في كتاب (شرف علم التصريف) للأستاذ الدكتور فريد الزامل
فريد في بابه قدم عرضاً مبسوطاً بالحجج والأدلة.
أهداني الأستاذ الدكتور فريد بن عبد العزيز الزامل مشكورًا كتابه الجديد ذا العنوان (شرف علم التصريف) الذي صدر عن دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع في مدينة الدمام في المملكة العربيّة السعوديّة في عام 1447هـ/ 2025م، في طبعته الأولى في مئة وصفحة من القطع المتوسّط. هيكل الكتاب: الكتاب مقسّم إلى فصول أربعة هي: الفصل الأوّل: عنوانه: (فيما ذكره العلماء من شرف علم التصريف) (ص9-ص19) وهذا الفصل فيه شرح لمقولة ابن جنّي في أهميّة علم التصريف التي وردت في مقدّمة شرحه لمنصف المازنيّ، وقد أحسن المؤلّف في اختيار مصطلح (التصريف) في عنوان الكتاب، وفي عناوين بعض فصوله (ص9، ص20)؛ لما له من دلالة تفوق بلاغيًّا دلالة مصطلح (الصرف)، يقول أحمد حسن كحيل: “الصرف والتصريف في الأصل مصدران لصرَف، وصرَّف، يدور معناهما حول التحويل والتغيير والتقليب... ويجدر بنا أن نلاحظ أنّ تصريفًا أبلغ في الدلالة على التغيير من صرْف” (التبيان في تصريف الأسماء، أحمد حسن كحيل، ص5) الفصل الثاني: عنوانه: في بيان أثر التصريف في فهم النصّ الشرعيّ، والاستنباط منه (ص20-ص38) مبنيّ غالب ما جاء في هذا الفصل على كتاب سابق للمؤلّف نفسِه اسمه: الخلاف التصريفيّ، وأثره الدلاليّ في القرآن الكريم. الفصل الثالث: عنوانه: في بيان حاجة المعرب إليه، واعتماد النحو عليه (ص39-ص73)، وهذا يشمل موضوعاتٍ تصريفيّةً متعدّدةً لها صلة وثيقة في بعض الأبواب النحويّة منها: الصفات المشتقّة: اسم الفاعل، وصيغ المبالغة، والصفة المشبّهة، واسم المفعول، وأفعل التفضيل، والمصدر، وبعض موضوعات التصريف مثل: التصغير، والنسب، والترخيم، والممنوع من الصرف... الفصل الرابع: عنوانه: في شيء من مسائله التي تتبيّن فيها حكمة العربيّة (ص74-ص91)، ويظهر جزء من حكمة العربيّة في مسائل تصريفيّة مثل: بعض الكلمات المعتلّة، والمضعّفة. ميزات الكتاب: الميزة الأولى: دقّة العزو إلى المراجع، ومنها المجموعات الشعريّة والدواوين، فقد درج كثير من المؤلّفين المعاصرين في علم التصريف أن يأخذوا الشواهد الشعريّة من كتب التصريف القديمة، لكنّ المؤلّف هنا يعزو إلى المصادر الأصليّة مباشرة، فقد أخذ بيت أبي ذؤيب الهذليّ من ديوان الهذليّين: وتفني الألى يستلئمون على الألى ... تراهنّ يوم الروع كالحدأ القبْل (ص12) وأخذ بيت طرفة بن العبد من ديوانه: ولستُ بحلّال التلاع مخافةً ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد. (ص30) وأخذ أيضًا بيت الفرزدق من ديوانه: إنّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعزّ وأطول الميزة الثانية: تصحيح معلومات يقع الخطأ في فهمها عند بعض العامّة في دلالات بعض كلمات القرآن مثل: معنى جملة (يستحيون) في سورة البقرة، والمعنى الصحيح الذي اختاره المؤلّف هو: يتركونهنّ طلبًا لحياتهنّ (ص11). الميزة الثالثة: تصويب نصوص مطبوعة قد يكون محقّقها أو ناسخها قد وهم في قراءتها مثل: نصّ لنقره كار جاء فيه: “ولكن لا يعرّجْ عليه، فيجعله نصب الطرف”، واقترح المؤلّف تصويبه بقوله: “لعلّ الصواب: ولكن ليعرج عليه فيجعله...” (حاشية: 3، ص19). الميزة الرابعة: تلمّس الخصائص الأسلوبيّة لبعض علماء اللغة، وهذا واضح في تعليقه على نصوص ابن جنّيْ إذ قال: “ما هنا زائدة، وكثير زيادة (ما) في أسلوب ابن جنّي” (حاشية: 1، ص16). الميزة الخامسة: زوى المؤلف بإيجاز وافٍ معلوماتٍ تصريفيّةً كثيرةً تعرض في كتب التصريف عرضًا مطوّلًا، وهذه موهبة لا يؤتاها إلّا من هضم مسائل العلم، واستطاع تقديمها بأسلوبه الخاصّ الموجز المكثّف. الميزة السادسة: أصالة مراجع البحث، وتنوّعها ففيها مراجع في علوم اللغة، ومراجع في علوم الشريعة، واعتمد طبعات أصيلة محقّقة تحقيقًا علميًّا متينًا، وهذا جليّ في قائمة مصادره (ص93-ص100)، ورغم صغر حجم الكتاب إلّا