ما بين مزرعة أورويل وغابة ابن المقفع..

تحولات الخطاب السياسي في أدب الحيوان.

ليست الحيوانات في الأدب دائمًا كائنات بريئة تُستحضر للزينة أو الحكاية، بل كثيرًا ما كانت القناع الأكثر جرأة لقول ما يعجز الإنسان عن قوله صراحة، ففي اللحظة التي يُسقط فيها الكاتب صفات البشر على الحيوان تتحول الحكاية إلى مرآة خفية تعكس الواقع دون أن تصطدم به مباشرة، أو كأقنعة رمزية تُخفي وراءها أكثر الحقائق جرأة وفي هذا السياق، تلتقي رواية (مزرعة الحيوان) للكاتب “جورج أورويل” مع كتاب (كليلة ودمنة) للأديب “عبد الله بن المقفع”، حيث كتب “جورج اورويل” و”عبدالله ابن المقفع” حكاياتهم على ألسنة الحيوانات وهي طريقة مواربة للنقد السياسي دون الخوض فيما قد يؤدي إلى مئآلات مهلكة خاصة عند “ابن المقفع” و الذي هلك في آخر الأمر رغم ذلك، أراد” اورويل” أن يشرح المهزلة السياسية فاختلق الشخصيات الحيوانية التي تعيش في مزرعة، لها سور وحدود واضحة، و قسم الحيوانات وفق مهامها ووعيها إلى مستويات وجعل على رأس النظام السياسي الخنزير ( نابليون)، وككل نظام سياسي ناشئ بانقلاب او ثورة ستكون البدايات حالمة والشعارات رنانة، ومصلحة الجميع واحدة، لكن لا يمكن التنبؤ بأي كائن حين تتملكه السلطة وجنونها ويبدأ في استخدامها كطريقة لاستعباد الآخرين وحلبهم لمصالح اقتصادية، و سيكون هناك دائماً من يصفق له حتى ببطن جائع وجسد عارِ، وهذا ما يجعل من الخنزير سلطان زمانه . استخدم “اورويل” الحيوانات ليستنطق الواقع و هذا ما فعله بالضبط “ابن المقفع” في (كليلة ودمنة) حيث الزمن الذي كانت فيه الكلمة خازوقاً لا حبل مشنقة وحسب، أراد أن يجعل من الانسان متفرجاً ومصغياً لحكايا حيوانية هي في الحقيقة حكايته، في صياغة ممتعة و مليئة بالحكم مازالت خالدة في الأدب العربي حتى الآن وهي قادمة في الحقيقة من الأدب الهندي أو الفارسي كما يقال ، ما يجعلني أتذكر ابن “المقفع” واربطه “بجورج اورويل” رغم ما بينهما من مسافة زمنية كبيرة، هي روح الفكاهة ذاتها التي غُلف بها العمل الروائي بالرغم من مرارته وقسوته لو تمت معالجته بطرق أخرى، وهذه دلالة واضحة على أن العقل الإنساني واحد في الشرق والغرب، ويبدأ من حيث انتهى غيره ، وسواءً كان “اورويل” قد قرأ هذا الأدب الجميل “لابن المقفع” واستفاد منه في رواية مزرعة الحيوان أم لا، فإن روايته صيغت بطريقة جميلة وسلسة وقصيرة كذلك، مما يجعلها سهلة القراءة باختلاف مستويات القراء، و رغم الفارق الزمني الهائل بينهما، في استخدام الحيوان كأداة نقدٍ للواقع الإنساني ففي مزرعة الحيوان، لا يكتفي أورويل بجعل الحيوانات تتكلم إنما تثور، والرواية تُجسّد بشكل رمزي أحداث الثورة الروسية حين تتحول الثورة التي قامت ضد الظلم إلى نظام أكثر قسوة ، وهنا يصبح الخنزير “نابليون” تجسيدًا للطغيان وتتحول الشعارات المثالية إلى أدوات للسيطرة والخداع. الحيوان عند “أورويل” أداة لكشف فساد السلطة وانحراف الأيديولوجيات، أما في (كليلة ودمنة) فالحيوانات لا تقوم بثورة حقيقية بل تتحاور فقط، فأدب “ابن المقفع” قائم على الحكايات الرمزية التي تهدف إلى تقديم الحكمة السياسية والأخلاقية بأسلوب غير مباشر خاصة في بيئة لا تسمح بالنقد الصريح للحاكم، فالأسد ملك والثعلب مستشار، وكل حكاية تحمل درسًا في الحذر، والدهاء، وفهم النفس البشرية، الفرق الجوهري بين العملين يكمن في النبرة والغاية، “أورويل” يكتب بغضب واضح و بروح ترفض الاستبداد و بلغة شفافة رغم رمزيتها، بينما يكتب “ابن المقفع” بحذر الحكيم الذي يتسلل ما بين السطور لينصح دون أن يُدين، الأول يُعري السلطة والثاني يُرشدها أو يُرشد من يعيش في ظلها، وبالرغم من هذا الاختلاف يلتقي العملان في فكرة حتمية هي أن الإنسان حين يُمنح سلطة مطلقة يتحول إلى كائن آخر، و ربما أكثر وحشية من الحيوان نفسه، وهنا تكمن المفارقة، فالحيوانات في الأدب بدت أحيانًا أكثر عقلانية من البشر الذين تمثلهم، و بين العملين تتحول اللغة من وسيلة تواصل إلى ساحة صراع، إما أن تُستخدم للهيمنة أو للنجاة، ففي عالم “عبد الله بن المقفع” الأخلاق تُقدَّم كنصائح للحاكم توجهه للعدل و توضح ثماره وتحذره من الركون إلى الحاشية أو الثقة بالجميع، أما (مزرعة الحيوان) فالأخلاق هنا يعاد تدويرها وفق مصلحة الحاكم ليصبح القتل مبررًا والخيانة ضرورية طالما تخدم المزرعة، والسؤال الخالد هنا هل السلطة تعيد تعريف الأخلاق؟ عموماً في كلا العملين لا تمثل الحيوانات طبيعة مختلفة بل انعكاسًا حقيقياً للإنسان نفسه، فالخنزير في مزرعة الحيوان لا يولد طاغية لكنه يصبح كذلك بالتدريج ، وفي (كليلة ودمنة) الشخصيات الحيوانية تتقلب في أخلاقها تمامًا كالبشر، و الشر ليس صفة ثابتة بل إمكانية كامنة تُفعَّل حين تتوفر الظروف و الظرف هنا هو السلطة، (كليلة ودمنة) يلتقي في جوهره مع “أورويل” في كون الحيوانات تتكلم و تتآمر و تنصح وتُخطئ غير أن غاية الحكاية عند ابن القفع ليست الثورة، بل الحكمة بلغة رمزية تحفظ للكاتب مسافة أمان من بطش السلطة، لقد أدرك ابن “المقفع” مبكرًا أن الحقيقة المباشرة قد تكون خطرة، فاختار أن يكسوها بجلد الحيوان، لتصل دون أن تُدان، ما يجمع بين العملين هو هذا الإدراك العميق بأن الرمز ليس ترفًا أدبيًا إنما ضرورة وقناع يستطيع الكاتب من خلاله أن يمرر نقده اللاذع أو حكمته دون أن يواجه التصريح بعواقبه المباشرة، و من بلاط الملوك في (كليلة ودمنة) إلى حظائر الحيوانات في (مزرعة الحيوان) ستظل الحكاية واحدة فالإنسان حين يعجز عن قول الحقيقة بوجهها الصريح سيمنحها لسانًا آخر قد يكون لسان حيوان.