الأستاذ الكسير.

في الصف الأول من المرحلة الثانوية في ثانوية الفاروق، وتحديدًا في عام 1404هـ (1983- 1984م)، بدأ صاحبنا مسيرته الجديدة في مطلع شبابه، وفي مرحلة حاسمة من حياته، تمهِّد لاختيار التخصّص، وتحديد المسار والتوجّه. ونازعت الفتى عيناه ترمقان الباب، بانتظار أستاذ مقرر التاريخ؛ فكان أستاذًا طُوالًا، حازمَ الملامح، ذا صوت جهْوريّ واضح، أعجب الفتى فيه حزمُه وطريقة شرحه وفاعليته في الفصل؛ إذْ كان لا يستقرّ في مكان واحد، بل يجوب الفصل، ويقلّب النظر بين طلابه، وتلك صفات كان صاحبنا يراها ذات أثر، فالفهم والمتابعة يقويّهما النظر، وسكون المعلّم مآله الكسل والملل. كان ذاك الأستاذ هو صالح بن راشد الغفيلي، الذي راق حاله للفتى، فجذبه إلى أن يشارك معه في أنشطة المدرسة غير الصفيّة، ويوثّق علاقته معه، وكانت تلك بداية له في سنوات ثلاث عامرة حافلة ماتعة، ودّعها بعد أن خطّ فيها تاريخًا وذكريات. لكنّ تلك العلاقة المباشرة بين الفتى وأستاذه لم تستمرّ طويلًا؛ إذ لم يكن إلا شهر أو شهران من بدئها حتى تعرّض الأستاذ إلى حادث أليم أثناء رحلة مدرسيّة مع باقي الأساتذة وبعض الطلّاب. يتذكّر الفتى حين سمع أخبار الحادث في إجازة الأسبوع، وبقي قلقًا مترقّبًا، يرجو أن يكون الخبر غير صحيح، أو أنّ إصابة الأستاذ خفيفة. وحين وصل إلى المدرسة صباح السبت أدرك أنّ الخبر صحيح، ووجده حديث الجميع، وعلم من تفاصيل الحادث أنّ الأستاذ قد أصيب إصابة بليغة، وأنه يرقد في المستشفى بحالة صعبة. ظلّ بعدها يترقّب أخباره، ويسأل عن أحواله، حتى إذا علم أنّ الزيارة قد أُتيحت انطلق مع نفر من أصحابه مسارعين إلى زيارته، فلم تمنعهم بُعد المسافة من المبادرة مواسين داعين. يتذكّر صاحبنا جيّدًا أول لحظات لقائه، وكانت لحظة مؤثّرة مُشجية، فقد وجد أستاذه برِجْلٍ معلّقة مليئة بالكسور، وأدرك من وجهه وحاله شدّةَ الإصابة، وعظيمَ المعاناة، لكنّ الذي رسخ في ذاكرته منذ أكثر من أربعين عامًا أنّ أستاذه كان متصبّرًا لا يسمعون منه إلا ذكرًا وحمدًا، مع تألّمه ودهشته عمّن حوله. لم يُطل صاحبُنا وصحبُه البقاء عنده تقديرًا لحاله، فانصرفوا وقد قرّ في عقل الفتى كيف يكون الصبر عند المصابات والآلام، وبقيت تلك الصورة عالقة في الذاكرة، وعلّمه ذاك اللقاء في تلك الغرفة ما لا تعلّمه فصول المدرسة. علم الفتى وأترابه أنّ أهل أستاذهم وإخوانه لم يكونوا مقيمين في الرّياض، فقرّروا أن يكونوا له أهلا، وأن يصيروا له صحبًا؛ فاتخذوا زيارته مرات في الأسبوع جزءًا من جدولهم، ورتّبوا والتزموا بذلك شهورًا ظلّ أستاذهم فيها في المستشفى؛ راغبين في تسليته في مصابه، ومتطلّعين لملء فراغه، وكانوا يلمسون منه سرورًا بزيارتهم وإقبالًا، ومع الوقت تحوّلت غرفته إلى نادٍ صغير، تدور فيه مسابقات ومثاقفات، وكم يتذكّر صاحبنا في تلك المرحلة وتلك الرحلات من مواقف وذكريات! خرج الأستاذ من المستشفى بعد شهور، لكنه بقي حبيس البيت شهورًا، ودامت الزيارات واللقاءات، وصارت في مجلس الأستاذ أرحب وأوسع، واعتادها الـمُزار والزوّار حتى ألِفوها. طالت مدّة الاستشفاء حتى قاربت عامًا ونصف العام، وسُرّ الفتى أيّما سرور وهو يرى أستاذه ذات يوم خارج منزله لأوّل مرة من شهور، لكنه حزن وهو يراه كسير الفؤاد، جريح الحال، أعرج الخطْو، بطيء المشي! وكانت عودة الأستاذ إلى المدرسة سعادة للجميع، وقد رأوه بعد تلك المعاناة الطويلة يعاود رحلته في ساحة التعليم، متحاملًا على نفسه، غير عابئ بضعف حركته، وصعوبة تنقّلاته، مشمِّرًا عن ساعد الجدّ، مشاركًا في بناء المجد. وكان أعظم درس قدّمه للفتى أنّ الرجال لا تزيدهم الشدائد إلا ثباتًا وصبرًا وصمودًا، وأنّ النهوض بعد السقوط دأب الناجحين، وأنّ السباق في هذه الحياة لا يتوقّف، والرّابح من جدّ وجاد.