الجواب الغائب!
ليست المشكلة دائماً في وجود القصور؛ فكل الأنظمة والخدمات البشرية عرضة للخطأ، وكل مشروع تنظيمي كبير يمر بمراحل مراجعة وتصحيح. لكن المشكلة الأعمق تبدأ حين يُطرح الخلل بوضوح، وتُكتب الملاحظات بلغة مهنية منضبطة، وتتكرر شكاوى المتعاملين، ثم لا يجد كل ذلك أذناً تسمع، ولا جهة تتفاعل، ولا معالجة تُطمئن الناس إلى أن ما كُتب قد وصل بالفعل إلى من يعنيه الأمر. ومن هنا يبرز السؤال: ما جدوى العلاقات العامة والمتحدثين الرسميين، إذا كانت القضايا التي تمس الناس تنتهي إلى الصمت المطبق، أكثر مما تنتهي إلى الحل؟ فالأصل في الأجهزة الخدمية ألا تنظر إلى ما يكتبه الكتاب والمهنيون والمتضررون على أنه مجرد ضجيج عابر، بل من الواجب أن تنظر إليه باعتباره كمشرط الجراح. أما حين يتحول دور العلاقات العامة إلى حضور شكلي، أو يصبح المتحدث الرسمي في موقع الدفاع المستمر بدلاً من أن يكون حاملاً لأمانة نقل ما يُطرح بوضوح إلى موقع القرار، فإن الحلقة التي يفترض أن تصل بين المسؤول والناس تصبح أضعف. وفي ظل واقع الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تطرح القضايا في لحظات أمام الجميع - القارئ، والمهني، والمتضرر، والمسؤول - كان المفترض أن يقابل ذلك مستوى أعلى من الجاهزية في التفاعل، لا أن يترك الكاتب يكتب، والمتعامل يشتكي، والمتضرر يعترض، ثم تمضي الأيام وكأن شيئاً لم يكن. ولعل ما يُطرح في القطاع العقاري على وجه الخصوص أكثر مما يُحصى، فقد برزت على السطح إشكاليات متعددة، لا تزال قائمة، رغم أن الأصل في هذه الأنظمة أنها وجدت لتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر والوسيط. إلا أن بعض تطبيقاتها أفرزت واقعاً أكثر ارتباكاً مما كانت عليه في السابق. والمشكلة هنا ليست في أصل التحول الرقمي، ولا في مبدأ التنظيم الإلكتروني، بل في أن بعض التفاصيل التطبيقية ما زالت تصنع تعقيداً يومياً يلمسه العاملون في الميدان، ويشعر به المؤجر، ويتضرر منه المستأجر، ويقف أمامه الوسيط العقاري حائراً. لقد كتب أكثر من مرة عن مشكلات تتعلق بتجديد العقود بصورة لا تنسجم مع الواقع الفعلي، رغم اتفاق أطراف العلاقة. ومن ذلك يتم تجديد العقود تلقائياً رغم تغير الملكية، أو رغم إخلاء المستأجر للعقار، مع أن قرار مجلس الوزراء الأخير لم ينص على ذلك، وإنما هو اجتهاد في التطبيق. فالقرار نص على عدم زيادة الإيجار، وعدم إخراج المستأجر إلا برضاه أو وفق الشروط المعلنة. ويضاف إلى ذلك إشكاليات أخرى تتعلق بإجراءات التحديث، والية الرسائل، وشحن المحافظ، وتحويل الدفعات، والتعامل مع العقود القديمة، وتحصيل عمولة الوسيط. وهي قضايا لا تبدو نظرية على الورق، بل تتكرر يومياً على أرض الواقع. ومع ذلك، فإن الأشد إزعاجاً من هذه الملاحظات نفسها هو غياب التفاعل الجاد معها؛ وكأن طرحها لا يستحق حتى بياناً يوضح، أو رداً يفسر، أو وعداً معلناً بالمراجعة. ليس مطلوباً من الجهة الخدمية أن توافق على كل ما يكتب، ولا أن تستجيب لكل رأي كما هو، لكن من حق الناس أن يشعروا بأن صوتهم وصل، وأن الملاحظة قرئت، وأن الاعتراض لم يرمَ في الفراغ. فالصمت الطويل لا يفهم على أنه اتزان إداري، بقدر ما يقرأ أحياناً بوصفه بروداً مؤسسياً، أو انفصالاً بين من يصوغ الإجراء ومن يباشر أثره في الواقع. وهذه الفجوة هي التي تفقد الأنظمة شيئاً من هيبتها، لا لأنها سيئة في أصلها، بل لأن مراجعتها تبدو أبطأ من اتساع آثارها. والكاتب حين ينتقد لا يفعل ذلك خصومةً مع الجهة، بل أداءً لواجب الكلمة. والمهني حين يرفع ملاحظته لا يطلب امتيازاً، بل يطلب تنظيماً أكثر واقعية وعدلاً. والمتضرر حين يعترض لا يبحث عن الشكوى، بل عن معالجة. فإذا اجتمعت هذه الأصوات، ثم لم تجد ما يقابلها من اهتمام ظاهر، فإن الخلل يصبح مضاعفاً : خلل في الإجراء، وخلل في طريقة استقبال الاعتراض عليه. إن نجاح الجهات التنظيمية لا يُقاس بعدد المنصات التي أطلقتها، ولا بحجم التحول الرقمي الذي حققته، بل بمدى قدرتها على الإنصات لما تكشفه التجربة العملية بعد الإطلاق، فالمنصة ليست نصاً مقدساً، والإجراء ليس نهاية الطريق، بل كلاهما يظل محتاجاً إلى مراجعة متى ظهر ما يستدعيها. والإصرار على الصمت لا يحفظ هيبة القرار، بل يضعف الثقة في مرونته وعدالته. فالقضية لم تعد في وجود الملاحظات، بل في غياب الجواب عنها. وحين يغيب الجواب، يتسع الشعور بأن بعض الجهات ما زالت ترى النقد عبئاً عليها، لا فرصة لها. مع إن احترام المواطن والمقيم، واحترام المؤجر والمستأجر والوسيط، لا يكون فقط بإطلاق الأنظمة الخدمية، بل بالإصغاء إلى آثارها، والتفاعل المهني الشفاف مع ما يطرح حولها. أما أن تتراكم القضايا، وتكتب المقالات، وتتكرر الاعتراضات، ويبقى الصمت سيد الموقف، فتلك ليست مشكلة تواصل فحسب، بل مشكلة فهم لمعنى الخدمة نفسها.