صوفي حديث، يحاور مفاهيم الخلق الشعري والنبوة والمعرفة من خلال لغة تُزاوج بين الرؤيا والوجع وكذلك بين الإيقاع الداخلي ودهشة المعنى ، إن في هذه القصيدة روحًا تذكّرني بما كان يدعو إليه أحمد زكي أبوشادي من أن الشعر ليس زخرفًا للعبارة إنما انبعاث لسر الحياة في اللغة. فالشاعر هنا لا يكتب عن وجعه لكنه ينسج من الوجع معناه، وكأن الألم عنده مادة الخلق الأولى، يُنبت منها نبوّته وشِعره في آنٍ واحد. أثثته وجعًا بحجم طفولتي فنما بحجم الأنبياء تألمه في هذين البيتين نلمح المفارقة الكبرى: الطفولة ؛ رمز النقاء وتصبح مسكنًا للوجع، والوجع نفسه يتسامى إلى مقام الأنبياء قد هزَّ جذع الوحي من ضحكاته رطبًا تساقط في المساء تبسمه هذا من أجمل المواضع، إذ يوظف الشاعر تضمينًا قرآنيًا دون أن يفقد نضارة الصورة، فيه يحيل إلى مريم التي تهز جذع النخلة، لكنه يقلب المشهد: هنا الوحي يُهزُّ بالضحك، والضحك يُثمر “ رطبًا من التبسم “ ، وهذا انقلاب بلاغي بديع ؛ يجعل الوحي نفسه يتولّد من البهجة، لا من الخشوع فقط ؛ وفي ذلك نزعة “أبولّية” راقية: أن الجمال طريق إلى الحقيقة. ومما يجدر الإشارة إليه هو براعة الشاعر في استخدام البتر المقصود والذي قد عبر عنه ذات لقاء بـ ( هندسة الفراغ ) والديوان يضج وفعلاً مزدحم ! حيث يضطرك للتفكير مليًا بالمقصود متأملاً التأويلات التي يصل لها المتلقي وكمثال لا الحصر : في نص يمشي وراء فمي يقول .. يمشي وراء فمي بعضي فأتبعه بدهشةٍ نحتت آثارَ منسأتي