أنّ المؤلّف قد عاد إلى مئة وستّة مراجعَ. ملحوظات على الكتاب: لا يخلو جهد بشريّ مهما حاول مؤلّفه من بعض ما يلحظ عليه، وهذه الملحوظات تنحصر في كونها وجهاتِ نظرٍ أو أخطاءً مطبعيّةً منها: الأولى: قال المؤلّف: “ويعرف الفرق بين المفرد الجمع” (ص10)، صوابه: والجمع بإثبات واو العطف. الثانية: “تقسيم الجمع إلى سالم ومكسّر، ليعرف نصيب كلّ منها” (ص10) الصواب: فاصلة منقوطة (؛) لما فيها من معنى التعليل، وقوله: المسند إليه مرفوعه، الفاعل أو نائب الفاعل، والصواب: نقطتان رأسيّتان (:) بعد كلمة (مرفوعه)؛ لأنّه تفصيل بعد إجمال. الثالثة: قال المؤلّف: “وعلى خطى ابن جنّي...” (ص17) أفضّل كتابتها (خُطا)؛ لأنّ أصل الألف واو، فخُطا جمع خُطْوة، ويبدو أنّ المؤلّف قد أخذ برأي الكوفيّين في أنّ الاسم الثلاثيّ المختوم بألف إن كان مضموم الفاء أو مكسورها فإنّه يجوز كتابتها بالألف بصورة الياء مثل: خُطى، ورِضى. الرابعة: قال المؤلّف: “وللعماء نصوص في ذلك كثيرة” خطأ مطبعيّ صوابه: للعلماء (ص20) الخامسة: هناك عبارتان ملبستان قد توهمان بالتناقض نحو قول المؤلّف: “واسم الهيئة وهو ما يدلّ على هيئة المصدر، ويصاغ على فِعْلة، ولا يصاغ من غير الثلاثيّ، فإنْ أريد الهيئة فبالوصف” (ص47)، وقوله: “فإنّ الأصل في المصدر ألّا يثنّى، ولا يجمع، ولا يؤنّث إلّا لمن أراد اسم المرّة أو الهيئة من غير الثلاثيّ” (ص51)، والقلق في العبارة الذي قد يوهم التناقض هو قوله: اسم المرّة أو الهيئة من غير الثلاثيّ، وهو يتعارض مع قول المؤلّف في النصّ الأوّل: ولا يصاغ مصدر الهيئة من غير الثلاثيّ. السادسة: قال المؤلّف: “فكيف تسند الفعل لمرفوعه (الفاعل ونائبه)؟ (ص68)، لعلّ الأولى تعدية الفعل (تسند) بحرف الجرّ (إلى) فيقال: إلى مرفوعه. السابعة: قال المؤلّف: “تفسِدُنَّ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لالتقاء الساكنين” (ص70) هنا سهوٌ لعلّ صوابه: لتوالي الأمثال (النونات الثلاث)، فلم يلتقِ ساكنان هنا. الثامنة: قال المؤلّف: “تكونَنَّ وهو مبنيّ؛ لأنّ نون التوكيد باشرت الفعل، فالفاعل ضمير مستتر تقديره أنت” لعلّ الصواب: فاسم تكون، وليس الفاعل. التاسعة: قال المؤلّف: “وإنّما يعالج ما عرض فيه من الاستثقال حسب سبب هذا الاستثقال” (ص75) لعلّ الأولى: بحسب. العاشرة: قال المؤلّف: “سواء أكان مفكوكًا، وهو أظهر وأوضح، أو كان مدغمًا” (ص78)، ولعلّ الصواب: أمْ في أسلوب التسوية. الحادية عشرة: في المرجع الثامن والخمسين قال المؤلّف: “رضي الدين الاستراباذي” (ص97)، ولعلّ صوابه (الأستراباذيّ) بهمزة القطع المفتوحة نسبة إلى بلدة (أستراباذ) كما أشار إلى ذلك ياقوت (معجم البلدان، ياقوت الحمويّ، جـ1، ص 174، ص175). وفي المرجع السادس والثمانين (المحكم) رسم المؤلّف (سيده) بالهاء، وفي المرجع السابع والثمانين (المخصّص) رسم المؤلّف (سيدة) بالتاء المربوطة (ص99)، كان ينبغي توحيد الكتابة، نعم، الوجهان جائزان بالهاء مشهور عند كثير من المتقدّمين، وصحّح كتابتها بالتاء المربوطة صفاء البيّاتي في بحث منشور له وسمه بـ(الحصيدة من عبارة ابن خلّكان في ضبط ابن سيدة)، وقد يُفسَّر استعمال المؤلّف للكتابتين بالإشارة إلى جواز ذلك. هذه الملحوظات اليسيرة لا تمسّ جوهر الكتاب، ولا تؤثّر في البنية المعرفيّة التي قصدها المؤلّف، وكان ذكرها من باب إصلاح ما يراه المؤلّف من وجاهة بعضها في الطبعات اللاحقة. وهذا الكتاب فريدٌ في بابه، فلم أقف -بحسب اطّلاعي- على كتاب قبله عرض لهذا الموضوع عرضًا مبسوطًا مشفوعًا بالحجج والأدلّة والشواهد، وقمينٌ بكلّ متخصّص أو مهتمّ بعلوم اللغة، أو مهتمّ بعلوم الشريعة أن يقرأ هذا الكتاب؛ ليرشده إلى مواضع الترابط، والتداخل بين علوم اللغة فيما بينها، وبين علم التصريف وعلوم الشريعة. المصدر: شرف علم التصريف، فريد بن عبد العزيز الزامل، دار ابن الجوزي، الدمّام، المملكة العربيّة السعوديّة، الطبعة الأولى، 1447هـ/ 2025م.