قصيدة «إنني حواء»للشاعرة أديم الأنصاري..

تجلّيات الصوت الأنثوي وخطاب الانزياح .

شهدت الساحة الأدبيّة في منطقة الخليج العربي خلال العقود الأخيرة تحوّلًا نوعيًّا في حضور الصوت الشعري النسوي، حيث تجاوزت الشاعرات الخليجيّات حدود الكتابة الأنثويّة التقليديّة المقدّمة لواجب الطاعة والولاء للآخر، إلى تأسيس ذات واعية قادرة على تمثّل الخطاب الشعري فنّيًّا وجماليًّا ورؤيويًّا. غير أنّ التجربة الخليجيّة تتميّز بخصوصيّتها الثقافيّة والدينيّة، ما يمنحها بعدًا مغايرًا لا يقوم على القطيعة مع التراث، إنّما يعمل على تفكيكه وإعادة بنائه من الداخل. وفي قلب هذا المشهد الإبداعي المتفرّد، تبرز المملكة العربيّة السعوديّة كحاضنة لتجارب نسويّة رائدة انتقلت بالقصيدة من ضيق المألوف إلى رحابة التجريب، ومن رتابة القناعات المسبقة إلى قلق السؤال. ومن بين هذه الأصوات النسويّة البارزة، تطلّ الدكتورة أديم بنت ناصر الأنصاري، الأكاديميّة المتخصّصة في الأدب والنقد، والشاعرة التي استطاعت أن تؤسّس لخطاب شعري يمزج بين الأصالة والمعاصرة، لتقدّم للخزانة الشعريّة العربيّة أعمالًا لافتة كان آخرها ديوان “إنني حواء” الذي يمثّل بيانًا شعريًّا متكاملًا للصوت الأنثوي في المشهد الثقافي السعودي والخليجي. تتناول هذه الدراسة النقديّة استراتيجيّات الانزياح التي توظّفها الشاعرة لبناء خطاب أنثويّ مفاوِض، حيث تنطلق من مساءلة الصور النمطيّة والتراكيب اللغويّة التقليديّة من داخل النصّ الشعريّ نفسه، لتحويلها إلى أدوات للتعبير عن الذات وخلق معانٍ جديدة. القصيدة التي بين أيدينا، “إِنَّنِي حَوَّاءُ”، هي نصّ يُضاف إلى المدوّنة الشعريّة العربيّة المعاصرة، وبيان وجودي وجمالي يصدر عن صوتٍ نسويٍّ واعٍ بذاته، مدركٍ لقدرته على التأسيس لخطابٍ مغايرٍ. إنّها قصيدة تُعيد تشكيل الجمال من منظور أنثوي صريح، لتؤسّس لشراكة وجوديّة تبدأ من لحظة الندِّيّة التي تُعلنها الشاعرة من عتبة العنوان: “إِنَّنِي حَوَّاءُ”. هذا الإعلان هو استيلادٌ جديدٌ للذات عبر اللغة، حيث تتحوّل “حوّاء” من اسم علم إلى مفهومٍ شعريّ شامل يمثّل مبدأ التأنيث والإغراء المعرفي والجمالي. يبلغ الانزياح الأنثوي ذروته في المقابلة الذكيّة بين “الرويّ” الشعري و”الإقواء” العروضي. يكتسب هذا الانزياح بُعدًا نظريًا عميقًا، فالمرأة تستطيع تفكيك اللغة الأبويّة من الداخل عبر الكتابة من الجسد واللاوعي. هذا تمامًا ما تفعله أديم الأنصاري عندما تلعب على “الإقواء” العروضي؛ وتعيد تشكيل قوانين الوزن والقافية نفسها. فالشاعرة تعلن اكتمال بنائها الفنّي: “أتممتُ قافيتي بحسن رويّها”، بينما يعاني بيت الرجل من “الإقواء”، وهو عيبٌ عروضيّ يخلّ بالإيقاع. هذا استعارة كبرى عن اكتمال المنظومة الفكريّة والجماليّة الأنثويّة مقابل خلخلة في المنظومة الأخرى. ثم تستمرّ المقابلة: “وجعلتُ بيتي عامًا ومعمَّرًا / وهناك بيتُكَ عمّهُ الإخواءُ”. فبينما تبني هي بيتًا ثابت الأركان، فإنّ بيت الرجل يعمّه الخراب. اللغة هنا تستدعي ثنائيّة العمران والخراب لصالح الصوت الأنثوي الباني. وتمتدّ سيطرة هذا الصوت الأنثويّ لتشمل الفضاء الكوني. فبينما يختبئ الرجل (“وبكَ النجومُ تخبّأت بفضائها”)، تطلّ “أضواء” الشاعرة فوق نجومها. الانزياح يتمثّل في تحويل “الأضواء” من مجرّد إضاءة مسرحيّة إلى عنصر فاعل يعلو على النجوم. الأضواء هنا هي أنوار الإبداع والرؤية والتميّز. ثم تأتي مفارقة جميلة: “حلّقْتَ في الأجواء تنشد طيرها / وجميلةٌ بربيعيَ الأجواءُ”. هو يحلّق بحثًا عن الطير، وهي تمتلك الأجواء الربيعيّة الجميلة في عالمها. الانزياح هنا صوتي ودلالي؛ فهي لا تحتاج إلى التحليق، لأنّ الجمال حاضرٌ في فضائها الداخلي. ثمّ يتحوّل الخطاب من حوار الندِّيّة إلى استنطاق وجودي: “فمَنِ الذين تمرّغوا في لهوهم / وإذا هوَوا لعنتهمُ الأهواءُ / ومَن الذي ألقاهُ برء صبابتي / فوقفتُ حيث الداءُ والأدواءُ”. هنا يتجلّى البوح النسوي بجرأة غير مسبوقة. إنّها تتّهم “الذين” – وهم صورة مجازيّة عن نمط من الفكر – بالتمرّغ في اللهو، ثم تسأل بمرارة عن سبب إلقائها في بحر العلل بعد أن كانت تبحث عن الشفاء. هذا ليس ضعفًا، لكنّه اتّهامٌ صريح لنظام قِيَمي ألقى بها في متاهة العلل. لكن هذا الصوت لا يبقى في حالة الضحيّة دائمًا، إنّما يتحوّل إلى صوت الفاعلة: “أسقي فؤادًا هائمًا متعطّشًا / حتّى تمادى السقيُ والإرواءُ”. يتجسّد هنا ما يسمّى “الكتابة من الجسد الأنثوي”، حيث تصبح الأنثى مصدر المعنى والعطاء. الكتابة الأنثويّة هي تلك التي تخرج من الجسد، من الإيقاعات الحيويّة، ولا تخضع لمنطق العقل الذكوري الصارم، فالشاعرة هنا تقدّم نموذجًا للعطاء الجسدي والعاطفي الذي يتجاوز الحدود العقلانية. لكن الانزياح الأنثوي يكمن في أنّ هذا العطاء “تمادى”، أي تجاوز الحدّ، ما يحوّله من فعل حنون إلى فعل خطير قد يؤدّي إلى الغرق. هنا تتعالى الحكمة الأنثويّة لتنذر نفسها: “لاتُغْرِني لا تُغوِني لا تُلهِني / فهوايتي الإغراءُ والإغواءُ”. هذا التكرار الناهي هو لحظة وعي عميق بالذات. إنّها تعترف بأنّ “هوايتها” – أي ماهيتها – هي “الإغراءُ والإغواءُ”. إنّها القوة الجاذبيّة، وقوّة الإغواء بكلّ ما تحمله الكلمة من معاني الجذب الإبداعي. هذا الاعتراف هو قمّة الانزياح عن الصورة النمطيّة للأنثى ككائن مُغوَى به فحسب؛ فهي هنا الفاعلة والمفعول بها، المغيِّرة والمتغيّرة. تصل هذه الانزياحات إلى ذروتها الفلسفيّة في البيت الختامي: “والضدُّ في كلّ الخليقة نظرةٌ / إنْ كنتَ آدمَ إنني حوّاءُ”. إنّه إعلان التكامل عبر الاختلاف. “الضدّ” هو أساس الخليقة، وهو ما يمنحها الجمال والتوازن. النظرة هنا تعود لتكون مركزيّة، لكنها ليست نظرة إغواء، بل نظرة إدراك لسنن الخلق. الجملة الشرطيّة “إنْ كنتَ آدمَ” تفترض وجود الطرف الآخر وتعترف به، لكن الاستدعاء مشروط بأن يكون هو “آدم” بالمعنى الكامل، أي الإنسان الواعي الشريك. وعندئذٍ تقدّم هي نفسها كندّ: “إنني حوّاءُ”. حوّاء المبدأ الفاعل والموازي. إنّها تقول: وجودك كآدم يقتضي وجودي كحوّاء، والعكس صحيح. الاختلاف هنا ليس للصراع، بل لإكمال صرح الخليقة والإبداع. الصوت الشعري النسوي في هذه القصيدة قد انطلق من قيد التبعيّة إلى فسحة الندّيّة، ومن صمت الكائن المغوَى إلى فصاحة الكائن الغاوي، ومن دور العنصر المكمّل إلى مركز العنصر المؤسّس. ما يميّز التجربة الشعريّة النسويّة في الخليج العربي، كما تمثّلها هذه القصيدة، هو قدرتها على المفاوضة لا المواجهة، وعلى التفكيك لا القطيعة. إنّها تعيد تشكيل النصّ التراثي؛ ولا تلغي آدم، وتعيد تعريف آدم؛ وكذلك في بناء البيت الشعري على أسس جديدة من المقاسمة والمشاركة. وأرى أنّ مستقبل هذا الشعر يمضي في اتجاهات كبرى: الانفتاح على المتخيّل الكوني، والتحرر التدريجي من “عقدة الندّيّة”، والعودة إلى الينبوع الجمالي للتراث العربي الإسلامي برؤية جديدة. يبقى السؤال: هل تستطيع الشاعرة الخليجيّة أن تكتب قصيدة “ما بعد النسويّة”؟ أي قصيدة تتجاوز ثنائيّة الذكر/الأنثى، وتتحدّث بصوت إنساني شامل، من دون أن تفقد خصوصيتها الأنثويّة. أتصوّر أنّ الجيل القادم من الشاعرات الخليجيّات قادر على صنع هذه المعجزة الشعريّة. قصيدة “إنني حواء” تضعنا على عتبة هذا المستقبل، حيث تحوّل الصوت الأنثوي الخليجي إلى مركز فاعل ومنتج للمعنى في المشهد الشعري العربي المعاصر. * شاعر وكاتب سوري