اكتناز اللحظة.. القبض على الشعور.
«مهمة الحياة صعبة، وفي صعوبتها يجد القلب النبيل إلهامه.» تزامنًا مع آخر هبّات الفرح الجمعي وذوبان السّكينة، وتراجُع الروحانية في كثافة المهام والسعي الدنيوي، ليست غريبةً عنّا تلك الجملة القائلة: «وإذا جاءك الفرح مرة أخرى، فلا تذكر خيانته السابقة.. ادخل الفرح وانفجر.» من هذا المبدأ تتراجع النزعة المستبدة التي تسحق فرصنا في الاتكاء على لحظاتنا الطيبة وتفاصيلنا الأثمن، فالواقع بعد مرورها يغلب عليه شيء من الجدية والعقبات وبعض خيبات الأمل؛ لأننا ننصرف تمامًا بعدها إلى شقوة الفوات: فوات عيش اللحظة الجيدة، والعودة لها، وتدويرها وتمريرها.. في مثل هذه الأوقات، يتحسّس الإنسان شيئًا من التراجع في الشعور والوقع واللحظات، يبدأ بعضنا في إرجاء لحظة حقيقية الشعور والعوائد، ويتعامى آخرون عن الإشارات الصافية، وتحتكم حيواتنا بالبحث الجاد عن كل النشاطات الجمعية القادرة على اصطفائنا في العالم المادي والكشف عن حماستنا ككينونة متعطّشة وجادّة وطموحة بكل ما فيها من محاولات وتقديرات ومميّزات. وبين ما يكون وما لن يكون، لا نتذكّر إطلاقًا اللحظات التي خانتها ذاكرتنا برغم حداثتها وظلّت محصورة في توقيتها وصورها الذهنية المشوّشة، وحين نستدعيها، لا ترقى لقوة الشفاء؛ لأن هناك ما وجدنا أنفسنا نضطر لاعتباره الأفضل والأقوى وقعًا ومكانة برغم جماليات الأخرى وروحانياتها وسماويتها وقدسيتها، وثباتها في المادي والمحسوس بلا اشتراطات… وجدتُ نفسي بعد الانغمار في لحظات حقيقية ثمينة بين فاصل مادي وروحاني، وبين ما يشملهما معًا على المستوى الفرداني، لكن الحياة تبغض غالبًا الذي يأسف متأخرًا، أو من بدأ يساهم بإصرار في ترقية اللحظات الحقيقية، بعد النزوع إلى تجاهل قيمة ما يوجد في بقية الحياة واللحظات، مقابل ما يرغبه ويقلقه ويترقّبه ويخشاه، ببساطة: في نظر الحياة، هو إمّا خائن للفرح، أو حانق بشدّة حساسيته على كل لحظة هجره فيها الفرح، ما لم يناهِضها بأسف صادق ويقظة حقيقية، وعلى كُلٍ، يغدو الأمر مدعاة للتوقف، حيث تكون الحياة أكثر تكثيفًا والذات متوقفة وقفةُ انعتاق من تواترها بحذف اللحظات، فهي بهذا التوقف تقتطع من الفوات المشؤوم، وتحيل بوصلتنا إلى اللحظات الحاسمة لنا ذاتيًا، فنظفر بشيء من الثبات، من غير مطالب ولا خسائر ولا انتهاكات، في ظل مساعينا واشتباكنا مع توقعاتنا وتوقعات الآخرين منا، واللحظات الدخيلة التي تشكّلنا هوياتيًا، فالظاهر أن ثباتنا الحقيقي في اللحظة الراهنة— ليست الدخيلة، وليست التي نتهاوى في قيظها، بل تلك العائمة دون تحديد، في جمالياتها وثباتها بالنسبة للأرواح المُنهكة على الأقل، ليست هذه اللحظة سوى ذاكرة فاصلة؛ نتقبّل فيها أنفسنا كما هي وننقذها، يتكثّف فيها فرحٌ عُذري، وسلامٌ لا يحتاج للمعجزات، وانتصارٌ نادر ما يحدث في خضم أنماط القلق المريبة… تقع روحي الآن في مركزية لحظة، ولحظة مغايرة، مسار، ومتاهة، رغبة، وقلق، في فاصل يرفعني، وآخر يصيبني بالرضوض، كان عليّ أن أخلق تواصلاً لا يشبه نزعتي التي تغدر دائمًا باللحظات، بين كينونتي الخائفة، وأخرى لها نصيبها من الامتيازات والمسرّات، وبين الشخص الذي أنا عليه، وبين ما أرغبه، وبين ما كنته ولم يزل، كي تبدو روحي نفسها وكياني نفسه، والحياة حياة، والعيشُ نزعة لا اختلاس— مهما كانت التبعات وبدا شكل اللحظات!، كأن نزعة ارتقاء قد استحوذت روحي للمرة الأخيرة قبل الانتهاء، كيلا يصعب عليّ لاحقًا تذكّر ما لدي، وما عشته، وما امتلكته، وما حققته، وما زلتُ أبرع في فعله، وكل الذي يصلح كلحظة طيبة، حالة من الاكتناز تلحّ وتصرّ أن أُجمّد اللحظات الثمينة والحصاد، لأكون في حِلّ من وسواس الخسارة، وفي نجاةٍ من جحيم التعدّي المتمثل في الطعن بذاتي وما فيها من آثار عذبة وإخلاص… فإن فاجأتنا هبّات العيش من الأرق والقلق، فهذا الاكتناز المُجدي يضع أرواحنا موضع الثوابت في كل بقعة، دون أن يقوّضها من أعماقنا حسرة أو لائمة تَشكّل اعتلالها من بصمات الماديّ في أعرافنا، اكتنازٌ يرقى ليغدو مفتاح سلامنا وسلام الآخرين معنا، وسلامتنا من غير اجتهادات أو تنازل، هو الصلح بيننا وبين نزعاتنا، تلك التي أخذتنا بعيدًا عن لحظة صادقة استحققناها واستحقّتنا، نحو ركض سريع لكل مكان نقصده بقلق وريبة وبتردد، وأضحى إحساسنا بالحياة بسببه واقعًا تحت ضغط المكتسبات المادية، وما عداه عبث!. لعلّنا نضطر أحيانًا أن نفوت اللحظات ونرجئ السعادة، ونتسلق لحظات مغايرة في الحياة، لكننا نتعلّم—ولو متأخرين—كيف لا نخون لحظاتنا الأعز، كيف نؤطرها قبل أن تتحوّل إلى شيءٍ لا يعول عليه، وكيف، في كل ما نقاسيه، يظلّ في حصادنا ما يكفي لينعش بصيرتنا ويعزينا بثوابت كثيرة تضاهي ما خسرناه وما لم يُقدّر لنا… أشياء تجعلنا أكثر تشبّعا وكثافة وارتقاء، حتى عندما نركض أو نتوقف أو ننهزم على إثر الحياة أو نربح، ففي النهاية: كل شعور يَخترقُنا ونقبض عليه فهو إما ربح صافٍ أو مؤجَّل، ومثوبة مُكتنَزة أو آنية؛ لا اختلاف شاسع بينهما ما دام—وبطريقةٍ ما—لحظة ثمينة تُعمِّقها التجربة.