في ديوان «طفلة النخل» للشاعرة ساجدة الموسوي..

التوازن بين ما هو مادي وما هو قيمي.

ما يلفت النظر بروز أسماء شاعرات ثلاث هنّ: نازك الملائكة تولّد 1923 و عاتكة الخزرجي 1924 ولميعة عبّاس عمارة 1929 في جيل واحد ضمن حركة الشعر المتجدّد في العراق في فترة الأربعينيات من القرن العشرين لكل واحدة منهنّ الصوت الخاص بها سواء من عُرف آنذاك بالشعر الحر (التفعيلة ) ومنافسها ( الشعر العمودي) أو من جدّد في الشعر كالسياب أو من كان محافظًا على طابعه العربي (الموزون المقفّى) فجاء بعدهنّ جيل تابع حركة التجديد بضخّ دماء جديدة في القصيدة المعاصرة و صبغها بروح العصر و انفتاحه على معطيات الحداثة الوافدة من هؤلاء : الشاعرة التي لُقّبت بـ (نخلة العراق) جيل السبعينات وما بعدها فكان بِكر أعمالها الشعريّة – و هي في التاسعة والعشرين من عمرها – ديوانها الذي حمل عنوان (طفلة النّخلة ) وكان بداية تنبئ عن خطوة مميّزة لها في عالم الشعر تترك انطباعًا في المتلقّي يشي عن موهبة لافتة تستمرّ بالصعود و العطاء الشعري ديوان في إثر ديوان حتّى قاربت السبعة عشر ديواناً ، حافظت في تجربتها التي بلغت النضج على عناصر نجاح قصيدتها بإضافة ما يجب أن يُضاف و ما يجب أن يُضبط فيها كي تكتمل القصيدة بقوامها الجمالي و الدلالي وذلك مع تقدّم العمر بتجاربه وازدياد ثقافة الشاعرة الفنيّة . قراءة متأنية إن قراءة متأنية لباكورة قصائد ( طفلة النخل ) تُفصح عن تأثر الشاعرة ساجدة في صباها بموجة الحداثة المنفتحة على الذات ( اللاشعور ) بطريقة فنية تعتمد على الخيال الجامح مثلما تعنى بالصورة و الرمز و السرد كما تصوغ بنية القصيدة من الحوار و تعدّد الأصوات و النهاية المدهشة و بالغموض الشفّاف أو الإبهام بعض الأحيان و تجاوز النمط التقليدي بالتّماس مع النمط الرومانسي والسوريالي إذ في بعض قصائدها نجد النمط الذي يتاخم تجارب السورياليين من الشعراء العاكفين على ما تفرزه النفس في أحلامها من تأثير الواقع من كبتٍ و من ألم ممض ! في فترة الشباب ينتاب المرء شعور الخيلاء فيتخيل أنه قادر على تجاوز المستحيل بواسطة شعره فيحلم بالتغيير إلى درجة أنه قادر على تغيير العالم ! « بدّلي مياه بحرك واصطخبي آن للأرض أن تستفزّ البحار كما آن لي أن أقود فمي أُغيّر سكّته أغيّر ضوء النجوم ...ارتعاشاتها ... » إنّ ثمة قلـــق يســـاور الشــاعرة في اندفاعاتها الاستفزازية : « أنا طفلة النخل و القمر المضطرب حملت المصابيح في وســـط البحـــر .. فانطفأت ثمّ أوقدتها .. غالها الموج وانطفأت ثمّ أوقدتهـا - عسعس الليل - وانطفأت ...» كان تصميم الشاعرة على مغالبة الانطفاء و على مصارعة الأمواج قد أنهى رحلة البحث بالتضحية : « لم يكن غير إيقادها بدمي! غير أن دمي شحَّ هذا المساء ...» و ذلك بعد أن قررت الشاعرة المتوقّدة قائلة : “ أن أقود فمي من قبلُ ..) وقررت أن تُغيّر سكّته بالرغم مما تعانيه من إحساس الغربة الذي يملي عليها وهج الإبداع ، فهي كما تقول : ( بعيدة .. وحيدة كليلة برقٍ أو أنّي على طرف الأرض بحر غريب تخاف الطيور تمرّ به .. تخاف السواحل أمواجه الهائمات ... ) هي كليلة برقٍ على طرف أرض مثل بحر غريب إلى درجة أن الطيور تخشى أن تمرّ به و ثمّة صراع في ذات الشاعرة ترمز إليه : فسواحل البحر تخاف من أمواجه الباحثات عن شيء ما! عدد من التشبيهات تشكّل ما يسميه النّاقد السوري الدكتور نعيم اليافي (صور عنقودية ). وفي قصيدة أخرى تسرد : « حينما اشتدّ وقع الظلام و أتعبنا الجري خلف النهار رأيت الطيور من البحر تأتي وسحابًا من الضوء يتبعها حين أمطرت الريح ثلجاً و ريشًا نديًا .. بكينا؟ قال لي: ثمّ ماذا رأيتِ؟ القبور الجميلة يهجرها النّاس حتى الصغار استفاقوا من الموت مشَوا يلتحفون بآبائهم كل طفل تمورُ الحياة بعينيه و أذكر أني رأيتك تبكي من الجوع تبكي فكفّاك مبتورتان ! قــال: كيف انقضى حلــم ليلتك الماضية ؟ ... » هذه القصيدة من أحلام (العقل الباطن) تمور بالصور المؤلمة تتوالى سرديًا و تتوالد مما يثير في قارئها التوجّس و قشعريرة الخوف و ثمّة حالة تستعصي على الفهم رغم شعور القارئ بحركتها ، بغرائبيتها، فإن مفردة البحر تتكرر مثلما مفردة الطيور ،ثمة مطاردة.. و ثمة صراع مع حالة ما ، مع كائن ما .. تلحّ على الشاعرة تمرّ كما الحلم على ذاكرة استيقظت فجأة فيقوم الحالم بروايتها ويدَع المتلقّي حرًا في تفسيرها لوحة رسمتها بقلق صبغتها بألوان تثير في رائيها الأسئلة القلقة عما ترمي إليه بهذه اللوحة التي تمتزج فيها صور اللامعقول في المعقول بين الموت والتفجّر والبكاء والدم الضائع في الجمل التالية: « البيوت الجميلة يهجرها الميتون وتنفجر الأرض في كل قلب لتولد شمعة وأنت الذي كنت تبكي أنا الآن أبكي هنا تحت وجهي دم ضائع ...» ولم تتصف قصائد المجموعة بخلق مثل هذا الجو الغرائبي فحسب بل برعت في استعارات و تشبيهات وانزياحات تدلّ على نزوح حداثي في صورها وابتكارها ففي مقطع صغير واحد عدّة تشبيهات خلقت بين المجسّد و المجرّد من المفردات صورًا : « سقطت مثل قبلة على وجع القلب فزّ لها الأقحوان أدمعت مثل شمعة تحسستها .. كان يولدُ تحت الأصابعِ بيضٌ كستهُ قشور القمر رحتُ أطبقُ خمساً عليه خرجت لي عينان ِ أو قطرتا عسلٍ قالتا ارفقي.. صرتُ أحنو وأحنو وإذ بزغ الريشُ طرتُ معه ..» أو مثل تعبيرها الموجز : “ بدّلي ماء عينك بالدمع أو برذاذ الصباح “ أو : “ولي قمر حانَ لي قطفه ... “ أو “و لي قمر مُمسك حبل عمري “ أو هنا انزياح لافت: “حتى الصغار استفاقوا من الموت مشَوا يلتحفون بآبائهم؟! الشاعرة بين زمنين سوف تتوضّح مزايا و خصائص (طفلة النخل) بإجراء مقارنة بين قصائد الشاعرة ساجدة في هذه المجموعة مع قصائد الشاعرة بعد مرور عدّة عقود زمنية مزايا منها: حرص الشاعرة على الوحدة العضوية للقصيدة وعقلنتها دون التفريق في العاطفة كما انتقلت من حالة اللاشعور إلى ساحة الشعور و ساحة الفكر دونما طغيان لهما فكل مفردة وكل صورة تؤدي دورها ووظيفتها في معمار القصيدة وفي مسار المعنى الهادف و ذلك بعد اقتراب الشاعرة من الواقع والاحتكاك به و بعد رحلة الاغتراب القسري من وطنها ومراعاة المتلقي وحرصها على مدّ جسور معه إنسانيًا ووطنيًا وتعميق مزية تعدّد الأصوات و الإفادة من التراث الشعبي العراقي والتاريخ والواقع بمجرياته وبروز الشعور الوطني وتحوّله إلى بؤرة من الإبداع تلحّ على فكرها ومشاعرها اليوميّة و بما يتوافق مع ما صرّحت به عن مفهومها للشعر : “ هو بوصلة التوازن بين ما هو مادي في الحياة و أرضي و ماهو قيمي و سماوي و ماوراء الواقع من خيال و رؤىً و أحلام و معانٍ سامية و الشعر في كنهه حالة ذات تأثير و حضور و سموّ “ .